قصص و روايات

قلب كبير

هز راسه.

— عارف.

صرخت فيه:

— ابنك مات وإنت كنت عايش!

قال:

— عارف.

— وأنا دفنت راجل من سنين وأنا فاكرة إنه إنت!

خفض راسه.

قلت:

— إنت عايز مني إيه دلوقتي؟

رفع عينيه.

وقال:

— مش عايز منك تسامحيني.

سكت لحظة.

وبعدين طلع ظرف من جيبه.

— أنا جيت أنفذ آخر وعد وعدته ليوسف.

بصيت للظرف.

قال:

— يوسف قبل ما يموت طلب مني حاجتين.

— إيه هما؟

بص ناحية مريم.

— الأولى إني أجيلك وأقولك الحقيقة بنفسي.

وبعدين بصلي.

— والتانية…

صوته اتكسر.

— إني أديكي نتيجة تحليل تانية يوسف عملها من غير ما يقولك.

قلبي انقبض.

قلت:

— تحليل إيه؟

مد إيده بالظرف.

أخدته.

فتحته.

كانت نتيجة فحص جيني.

اسم يوسف فوق.

وتحتها ملاحظة طبية طويلة.

قريتها بسرعة، لكن مفهمتش.

قلت:

— يعني إيه؟

أبو يوسف مسح دموعه.

وقال:

— يوسف اكتشف قبل وفاته إن المرض اللي عنده وراثي فعلًا…

سكت.

ثم قال:

— لكنه اكتشف كمان إن فيه حد تاني في العيلة لازم يعرف الحقيقة ويتعمله التحليل فورًا.

بصيتله باستغراب.

— مين؟

قال:

— بنت.

اتجمدت.

— بنت مين؟

رفع عينه ناحيتي وقال:

— بنتي.

الصالة كلها سكتت.

أنا حتى نسيت أتنفس.

قلت:

— إنت معندكش بنت.

هز راسه ببطء.

— عندي.

وبعدين قال الجملة اللي خلتني أحس إن أسرار السنين اللي فاتت لسه ما خلصتش:

— ويوسف عرف بوجود أخته قبل ما يموت… وقابلها كمان.

الفصل الرابع: أخت يوسف
بصيت لجوزي وأنا مش مصدقة الكلمة اللي قالها.

— بنتك؟

هز راسه.

— أيوه.

ضحكت ضحكة عصبية وقلت:

— إنت اختفيت أكتر من عشر سنين، ودلوقتي راجع تقولي عندك بنت كمان؟

قال بسرعة:

— اسمعيني الأول.

— أسمع إيه؟!

كنت عايزة أصرخ.

أطرده.

أقفل الباب في وشه.

لكن اسم يوسف خلاني أتماسك.

قلت:

— إنت قلت إن يوسف قابلها. احكي.

قعد جوزي على الكرسي، وحط إيديه على وشه.

وبدأ يحكي.

بعد الحادث، لما اتنقل للمستشفى باسم مجهول، فضل فترة بيعاني من إصابة شديدة في الرأس واضطراب في الذاكرة.

ولما ذاكرته بدأت ترجع بالتدريج، عرف إن إجراءات الوفاة تمت باسمه بالخطأ.

كان يقدر يرجع.

كان لازم يرجع.

لكنه ماعملش كده.

في الفترة دي ظهرت عليه أعراض عصبية بسيطة.

رعشة في إيده.

تنميل.

نوبات دوخة.

ولأنه كان عارف إن أبوه وأحد أعمامه عانوا من أعراض مشابهة، بدأ يشك إن فيه مرض وراثي في العيلة.

خاف.

لكن خوفه ماكانش عذر.

وده كان أول شيء اعترف بيه.

قال:

— بدل ما أرجع وأواجهك… هربت.

قلت بمرارة:

— وسهل عليك تسيب ابنك؟

عيط.

— مفيش يوم عدى عليا كان سهل.

قلت:

— لكنك عملتها.

خفض راسه.

وكمل.

بعد سنوات، عاش في مدينة تانية باسم عائلته الحقيقي، لكنه ابتعد عن كل حد يعرفه.

وهناك اتعرف على سيدة أرملة كانت عندها طفلة صغيرة.

اتجوزها بعد فترة.

قلت:

— يعني البنت مش بنتك؟

قال:

— مش بيولوجيًا.

سكتُّ.

قال:

— اسمها نور. كان عمرها خمس سنين لما اتجوزت أمها. ربيتها واعتبرتها بنتي، وهي طول عمرها بتناديني بابا.

بدأت أفهم.

قلت:

— يبقى إيه علاقة التحليل الوراثي بيها؟

رد:

— مفيش.

بصيتله.

— إنت قلت إنها لازم تعمل تحليل.

— أنا قلت الكلام بطريقة غلط من شدة التوتر. يوسف هو اللي كان قلقان عليها، لكن مش بسبب مرضه الوراثي.

— أمال بسبب إيه؟

طلع ورقة تانية.

— يوسف لما قابل نور، اكتشف إنها بتعاني من دوخة وإغماءات متكررة. خاف يكون عندها مشكلة خطيرة، وطلب مني آخدها لدكتور بدل ما أفضل أقول إنها أنيميا أو إرهاق.

قلت:

— يعني نور مش أخت يوسف في الدم؟

— لأ. لكنها أخت يوسف بالنسبة ليا… ويوسف نفسه اعتبرها أخته أول ما عرفها.

اتنهدت.

على الأقل جزء من الفوضى بدأ يبقى منطقي.

لكن كان عندي سؤال أهم.

— يوسف عرفك إزاي أصلًا؟
جوزي بص ناحية أوضة ابنه.

— من شاهد الحادث.

يوسف وصل له، ومنه عرف المستشفى اللي اتنقل له أبوه قديمًا.

وبعد بحث طويل، وصل لعنوانه.

قال:

— أول مرة شوفته واقف قدام بيتي… عرفته من عينيه.

صوته اتكسر.

— كان راجل قدامي، وأنا آخر صورة ليه في دماغي كانت لطفل صغير.

سألته:

— قالك إيه؟

ابتسم وسط دموعه.

— قاللي: “أنا مش جاي آخد منك حاجة… أنا جاي أعرف ليه.”

سكتنا كلنا.

تخيلت ابني وهو واقف قدام أبوه بعد كل السنين دي.

لوحده.

شايل مرضه.

وشايل سر أبوه.

قلت:

— وليه ماقاليش؟

رد:

— لأنه كان عايز يسمع الحقيقة كاملة الأول.

وبعدين أضاف:

— ولأنه كان خايف عليكي.

ضحكت بوجع.

— كلكم كنتوا خايفين عليا… وكل واحد فيكم قرر يخبّي عني الحقيقة!

محدش رد.

وكان عندي حق.

الخوف على حد مش معناه إننا ناخد حقه في معرفة حياته.

جوزي قال:

— يوسف فهم ده في الآخر. علشان كده كتبلك كل حاجة.

سألته:

— ونور فين؟

قال:

— بره.

بصيتله.

— بره فين؟

— مستنيانا تحت.

بعد عشر دقايق، دخلت بنت عندها حوالي ستاشر سنة.

هادية.

خايفة.

وأول ما شافت صورة يوسف الكبيرة في الصالة، عيطت.

قالت:

— ده أخويا.

الجملة كسرتني.

قربت منها.

— إنتِ قابلتيه كام مرة؟

— أربع مرات.

— بس؟

هزت راسها.

— لكن كان بيكلمني كل يوم تقريبًا.

طلعت موبايلها.

فتحت المحادثة.

مئات الرسائل.

يوسف كان بيسألها عن دراستها.

يضحك معاها.

يطمن على كشفها عند الدكتور.

وفي رسالة كتب لها:

“يمكن اتأخرنا نعرف إننا إخوات، بس ده مش معناه إننا لازم نضيع اللي باقي.”

عيطت نور.

— هو ماقاليش إنه هيموت.

قلت:

— ماكانش بيحب يخوف حد.

قالت:

— آخر مرة كلمني قاللي: “لو اختفيت شوية، ماتزعليش.”

وبعدين مدتلي موبايلها.

— وسابلي تسجيل صوتي.

ضغطت تشغيل.

وفجأة…

سمعت صوت ابني.

— “يا نور… اسمعي كلام الدكتور، وبطلي تعملي فيها شاطرة وتقولي أنا كويسة وإنتِ تعبانة.”

ضحكة صغيرة.

ضحكته.

نفسها.

حطيت إيدي على قلبي.

وكمل صوته:

— “ولو بابا فضل يلوم نفسه طول الوقت، فكريه إن الندم لوحده مش بيصلح حاجة. اللي يصلح حاجة إن الواحد يبطل يهرب.”

التسجيل خلص.

رفعت عيني ناحية أبوه.

كان بيعيط.

لكن المرة دي ماحسيتش إني لازم أواسيه.

فيه أخطاء الاعتذار عنها ضروري…

لكن الاعتذار مش بيمسح السنين.

قلتله:

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى