قصص وروايات

اختفت في وادي صحراوي

اختفت في وادي صحراوي وبعد سنتين ظهرت في مكان مش موجود على أي خريطة!

اختفت وهي رايحة رحلة مشي عادية في الصحراء، وبعد سنتين، ضابط شرطة لقاها بتزحف جنب طريق سريع مهجور، في حالة مقلقة!

كانت رجليها مليانة آثار، وشعرها طويل لحد ما عدى خصرها، وجسمها هزيل لدرجة إن ملامحها بالكاد كانت باينة.

وأول ما الضابط قرب منها، مسكت إيده وهمست بقلق:

أرجوك متقولوش إنك لقيتني!

لكن اللي حصل بعدها كان أغرب من اختفائها نفسه.

لما المحققين عرفوا هي كانت فين طول السنتين دول، اكتشفوا سر مقلق، خلّى كل اللي في القضية يشكوا إن فيه حالات تانيين لسه عايشين ومحدش يعرف مكانهم!

الجزء الأول: الست اللي الصحراء رفضت ترجعها

يوم 3 أغسطس سنة 2023، الساعة 5:18 الصبح بالظبط، كانت ضابطة شرطة الطرق السريعة في نيفادا، تيريزا رييس، ماشية في طريق 95 السريع، لما لمحت حاجة بتتحرك جنب الطريق.

في الأول افتكرتها حيوان مصاب.

كان فيه جسم بيزحف وسط التراب، وكل شوية يحاول يقف على رجليه، لكنه يقع تاني.

لما نور العربية وقع على وشها، تيريزا اتجمدت مكانها.

دي كانت ست!

ملامحها كانت متغيرة تمامًا، خدودها غائرة، شفايفها متشققة وبتنزف، ورجليها ملفوفة بقطع قماش وسخة.

شعرها المتشابك كان نازل لحد تحت خصرها، وكانت لابسة قميص رجالي واسع، ومفيش أي حاجة تانية عليها.

تيريزا وقفت العربية ونزلت بسرعة.

يا مدام! سامعاني؟

الست اتجمدت مكانها.

بدل ما تطلب المساعدة، نزلت على ركبتيها وبدأ جسمها يرتعش بعنف.

أرجوكِ.

تيريزا قربت منها بحذر.

إنتِ في أمان. أنا ضابطة شرطة.

الست مسكت معصمها بقوة غريبة، وهمست:

متقوليلوش إني هنا!

تيريزا بصتلها باستغراب.

مين؟

الست بصت ناحية الصحراء الفاضية، وعينيها اتسعت من القلق.

هييجي يدور عليّا!

وبعدها فقدت الوعي.

في المستشفى، الأطباء اكتشفوا حاجات خلت حتى أصحاب الخبرة منهم يسكتوا من الصدمة.

وزن الست كان حوالي 42 كيلو بس.

كانت بتعاني من سوء تغذية شديد، وجفاف، وآثار ملتهبة.

لكن أكتر حاجة لفتت نظرهم كانت رجليها.

الكاحلين عليهم آثار دائرية عميقة، مش آثار عادية، دي آثار بتتوافق مع تقييد الشخص بسلاسل أو قيود معدنية لفترة طويلة جدًا.

كمان كان فيه أصابع مكسورة والتأمت بشكل غلط، وجسمها عليه علامات إنها قضت فترة طويلة بعيد عن ضوء الشمس.

لكن محدش كان يعرف هي مين.

مفيش معاها بطاقة شخصية، وكانت رافضة تجاوب على أي سؤال.

كل ما حد يفتح الباب، كانت بتحط إيديها فوق راسها بشكل غريزي.

وكل ما راجل يدخل الأوضة، كانت بتتنفس بصعوبة وتبدأ ترتعش.

في النهاية، المحققين أخدوا بصماتها.

وبعد دقايق، فني البصمات فضل باصص للشاشة مش مصدق اللي شايفه.

البصمات كانت لمليسا تشابمان.

بنت عندها 27 سنة، وعالمة أحياء برية، اختفت في يوليو سنة 2021.

الست اللي اختفاؤها اتحول لواحد من أغرب ألغاز الصحراء.

الست اللي الكل كان فاكر إنها غابت من سنتين.

لكنها رجعت.

واللي حصل لها خلال السنتين دول كان أسوأ بكتير من أي حاجة حد تخيلها.

قبل الاختفاء بسنتين

يوم 15 يوليو سنة 2021، مليسا خرجت من شقتها في لاس فيجاس قبل شروق الشمس.

كانت بتحب الصحراء.

مش الصحراء القاسية اللي الناس بتخاف منها، لكن عالمها الهادي المليان زهور برية وصخور قديمة وكائنات صغيرة بتظهر بعد المطر النادر.

كانت شغالة في منظمة لحماية البيئة، وكانت بتقضي إجازات نهاية الأسبوع في تصوير النباتات النادرة.

الصبح ده كانت متحمسة بشكل خاص.

وصلها خبر عن زهرة نادرة ظهرت بالقرب من وادي أماروسا، على الحدود بين كاليفورنيا ونيفادا.

زميلتها في السكن، أليسيا توريس، كانت بتتفرج عليها وهي بتجهز الكاميرا ومعدات التصوير.

أليسيا سألتها:

إنتِ بجد هتروحي لوحدك؟

مليسا ضحكت.

متقلقيش، أنا عملت الرحلة دي ميت مرة.

أليسيا ردت:

كل اللي بيحصل لهم حاجة بيقولوا كده في أفلام القلق!

مليسا ابتسمت وقالت:

خلاص، خليهم يختاروا ممثلة حلوة لو عملوا فيلم عني.

أليسيا رمت عليها مخدة وهي بتضحك.

ولا واحدة فيهم كانت تعرف إن دي هتكون آخر مرة يضحكوا فيها سوا لمدة أكتر من سنتين.

الساعة 7:14 الصبح، مليسا وقفت في محطة بنزين في بيكر، كاليفورنيا.

كاميرات المراقبة سجلتها وهي بتشتري زجاجة مياه وقطعة بروتين.

كانت باينة عليها السعادة والراحة.

ولا عندها أي فكرة عن اللي مستنيها.

الساعة 8:22 الصبح، بعتت لأليسيا آخر رسالة:

وصلت لبداية الطريق. مفيش شبكة بعد كده. غالبًا هرجع ليلة الأحد. بحبك!

بعدها، عربية مليسا الزرقاء، تويوتا RAV4، ظهرت في تسجيلات وهي داخلة موقف السيارات عند بداية مسار الرحلة.

وبعدين اختفت مليسا.

لا مكالمات.

لا صور جديدة.

لا رسائل.

ولا أي أثر.

لما جه يوم الاثنين ومليسا مرجعتش شغلها، أليسيا عرفت إن فيه حاجة غلط.

قالت للمحققين:

مستحيل تختفي كده من غير ما تقول. أكيد حصل لها حاجة!

فرق البحث لقوا عربية مليسا لسه في مكانها عند بداية المسار.

كانت مقفولة.

محفظتها جواها.

وكمان شنطتها.

وده كان أول شيء حيّر المحققين.

مليسا كانت خبيرة في المشي بالصحراء.

إزاي تدخل وادي بعيد من غير معداتها الأساسية؟

فرق الإنقاذ بدأت تتبع المسار.

على بُعد حوالي كيلومترين ونص من موقف السيارات، لقوا زجاجة المياه بتاعتها.

وبعد مسافة، في مجرى مائي جاف، لقوا فردة من حذاء المشي بتاعها.

الحذاء كان واقع على جنبه.

وبجانبه، كانت فيه علامات غريبة في التراب.

شكلها كأن حاجة تقيلة اتسحبت على الأرض.

أو شخص.

كلاب البحث تتبعت الرائحة لحد هضبة صخرية.

وبعدين الرائحة اختفت تمامًا.

لمدة 14 يوم، طيارات الهليكوبتر كانت بتمشط الوديان، وفرق الإنقاذ كانت بتفتش مساحة حوالي 78 كيلومتر مربع.

لقوا قطعة قماش زرقاء ممزقة، شبه القميص اللي مليسا كانت لابساه.

ولقوا آثار أقدام جزئية، مش باين إنها بتخصها.

لكن مليسا نفسها محدش لقاها.

في النهاية، عملية البحث عن ناجية اتحولت لعملية بحث عن حالة.

السلطات اعتقدت إن الحرارة الشديدة أنهت حياته

لكن أهلها رفضوا يصدقوا إنها غابت.

أمها، إيفلين تشابمان، سابت أوضتها زي ما هي، بكل تفاصيلها.

وأبوها فضل يسافر مئات الكيلومترات عشان يشارك في عمليات البحث التطوعية.

أما أليسيا، ففضلت تتصل بموبايل مليسا كل يوم أحد بالليل.

المكالمات كانت بتتحول للبريد الصوتي.

لكن أليسيا كانت بتسيب رسائلها برضه.

إزيك يا ميل؟ أنا تاني.

سكتة قصيرة.

لسه بندور عليكي.

سكتة تانية.

أرجوكي ارجعي البيت.

عدّى عيد ميلادين.

وعيدين كريسماس.

وصيفين كاملين.

وبعدين جه صباح أغسطس سنة 2023.

مليسا رجعت.

لكنها كانت قلقة من إنها تتلاقى مع حد.

الحكاية اللي مكنتش منطقية

بعد 3 أيام من تحديد هويتها، المحقق لويس أورتيجا وصل لأوضة مليسا في المستشفى.

كان متوقع يسمع حكاية عن احتفاظ غير قانوني.

لكن مليسا قالت له حاجة تانية تمامًا.

همست:

أنا تهت.

أورتيجا قرب منها.

تهتي فين؟

في الوادي.

لمدة سنتين؟

هزت راسها.

لقيت كوخ قديم. ساعات كنت بلاقي أكل. وكنت بجمع مياه المطر.

المحقق بص على آثار القيود في رجليها.

مين اللي عمل العلامات دي؟

مليسا سكتت.

مليسا؟

عينيها اتحركت ناحية فتحة التهوية في السقف.

وبعدين ناحية الباب.

وبعدين رجعت تبص للسقف.

مش فاكرة.

أورتيجا فضل يراقبها.

إيديها كانت ناعمة.

وجلدها مفيهوش علامات واضحة تدل على إنها قضت فترة طويلة في العراء.

والأطباء كانوا أكدوا بالفعل إن حالتها بتتوافق مع بقاء طويل في مكان مغلق.

حد كان حابس مليسا في مكان ما.

مكان مظلم.

مكان مخفي.

لكن ليه كانت بتكدب؟

لمدة 3 أسابيع، مليسا كررت نفس الحكاية.

تايهة في الصحراء.

لقيت كوخ مهجور.

وعاشت لوحدها.

وكل ما المحققين يسألوها عن التناقضات، كانت بتسكت.

لحد ما حصلت حاجة قلبت القضية كلها.

في يوم، ممرضة دخلت أوضة مليسا وهي شايلة الغدا.

مليسا كانت قاعدة على السرير، وبتبص لورقة مطوية جنب طبق الأكل.

وشها كان أبيض تمامًا.

الممرضة سألتها:

مليسا؟ مالك؟

لكن مليسا ماردتش.

الممرضة أخدت الورقة وفتحتها.

كان مكتوب فيها جملتين بس:

أنا عارف إنتِ فين.

إنتِ لسه جزء من مجموعتي.

الممرضة اتصلت بالأمن فورًا.

ومليسا بدأت تصرخ.

مش لأن حد حذرها.

لكن لأنها عرفت الخط.

ولما المحقق أورتيجا راجع تسجيلات كاميرات المستشفى، شاف حاجة خلت الإحساس يتجمد في عروقه.

عامل صيانة دخل أوضة مليسا قبلها بساعات.

كان لابس زي المستشفى.

وشايل صندوق عدة.

وابتسم للكاميرا بكل هدوء.

لكن إدارة المستشفى أكدت حاجة مقلقة.

الراجل ده عمره ما اشتغل عندهم.

ولما المحققين كبروا صورة وشه، مليسا عرفته فورًا.

بدأت تعيط وتقول:

هو ده!

أورتيجا قرب منها.

مين ده يا مليسا؟

ردت عليه وهي بتترعش:

الراجل اللي حبسني تحت الأرض.

وبعدين مسكت كم المحقق وهمست:

يا حضرة المحقق.

صوتها وطي أكتر.

أنا مكنتش أول واحدة ياخدها.

نهاية الجزء الأول

تابعوا الجزء الثاني في التعليقات عشان تعرفوا مين كان مستخبي تحت الصحراء، وليه مليسا كانت متأكدة إن فيه ست تانية لسه عايشة!

الجزء الثاني: السر اللي كان مدفون تحت الصحراء

أنا مكنتش أول واحدة ياخدها.

الجملة دي فضلت ترن في ودن المحقق لويس أورتيجا حتى بعد ما خرج من أوضة مليسا تشابمان.

وقف في الممر، وبص للورقة اللي الممرضة سلمتهاله. جملتين مكتوبين بخط واضح، من غير توقيع:

أنا عارف إنتِ فين.

إنتِ لسه جزء من مجموعتي.

أورتيجا كان محققًا مخضرمًا، شاف حالات احتفاظ غير قانوني وضغط وأذى، لكن اللي قدامه كان مختلفًا. الحالة اختفت من سنتين، ورجعت من غير ما تقدر تشرح اللي حصل لها. وبعد أيام من عودتها، الشخص اللي احتفظ بيها قدر يدخل المستشفى ويوصل لسريرها.

ده معناه إن الشخص مش بس عارف مكانها.

ده معناه إنه متابعها.

أورتيجا طلب مراجعة كل تسجيلات المستشفى، ومنع دخول أي شخص لأوضة مليسا من غير تصريح مباشر منه. كمان طلب نقلها إلى جناح أكثر أمانًا، مع وجود حراسة على مدار الساعة.

وبعدها رجع لأوضتها.

مليسا كانت قاعدة على السرير، ضامة رجليها لصدرها، وبتبص ناحية الباب.

مليسا، أنا محتاج أتكلم معاكي.

هزت راسها بالنفي.

مش هيسيبني.

مين؟

هو.

إحنا هنحميكي. لكن لازم تساعدينا نفهم.

فضلت ساكتة.

أورتيجا قعد على الكرسي المقابل، وحط الورقة على الترابيزة.

الراجل اللي دخل المستشفى. إنتِ عرفتيه من أول ما شفتي صورته. أنا محتاج أعرف اسمه.

مليسا غمضت عينيها.

اسمه دانيال.

دانيال إيه؟

موريس.

أورتيجا سجل الاسم في دفتره.

كان بيشتغل إيه؟

كان بيقول إنه مهندس. ساعات كان بيصلح حاجات. وساعات كان بيقول إنه بيشتغل في الأبحاث.

إنتِ قابلتيه فين؟

مليسا فتحت عينيها، وبصت للمحقق.

في الصحراء.

قبل ما تختفي؟

هزت راسها.

لأ. بعد ما اختفيت.

أورتيجا قرب الكرسي منها.

يعني إيه؟

مليسا بدأت تحكي.

الرجل اللي كان بيظهر وقت ما تحتاج مساعدة

بعد اختفاء مليسا من وادي أماروسا، كانت فاكرة إنها هتقدر ترجع لموقف السيارات قبل غروب الشمس.

لكن في اليوم الأول، حصلت حاجة غيرت كل شيء.

كانت ماشية في مجرى جاف بين الصخور، لما سمعت صوت محرك عربية قريبة. رفعت إيديها وبدأت تنادي، لكن العربية ماوقفتش.

بعدها بوقت قصير، شافت رجل واقف على مسافة منها.

كان في أواخر الأربعينات، متوسط الطول، لابس قميص عمل رمادي وبنطلون بني. ملامحه عادية جدًا، لدرجة إنها ماقدرتش تفتكرها كويس بعد كده.

قال لها:

إنتِ تايهة؟

مليسا ردت بسرعة:

أيوه. عربيتي عند بداية المسار. محتاجة أرجع للطريق.

الراجل بص حواليه.

الطريق من هنا بعيد. تعالي، أنا عندي عربية.

في البداية رفضت.

لكن الرجل أشار إلى زجاجة المياه اللي كانت في إيده، وقال إنه يقدر يوصلها لمكان فيه شبكة تليفون.

مليسا كانت عطشانة، وحرارة الصحراء بدأت تزيد.

وافقت تمشي معاه.

بعد حوالي عشرين دقيقة، وصلوا إلى مدخل منخفض بين الصخور، ومنه ظهر طريق ترابي ضيق.

كان فيه مبنى صغير شبه مخزن قديم، وبجواره سيارة بيضاء.

مليسا سألت:

إحنا فين؟

قال:

مكاني. هتستريحي شوية، وبعدها أوصلك.

دخلت المبنى.

وكانت دي آخر مرة تشوف الشمس بشكل طبيعي لمدة سنتين.

في البداية، لم يكن المكان يبدو كسجن.

كان فيه سرير حديدي، وكرسي، وطاولة صغيرة، ومروحة قديمة. وعلى الحائط رف عليه أطعمة معلبة وزجاجات مياه

 

لكن لما طلبت منه تليفونًا، رفض.

ولما حاولت تخرج، اكتشفت إن الباب مقفول من الخارج.

صرخت.

حذرته.

حاولت تكسر الباب.

لكنه وقف خلفه وقال بهدوء:

إنتِ مش فاهمة. أنا بحميكي.

مليسا لم تصدقه.

وفي الليلة نفسها، حاولت الهرب من نافذة صغيرة في الحمام.

لكن الرجل كان متوقعًا المحاولة.

لما رجعت إلى المحقق أورتيجا في ذاكرتها، توقفت هنا.

بعدها؟ سألها.

مليسا ضغطت على إيديها.

بعدها، كل يوم كان شبه اللي قبله.

المكان اللي مكنش موجود على الخرائط

المبنى لم يكن كوخًا مهجورًا كما قالت مليسا في إفادتها الأولى.

كان جزءًا من منشأة قديمة لاستخراج المياه الجوفية، أُغلقت قبل سنوات طويلة بعد فشل المشروع.

المنشأة كانت تقع في منطقة نائية بين نيفادا وكاليفورنيا، بعيدًا عن الطرق الرئيسية، وتحيط بها أراضٍ صخرية ومسارات ترابية غير مستخدمة.

لكن المبنى الظاهر فوق الأرض لم يكن سوى جزء صغير من المكان.

تحته كانت توجد غرف تخزين وممرات قديمة، بعضها متصل بخزانات مياه ضخمة، وبعضها كان يستخدمه العمال قبل إغلاق المشروع.

دانيال موريس كان يعرف المكان جيدًا.

قبل سنوات، عمل في صيانة المعدات الخاصة بالمنشأة، وبعد إغلاقها ظل يحتفظ بمفاتيح بعض المباني.

وعندما اختفت مليسا، لم يكن قد خطط لاحتفاظها تحديدًا.

لكن وجودها في المنطقة منحه فرصة.

كان دانيال قد بدأ منذ سنوات يعاني من اضطرابات نفسية وسلوك متسلط، واعتقد أن بإمكانه التحكم في حياة أشخاص آخرين بحجة حمايتهم.

كان يختار نساء يعتقد أنهن وحيدات أو لا يوجد من يبحث عنهن بسرعة، ثم يقنعهن بأنه يساعدهن.

وفي حالة مليسا، استغل خبرتها بالصحراء وثقتها في الغرباء الذين يقدمون المساعدة.

لكن احتفاظه بيها لم يكن حادثًا عابرًا.

كان بداية نمط متكرر.

أول خيط حقيقي

بعد سماع إفادة مليسا، طلب أورتيجا من فريقه مراجعة ملفات الأشخاص المفقودين في المناطق الصحراوية المحيطة خلال السنوات العشر السابقة.

الاسم الأول الذي ظهر كان امرأة تدعى جينيفر كولنز، عمرها 34 سنة، اختفت أثناء رحلة تخييم في عام 2018.

بعدها ظهرت قضية امرأة أخرى، تدعى راشيل ميلر، اختفت في عام 2019 أثناء سفرها بمفردها.

ثم رجل يدعى توماس غرين، كان يعمل فنيًا في إحدى محطات الطاقة الشمسية، واختفى في عام 2020.

القضايا الثلاث لم تكن مرتبطة رسميًا.

لكن أورتيجا لاحظ شيئًا مشتركًا.

كل الحالات اختفوا في مناطق قريبة من منشآت مهجورة أو طرق ترابية بعيدة.

وكل عمليات البحث انتهت من غير العثور على حالات.

أورتيجا طلب من فريقه مقارنة تفاصيل القضايا مع إفادة مليسا.

بعد ساعات، ظهر تطابق مهم.

في قضية جينيفر كولنز، كان أحد الشهود قد ذكر رجلًا يقود سيارة بيضاء، ويعمل في صيانة المنشآت القديمة.

لكن الشاهد لم يتذكر اسمه.

أما في قضية راشيل ميلر، فقد أبلغ أحد أصحاب المحال عن رجل اشترى كميات كبيرة من المياه المعبأة والمواد الغذائية، وكان يستخدم بطاقة دفع باسم دانيال موريس.

الاسم نفسه.

أورتيجا طلب إصدار مذكرة تفتيش لمكان إقامة دانيال، وبدأ فريق آخر في مراجعة سجلاته المالية واتصالاته.

لكن قبل تنفيذ المذكرة، وصلهم خبر جديد.

دانيال موريس اختفى.

الرجل الذي لم يكن في منزله

في صباح اليوم التالي، وصلت قوة من الشرطة إلى منزل دانيال في بلدة صغيرة قرب بيكر.

كان المنزل بسيطًا، من طابق واحد، ومحاطًا بسياج معدني.

لم يكن هناك أحد.

داخل المنزل، وجد المحققون ملابس مرتبة، وأدوات صيانة، وخرائط ورقية للصحراء، ودفاتر قديمة.

في أحد الأدراج، وجدوا إيصالات شراء لبطاريات ومصابيح ومياه معبأة، تعود إلى سنوات مختلفة.

وفي غرفة النوم، عثروا على هاتف محمول قديم، يحتوي على صور لمناطق صحراوية ومداخل منشآت مهجورة.

لكن أهم شيء كان في المرآب.

سيارة بيضاء قديمة، عليها آثار طين جاف.

رقم اللوحة كان مسجلًا باسم دانيال موريس.

أرسل فريق الأدلة الجنائية السيارة للفحص، بينما بدأ المحققون في تتبع آخر تحركاته.

كاميرات إحدى محطات الوقود سجلت السيارة قبل يومين من اختفاء دانيال.

كان متجهًا غربًا.

وبعد مراجعة تسجيلات الطرق، ظهرت السيارة مرة أخرى بالقرب من طريق ترابي يؤدي إلى منطقة المنشأة القديمة.

أورتيجا لم ينتظر.

أصدر أوامر بتجهيز فريق بحث وإنقاذ، وطلب دعمًا من وحدة الوقائع الكبرى.

في نفس الوقت، عاد إلى المستشفى.

مليسا كانت أكثر هدوءًا من اليوم السابق.

مليسا، إحنا لقينا مكان ممكن يكون هو اللي احتفظ بيكي فيه.

رفعت عينيها.

هل فيه حد تاني هناك؟

لسه مش عارفين.

مليسا بدأت تبكي.

كان فيه صوت.

صوت مين؟

ست. كنت بسمعها من تحت الأرض.

أورتيجا سكت.

إنتِ متأكدة؟

هزت راسها.

كانت بتخبط على الحيط. ساعات كانت بتعيط. وأنا كنت بخبط عليها، لكن دانيال كان بيزعقلي ويمنعني.

إنتِ تعرفي اسمها؟

لأ.

شفتيها؟

مرة واحدة.

مليسا أخذت نفسًا عميقًا.

كانت واقفة في آخر الممر. كانت ضعيفة جدًا. دانيال شدها من دراعها ورجعها للأوضة.

أورتيجا كتب كل كلمة.

ثم سألها:

إنتِ تقدري تدلينا على المكان؟

مليسا ترددت.

أقدر أحاول.

البحث تحت الأرض

في الساعة 6:40 صباحًا، وصلت قوة الشرطة إلى المنشأة القديمة.

كان الموقع يبعد عشرات الكيلومترات عن أقرب بلدة، ولا توجد فيه تغطية هاتفية مستقرة.

بدأ الفريق بتفتيش المبنى الظاهر فوق الأرض.

لم يجدوا أحدًا.

لكن أحد الضباط لاحظ آثار عجلات حديثة بالقرب من مدخل جانبي، خلف مجموعة من الصخور.

كانت هناك بوابة معدنية مغطاة بالتراب.

وعندما فتحوها، اكتشفوا درجًا ينزل إلى الأسفل.

أرسل أورتيجا فريقًا صغيرًا مزودًا بمعدات الإضاءة والاتصال.

في نهاية الدرج، وجدوا ممرًا طويلًا، وعلى جانبيه أبواب معدنية.

الأبواب كانت مقفولة.

أحد الضباط نادى:

شرطة! لو فيه حد هنا، إحنا جايين نساعدك!

لم يسمعوا ردً

ثم جاء صوت ضعيف من خلف أحد الأبواب:

مياه.

الفريق فتح الباب بالقوة.

في الداخل، كانت امرأة تجلس على سرير ضيق.

شعرها قصير وغير مرتب، ووجهها شاحب، لكنها كانت واعية.

أحد المسعفين اقترب منها.

إحنا الشرطة. إنتِ في أمان.

المرأة بدأت تبكي.

هو راح؟

مين؟

دانيال.

أورتيجا وصل إلى الغرفة بعد دقائق.

المرأة عرّفت نفسها باسم جينيفر كولنز.

كانت مفقودة منذ خمس سنوات.

لكنها لم تكن الوحيدة.

في غرفة أخرى، وجدوا راشيل ميلر.

وفي غرفة ثالثة، وجدوا توماس غرين.

كان توماس يعاني من إصابة قديمة في ساقه، لكنه كان قادرًا على الكلام.

ثلاثة أشخاص اختفوا منذ سنوات، وكانوا لا يزالون على قيد الحياة.

المنشأة التي لم تظهر على الخرائط السياحية كانت مكان بقائهم.

لكن دانيال لم يكن هناك.

شهادة جينيفر

بعد نقل الناجين إلى المستشفى، بدأ المحققون في جمع إفاداتهم.

جينيفر كانت أول من استطاع التحدث لفترة طويلة.

قالت إنها اختفت في أكتوبر 2018، بعدما تعطلت سيارتها على طريق صحراوي.

دانيال ظهر لها مدعيًا أنه عامل صيانة، وعرض أن يساعدها.

وعندما وصلت إلى المنشأة، اكتشفت أنها مقيمة فيه بغير إرادتها.

في البداية، كان دانيال يكرر أنها ستبقى أيامًا قليلة، حتى يتأكد من أن الطريق آمن.

لكن الأيام تحولت إلى شهور.

كان يزودها بالطعام والماء، ويمنعها من الخروج.

وكان يفرض عليها قواعد صارمة.

ممنوع الصراخ.

ممنوع الاقتراب من الأبواب.

ممنوع الحديث مع أي شخص آخر.

وكان يحذرها بأنه سيتركها في الصحراء إذا حاولت الهرب.

جينيفر حاولت الهرب أكثر من مرة.

في إحدى المحاولات، وصلت إلى السطح، لكنها لم تكن تعرف اتجاه الطريق، ولم يكن معها ماء.

اضطرت للعودة.

أما راشيل، فقد احتُجزت في المنشأة منذ عام 2019.

وكانت قد سمعت عن مليسا قبل أن تصل.

كان بيتكلم عنها، قالت راشيل للمحققين.

كان يقول إن فيه واحدة جديدة، وإنها عنيدة ومش بتفهم إن المكان ده هو الوحيد الآمن ليها.

أورتيجا سألها:

كان بيقول إنه بيحميكم؟

راشيل هزت راسها.

طول الوقت.

ثم أضافت:

لكنه كان بيخاف من حاجة واحدة.

إيه هي؟

إن حد يعرف المكان.

لماذا لم يؤذهم؟

السؤال الذي شغل المحققين كان واضحًا.

لماذا احتفظ دانيال بهؤلاء الأشخاص لسنوات، بدلًا من إيذائهم؟

الإجابة ظهرت تدريجيًا من شهادات الناجين ومن الأدلة التي عُثر عليها في منزله.

دانيال كان يعيش حياة مزدوجة.

في الخارج، كان رجلًا هادئًا، يعمل في صيانة المعدات، ويساعد أحيانًا في إصلاح سيارات السكان.

أما في المنشأة، فكان يتصرف كأنه صاحب سلطة مطلقة.

كان يعتقد أن العالم الخارجي خطر، وأن الأشخاص الذين يحتفظ بهم لن يستطيعوا النجاة من دونه.

لم يكن يطلب فدية.

لم يكن يسعى إلى المال.

كان يريد السيطرة.

وكان يستخدم فكرة الحماية لتبرير كل شيء.

لكن هذا لا يعني أنه لم يكن يدرك أن ما يفعله واقعة.

ففي أحد دفاتره، كتب:

لو خرجوا، سيقولون إنني احتفظت بهم. لن يفهموا أنني كنت أحافظ عليهم.

وفي صفحة أخرى:

لا يمكن أن أسمح لهم بالعودة إلى الحياة التي كانت ستؤذيهم.

هذه العبارات لم تكن دليلًا على البراءة.

كانت دليلًا على أنه بنى لنفسه مبررات لتبرير احتفاظه بأشخاص أبرياء.

الخيط الذي قاد إلى دانيال

بينما كان المحققون يفحصون المنشأة، كان فريق آخر يتتبع تحركات دانيال.

اكتشفوا أنه استخدم بطاقة مصرفية في بلدة صغيرة بولاية أريزونا، بعد يوم واحد من اختفاءه.

كاميرا متجر سجلته وهو يشتري ملابس ومستلزمات سفر.

ثم ظهر في تسجيل آخر وهو يشتري هاتفًا جديدًا.

كان يحاول الابتعاد عن المنطقة.

لكن المحققين اكتشفوا خطأ ارتكبه.

قبل اختفائه، أرسل رسالة إلى شخص يعرفه منذ سنوات، يسأله عن إمكانية العمل في ورشة صيانة خارج الولاية.

الشخص أبلغ الشرطة عندما عرف أن دانيال مطلوب.

وبعد مراجعة بيانات الهاتف الجديد، تمكنت السلطات من تحديد موقعه بالقرب من محطة حافلات في مدينة صغيرة.

في الساعة 11:25 مساءً، وصلت قوة من الشرطة إلى المحطة.

كان دانيال جالسًا على مقعد، يحمل حقيبة صغيرة.

لم يقاوم الاعتقال.

ولم يحاول الهرب.

عندما اقترب منه الضابط، رفع يديه وقال:

كنت عارف إنكم هتوصلوا لي.

المواجهة

في غرفة التحقيق، جلس دانيال أمام أورتيجا.

كان يرتدي قميصًا أزرق، وشعره مرتبًا، وملامحه هادئة.

أورتيجا وضع أمامه صورة مليسا.

تعرفها؟

دانيال نظر إلى الصورة.

أيوه.

احتفظت بيها؟

هي كانت محتاجة مساعدة.

أورتيجا لم يرفع صوته.

احتفظت بيها سنتين.

دانيال حرك رأسه ببطء.

هي كانت هتموت في الصحراء.

إنت اللي منعتها من الخروج.

كنت بحميها.

أورتيجا وضع صورة جينيفر أمامه.

ودي؟

دانيال لم يرد.

ثم وضع صورة راشيل.

ثم صورة توماس.

دانيال نظر إلى الصور الثلاث.

أنا ما أذيتهمش.

أورتيجا قال:

إنت حرمتهم من حريتهم. من عائلاتهم. من حياتهم.

دانيال انحنى إلى الأمام.

إنت مش فاهم.

اشرحلي.

دانيال بدأ يتكلم عن طفولته، وعن والده الذي كان يتركه وحده، وعن سنوات عمله في الصحراء.

قال إنه شاهد أشخاصًا يغيبون بسبب الإهمال، وإنه بدأ يعتقد أن الناس لا يعرفون كيف يحمون أنفسهم.

ثم تحدث عن جينيفر.

قال إنه وجدها بعد تعطل سيارتها، وإنها كانت مصابة بالجفاف.

وعندما رفضت البقاء في المنشأة، شعر أنها لا تفهم خطورة وضعها.

قال إنه أقنع نفسه بأنها ستشكره لاحقًا.

لكنها لم تشكره.

ولا أي واحدة من النساء.

أورتيجا استمع حتى انتهى.

ثم سأله:

ومليسا؟

دانيال سكت.

ليه كتبت لها الرسالة في المستشفى؟

كنت عايزها تعرف إنني لم أنسها.

إنت كنت عايز تخوفها.

دانيال لم ينكر.

كنت عايزها ترجع.

أورتيجا أغلق دفتره.

هي مش هترجع. ولا أي واحدة منهم.

ما لم تقله مليسا

بعد القبض على دانيال، عادت مليسا إلى جلسات الاستماع.

هذه المرة، كانت أكثر استعدادًا للكلام.

قالت إنها لم تكن تائهة في الصحراء طوال السنتين.

كانت محتفظ بها.

لكنها لم تستطع قول ذلك في البداية.

كنت قلقة إنه يرجع، قالت.

كنت عارفة إنه يقدر يوصل لي. حتى لما كنت في المستشفى، كنت متأكدة إنه هيظهر.

المحقق سألها:

ليه قلتي إنك كنتِ في كوخ؟

مليسا أخذت وقتًا قبل الرد.

لأنه كان بيقول إن محدش هيصدقني. كان بيقول إنهم هيعتبروني مريضة، وإنه لو خرجت هيتهمني إني أخذت منه.

كانت تخشى أن تتحول من حالة إلى متهمة.

وكانت تخشى أيضًا أن تؤدي شهادتها إلى إيذاء الناجين الآخرين.

كنت عارفة إن فيه ناس تحت الأرض، قالت.

لكن ماكنتش عارفة إذا كانوا لسه عايشين.

أورتيجا طمأنها بأنهم وجدوا الثلاثة.

للمرة الأولى منذ عودتها، بكت مليسا من غير أن تحاول إخفاء وجهها.

الأدلة التي أنهت القضية

لم تعتمد القضية على اعتراف دانيال وحده.

جمع المحققون أدلة مادية متعددة.

في المنشأة، عثروا على سجلات مكتوبة بخط يده، تتضمن مواعيد الطعام، وملاحظات عن حالة الناجين، وأسماءهم.

كما عثروا على متعلقات شخصية تخص الحالات، بينها بطاقة هوية جينيفر، وساعة راشيل، وكاميرا مليسا.

في سيارة دانيال، وجد المختبر الجنائي آثارًا تطابقت مع ألياف من ملابس مليسا التي عُثر عليها قرب مسار الرحلة.

أما هاتفه القديم، فاحتوى على صور للمنشأة، ورسائل تثبت أنه كان يتابع أخبار عمليات البحث عن المفقودين.

ومن خلال سجلات الشراء، أثبت المحققون أنه كان يشتري الطعام والمياه بكميات كبيرة على مدار سنوات.

كذلك، كشفت سجلات الاتصالات أنه كان يراقب بعض أفراد عائلات الحالات عبر الإنترنت.

كل دليل كان يضيف جزءًا جديدًا إلى الصورة.

لم يعد الأمر مجرد اختفاءات منفصلة.

كان هناك رجل واحد، ومكان واحد، ونمط واحد.

عودة الناجين إلى الحياة

لم تكن عودة الناجين إلى عائلاتهم سهلة.

جينيفر احتاجت إلى أشهر من العلاج النفسي والجسدي.

راشيل لم تستطع النوم في غرفة مغلقة، وكانت تترك باب منزلها مفتوحًا طوال الليل.

أما توماس، فكان يشعر بالذنب لأنه لم يتمكن من مساعدة الآخرين على الهرب.

مليسا عادت إلى لاس فيجاس بعد فترة علاج طويلة.

أليسيا كانت أول من استقبلها.

عندما رأتها، لم تقل شيئًا.

احتضنتها فقط.

وبعد دقائق، قالت مليسا:

أنا آسفة إني اتأخر

إنتِ رجعتي. ده أهم شيء.

في الأيام التالية، زارت مليسا والديها.

أمها احتضنتها طويلًا، ثم أخذت تنظر إلى وجهها وكأنها تحاول التأكد أنها حقيقية.

أبوها لم يستطع الكلام.

جلس بجوارها، وأمسك يدها.

وللمرة الأولى منذ سنتين، نامت مليسا في غرفتها القديمة.

لكنها لم تعد كما كانت.

كانت تحتاج إلى وقت حتى تتقبل صوت الباب، وضوء الشمس، وحتى حركة السيارات في الشارع.

المحاكمة

بعد عشرة أشهر من التحقيق، بدأت محاكمة دانيال موريس.

وجهت إليه النيابة تهم الاحتفاظ غير القانوني والإيذاء النفسي والتجاوز، بالإضافة إلى وقائع أخرى مرتبطة بتزوير السجلات وإخفاء الأدلة.

في المحكمة، جلس الناجون في الصفوف الأمامية.

دانيال لم ينظر إليهم.

خلال شهادتها، وصفت مليسا كيف كانت تقضي أيامها في غرفة مغلقة، وكيف كان دانيال يمنعها من الخروج، ويحذرها إذا حاولت التواصل مع العالم الخارجي.

قالت:

أصعب شيء لم يكن الجوع أو الألم. أصعب شيء كان إنه أقنعني إن محدش هيدور عليّا، وإن حياتي القديمة انتهت.

ثم توقفت لحظة.

لكن أهلي كانوا بيدوروا عليّا. وصاحبتي كانت بتتصل كل أسبوع. وأنا ماكنتش أعرف.

أليسيا كانت تبكي في القاعة.

أما دانيال، فظل ينظر إلى الطاولة أمامه.

عندما جاء دور جينيفر، تحدثت عن السنوات التي فقدتها، وعن أعياد الميلاد التي مرت من غير أن تعرف عائلتها إن كانت حية أم لا.

راشيل تحدثت عن القلق الذي ظل يلاحقها حتى بعد إنقاذها.

وتوماس قال إن دانيال كان يكرر أنه يحميهم، لكنه لم يسمح لهم باتخاذ قرار واحد بأنفسهم.

بعد أسابيع من المرافعات، أصدرت هيئة المحلفين حكمها.

دانيال موريس مذنب في جميع التهم الرئيسية.

وحكمت المحكمة عليه بالعقوبة الطويلة، مع أحكام إضافية تضمن عدم الإفراج عنه بعد فترة قصيرة.

القاضي قال في منطوق الحكم:

ما فعله المتهم لم يكن حماية. كان سلبًا متعمدًا لحرية أشخاص أبرياء، واستغلالًا لقلقهم وضعفهم، وحرمانًا لهم من حقهم في الحياة التي يختارونها.

الحقيقة التي لم تكن على أي خريطة

بعد انتهاء المحاكمة، عادت مليسا إلى المكان الذي اختفت فيه.

لم تدخل المنشأة.

وقفت فقط عند بداية المسار، بجوار اللوحة التي تحمل تحذيرًا من الحرارة الشديدة.

كانت أليسيا معها.

مليسا نظرت إلى الوادي، ثم قالت:

كنت فاكرة إن الصحراء هي اللي أخدتني.

أليسيا أمسكت يدها.

لكنها رجعتك.

مليسا هزت رأسها.

لأ. الناس هم اللي رجعوني.

في ذلك اليوم، وضعت مليسا زهرة برية صغيرة عند بداية المسار.

ثم عادت إلى السيارة.

لم تكن تريد أن تنسى ما حدث.

لكنها لم تعد تريد أن تعيش داخله.

وبعد عام، عادت إلى عملها في حماية البيئة، بشكل تدريجي.

بدأت بزيارات قصيرة للمناطق الطبيعية، ثم عادت إلى التصوير.

أما أليسيا، فكانت ترافقها في الرحلات الأولى.

لم تعد مليسا تذهب وحدها إلى الأماكن النائية، لكنها لم تتخلَّ عن حبها للصحراء.

وفي إحدى الصور التي التقطتها بعد عودتها إلى العمل، ظهرت زهرة صغيرة تنمو بين الصخور.

كتبت تحتها:

حتى في الأماكن التي نظن أنها خالية من الحياة، يمكن أن نجد بداية جديدة.

النهاية

اختفاء مليسا تشابمان لم يكن لغزًا خارقًا، ولم تكن الصحراء تخفي عالمًا سريًا.

كان هناك رجل استغل العزلة، ومكان مهجور، وثقة أشخاص احتاجوا إلى المساعدة.

لكن الأدلة، وشهادات الناجين، وإصرار عائلاتهم، كشفت الحقيقة.

ثلاثة أشخاص عادوا إلى عائلاتهم بعد سنوات من الاحتفاظ بهم.

ومليسا استعادت حياتها، خطوة وراء خطوة.

أما دانيال موريس، فسيقضي بقية عمره خلف القضبان.

وبالنسبة لمليسا، لم تكن النهاية يوم عثرت عليها الشرطة بجانب الطريق.

كانت النهاية الحقيقية يوم استطاعت أن تنظر إلى الصحراء مرة أخرى، من غير أن تشعر أنها ما زالت داخلها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى