
لكنها كانت بتعيط.
— وأنا قلتله إني بكرهه.
سكتنا.
قالت وهي بتنهار:
— آخر مرة شوفته فيها قلتله: “يا ريتني ما عرفتك.”
غطت وشها بإيديها.
— وهو مات وهو فاكر إني بكرهه.
قربت منها.
ولأول مرة، مسكت إيدها.
قلت:
— لأ.
بصتلي.
— كان عارف إنك قلتيها وإنتِ موجوعة.
ودفعت الرسالة ناحيتها.
— والدليل هنا.
بصت للظرف.
شافت اسمها بخطه.
إيديها بدأت ترتعش.
— هو كتبلي؟
— أيوه.
— إمتى؟
— قبل وفاته.
فضلت باصة للظرف، لكنها ما فتحتهوش.
قالت:
— أنا خايفة.
— من إيه؟
قالت جملة وجعتني:
— خايفة يكون آخر كلامه إنه مسامحني.
سألتها:
— وليه ده يخوفك؟
بكت.
— لأن لو سامحني… يبقى فعلًا مات.
حضنتها.
مكنتش أعرف إذا كنت بحضن البنت اللي ابني حبها…
ولا بحاول أقرب من آخر أثر حي ليه.
بعد شوية، فتحت مريم الرسالة.
كانت إيديها بترتعش وهي بتفرد الورقة.
وبدأت تقرأ بصوت واطي:
“مريم…
لو الرسالة دي وصلتلك، يبقى غالبًا أنا مقدرتش أقولك الحقيقة بنفسي.
وأول حاجة عايزك تعرفيها إنك ماكنتيش السبب في أي حاجة حصلتلي.”
شهقت وهي بتقرأ.
وكملت:
“أنا بعدت عنك لأني كنت جبان كفاية إني ماقدرش أشوفك بتستني نهاية أنا نفسي مش عارف إمتى هتيجي.
لما قلتيلي إنك بتكرهيني، رجعت البيت وعيطت.
بس عمري ما صدقتك.”
مريم ضحكت وسط دموعها.
وكملت:
“كنت عارف إنك بتحبيني.
وأنا كمان فضلت أحبك.”
وقفت عن القراءة.
حضنت الرسالة.
لكن كان لسه فيه كلام.
قلت:
— كملي.
رجعت للورقة.
“ولو حصل إن قلبي بقى سبب في إنك تكملي حياتك، عندي شرط واحد.”
مريم مسحت دموعها وكملت:
“ماتعيشيش حياتك كأنك مدينة ليا بحاجة.
ماتخافيش تفرحي.
ماتخافيش تحبي تاني.
وماتقفيش قدام المراية كل يوم وتقولي إن قلب يوسف جوايا.
القلب بقى قلبك إنتِ.”
مريم بدأت تبكي أكتر.
وأنا كمان.
ثم وصلت لآخر سطر.
وفجأة…
سكتت.
بصت للورقة بصدمة.
قلت:
— فيه إيه؟
مريم رفعت عينيها ناحيتي.
— هو كتب حاجة غريبة.
— إيه؟
مدتلي الورقة.
أخدتها.
وفي آخر الرسالة كان ابني كاتب:
“وفي حاجة أخيرة…
لو أمي قالتلك إن أبويا مات من سنين، ماتصدقيهاش بالكامل.
ماما نفسها ما تعرفش الحقيقة كلها.
أبويا ما ماتش بالطريقة اللي هي فاكرها.
وفي درج مكتبي مفتاح صغير.
المفتاح ده هيفتح صندوق أنا مخبيه من سنين.
جواه الحقيقة اللي ماقدرتش أقولها لماما وأنا عايش.”
قريت الكلام مرة.
واتنين.
وتلاتة.
وبعدين بصيت لمريم.
همست:
— صندوق إيه؟
رجعت البيت وأنا مش حاسة بالطريق.
دخلت أوضة ابني.
فتحت درج مكتبه.
قلبت الكتب والأوراق.
وفي آخر الدرج، تحت بطانة خشب صغيرة، لقيت مفتاح فضي صغير.
وقتها افتكرت حاجة مرعبة.
قبل وفاة جوزي بسنين، كان عنده صندوق خشب قديم محدش كان مسموح له يقرب منه.
وبعد وفاته…
الصندوق اختفى.
لكن اللي خوّفني أكتر إن ابني كان عنده تسع سنين بس وقت وفاة أبوه.
يعني لو الصندوق اللي بيتكلم عنه هو نفسه صندوق أبوه…
إزاي وصل له؟
وفجأة سمعت صوت ورايا.
لفيت بسرعة.
كانت مريم واقفة عند باب الأوضة، وأمها وراها.
لكن مريم ماكانتش باصة للمفتاح.
كانت باصة لصورة قديمة معلقة على الحيطة.
صورة جوزي.
قربت منها ببطء.
وشها اتغير.
وقالت:
— أنا شوفت الراجل ده قبل كده.
حسيت الدم اتجمد في عروقي.
قلت:
— مستحيل… ده أبو يوسف، ومات من سنين.
مريم هزت راسها.
— أنا متأكدة.
وقربت أكتر من الصورة.
ثم قالت:
— شوفته قبل عملية زرع القلب بأسبوع تقريبًا.
الفصل الثالث: الرجل اللي ظننته مات
بصيت لمريم وأنا حاسة إن كلامها مش داخل دماغي.
قلت:
— إنتِ متأكدة من اللي بتقوليه؟
أشارت للصورة المعلقة على الحيطة.
— أيوه… هو ده.
قربت منها.
— مريم، الراجل ده مات من أكتر من عشر سنين.
ردت:
— أنا مش بقول إني شفت واحد شبهه… أنا شفت الراجل ده.
أمها تدخلت:
— يمكن بسبب الأدوية أو الفترة اللي قبل العملية…
لكن مريم قاطعتها:
— لأ يا ماما. كنت واعية جدًا.
وبعدين بصتلي وقالت:
— كان واقف آخر الممر قدام أوضتي.
قلبي بدأ يدق بعنف.
— وكلمك؟
هزت راسها.
— أيوه.
قعدت على سرير يوسف لأني حسيت إن رجلي مش شايلاني.
قلت:
— قالك إيه؟
مريم سكتت ثواني، كأنها بتحاول تفتكر الكلام بالحرف.
وبعدين قالت:
— سألني: إنتِ مريم؟
رفعت عيني ناحيتها.
كملت:
— قلتله أيوه. سألني إذا كنت أعرف يوسف.
قلت:
— وبعدين؟
— قلتله إن يوسف كان شخص أعرفه زمان، وإننا مبقيناش بنتكلم.
اتغير صوتها وهي بتكمل:
— الراجل فضل باصصلي بطريقة غريبة جدًا، وبعدها قال: “يوسف ما سابكيش بمزاجه.”
حطيت إيدي على بوقي.
مريم قالت:
— حاولت أسأله هو مين، لكنه قاللي: “لو حصل أي حاجة، ماتلوميش يوسف.”
وقتها أم مريم قالت:
— أنا فاكرة اليوم ده.
بصيتلها بسرعة.
— إنتِ شفتيه؟
— لأ. لكن مريم قالتلي وقتها إن راجل غريب سأل عليها.
وقفت.
فتحت درج مكتب ابني مرة تانية.
طلعت المفتاح الفضي.
فضلت أقلبه بين صوابعي.
وفجأة افتكرت حاجة.
بعد وفاة جوزي بحوالي شهر، كنت بلم حاجته.
وكان عنده صندوق خشبي بني صغير، بيحتفظ فيه بأوراقه المهمة.
دورت عليه يومها.
ملقتوش.
افتكرت إن حد من أهله أخده وسط حاجته.
وبعد السنين…
نسيت الموضوع تمامًا.
لكن ابني كتب إن عنده صندوق.
دخلت إيدي تحت المرتبة.
فتحت الدولاب.
قلبت الأدراج.
مفيش.
لحد ما مريم قالت:
— هو كان بيحب يخبي حاجته فين؟
ضحكت بمرارة.
— يوسف؟ كان وهو صغير بيخبي فلوس العيد فوق الدولاب علشان أنسى آخدها منه.
بصينا لبعض.
جبت كرسي وطلعت عليه.
مديت إيدي فوق الدولاب.
تراب.
علب قديمة.
شنطة سفر صغيرة.
وبعدين…
لمست خشب.
سحبت الحاجة بالعافية.
ونزلت.
كان صندوق بني قديم.
عرفته فورًا.
همست:
— ده بتاع جوزي.
حاولت أفتحه.
مقفول.
دخلت المفتاح.
لفيته.
تك.
القفل اتفتح.
رفعت الغطا.
كنت متوقعة ألاقي فلوس.
أوراق.
صور.
لكن أول حاجة ظهرت قدامي كانت شهادة وفاة جوزي.
مسكتها.
نفس الشهادة اللي شوفت نسخة منها من سنين.
الاسم.
التاريخ.
كل حاجة.
تحتها كان فيه ظرف كبير.
مكتوب عليه بخط ابني:
“ماما… سامحيني إني عرفت قبلك.”
فتحت الظرف.
طلع منه جواب قصير.
“ماما…
وأنا عندي 16 سنة كنت بدور على شهادة ميلادي علشان ورق المدرسة.
لقيت الصندوق ده مستخبي في المخزن.
فتحته بمفتاح قديم كان موجود مع حاجات بابا.
ومن اليوم ده، عرفت إن الحكاية اللي اتقالت لنا عن موته مش كاملة.
أنا ما قلتلكيش لأني خفت أفتح جرح قديم.
لكن بعد ما مرضت، قررت أدور ورا الحقيقة.”
وقفت.
بصيت للتاريخ.




