روايات وقصص

جاري عبد الحميد

اتجمدت.

قلت:

— إيه ده؟

مريم قربت.

— دي أنا!

كانت صورة ليها وهي صغيرة راجعة من المدرسة.

وصورة لسيف وهو بيلعب كورة.

وصورة ليوسف وهو واقف قدام بيت الحاج عبد الحميد.

قلبي بدأ يدق بسرعة.

للحظة، اتخضيت.

ليه الراجل محتفظ بصور عيالي؟

لكن تحت الصور كان فيه ظرف مكتوب عليه:

إلى أم يوسف.

فتحته بسرعة.

وكان جواه جواب بخط إيد الحاج عبد الحميد.

بدأت أقرأ:

«أنا عارف إنك غالبًا بتكرهيني.

وعندك حق.

أنا ماكنتش جار كويس.

ويمكن بعد ما أموت، أول حاجة هتحسي بيها هي الراحة.

وأنا مش بلومك.»

وقفت عن القراءة.

إيدي بدأت ترتعش.

كملت:

«لكن فيه حاجة لازم تعرفيها.

أنا ماكنتش بكره عيالك.

أنا كنت بخاف عليهم.»

بصيت لسيف ومريم.

وكملت.

«من عشر سنين، قبل ما تسكنوا هنا بشهور، حفيدي الوحيد مات.

كان عنده تسع سنين.

كان بيلعب بالكورة في الشارع.

الكورة نزلت الطريق، فجري وراها.

عربية خبطته قدام عيني.

ومن اليوم ده، كل طفل يلعب ناحية الطريق كنت بشوف فيه حفيدي.»

حطيت إيدي على بوقي.

فجأة بدأت أفتكر.

بيت الحاج عبد الحميد كان في آخر الجزء الهادي من الشارع.

بعده مباشرة تقاطع كبير، والعربيات بتعدي منه بسرعة.

كل مرة كان عيالي يقربوا من بيته…

كان بيطردهم للناحية التانية.

بعيد عن الطريق.

رجعت للجواب.

«كان ممكن أقول ده بطريقة أحسن.

كان ممكن أطلب منكم بهدوء.

لكن أنا بعد موت حفيدي بقيت راجل غضبان من الدنيا كلها.

حتى بنتي خسرتها تقريبًا.

هي كانت أم الطفل.

وكل ما كانت تبصلي كانت تفتكر اليوم اللي مات فيه ابنها وهو معايا.

عشان كده بطلت تزورني إلا قليل.»

حسيت دموعي بتنزل.

كملت:

«أما الكحك اللي رميته قدامك…

أنا آسف.

اليوم ده كان عيد ميلاد حفيدي.

ولما شفت أولادك واقفين قدامي، حسيت بحاجة ماقدرتش أستحملها.

غضبت منك بدل ما أغضب من نفسي.»

يوسف كان ساكت.

سألني:

— كملي يا ماما.

قلبت الصفحة.

«كل أولادك كانوا بيخافوا مني.

إلا يوسف.

كل يوم كان بيقولي صباح الخير.

وأنا كل يوم كنت بطرده.

وفي اليوم اللي بعده يرجع يقولي صباح الخير كأن شيئًا لم يحدث.

فضلت سنين أسأل نفسي:

هو الولد ده مش بيزهق؟

وبعدين فهمت.

هو مش غبي.

هو طيب.

وفي فرق كبير بين الاتنين.»

يوسف بدأ يعيط.

حضنته وأنا بكمل.

«آخر سنة، يوسف بدأ يفكرني بحفيدي.
مش في شكله.

لكن في قلبه.

ولما وقعت قدام البيت وساعدني، عرفت إن الولد اللي فضلت سنين أزعقله كان أول إنسان يجري عليا لما احتجت مساعدة.»

تحت الخطاب كان فيه مفتاح.

وملف.

فتحت الملف.

وكانت الصدمة الأكبر.

عقد ملكية.

سيف قال:

— ملكية إيه؟

قرأت الاسم.

كان بيت الحاج عبد الحميد.

ومعه ورقة من محامٍ.

الحاج عبد الحميد كان كاتب جزءًا من وصيته.

البيت يُباع بعد وفاته، ويوضع جزء من ثمنه في حساب تعليمي باسم يوسف وإخوته.

لكن ده ماكانش كل شيء.

في قاع الصندوق كان فيه دفتر صغير.

فتحته.

كل صفحة كان مكتوب فيها تاريخ.

وأمام كل تاريخ ملاحظة.

«سيف رجع متأخر. وقفت عند الباب لحد ما دخل بيته.»

«مريم كانت مستنية والدتها، فضلت أراقبها من بعيد لحد ما رجعت.»

«يوسف وقع من العجلة. الولد عنيد لكنه شجاع.»

«الأطفال رجعوا المدرسة النهارده.»

صفحات وصفحات.

عشر سنين كاملة.

الراجل اللي كنا فاكرينه قاعد قدام بيته علشان يراقب عيالي ويضايقهم…

كان فعلًا بيراقبهم.

لكن لسبب تاني خالص.

كان بيتأكد إنهم رجعوا.

إنهم ما قربوش من التقاطع.

إنهم دخلوا البيت بأمان.

وفي آخر صفحة كانت جملة واحدة:

«النهارده يوسف ماعداش الصبح.

افتقدت صباح الخير بتاعته.

واضح إن الولد ده نجح أخيرًا يخلي عندي حد أستناه.»

انهرت.

قعدت على الكرسي وفضلت أعيط.

مش عارفة كنت بعيط من الندم…

ولا من الحزن…

ولا علشان عشر سنين كاملة كنت شايفة نصف الحكاية بس.

بعد يومين، بنته رجعت.

المرة دي دخلت وقعدت.

حطيت قدامها الخطاب.

وقلت:

— ليه أبوكي عمل كده؟

دموعها نزلت.

قالت:

— ابني كان اسمه كريم.

كان عنده تسع سنين لما مات.

أبويا كان واخده يشتري حاجة من آخر الشارع.

الكورة وقعت منه، فجري وراها.

أبويا فضل طول عمره شايل ذنب الحادث.

قلت:

— وعشان كده كان بيزعق لعيالي؟

ابتسمت وسط دموعها.

— بعد موت كريم، أبويا بقى مقتنع إن الطفل لو خاف من الطريق، يبقى أحسن ما يحبه.

سكتت شوية.

وبعدين قالت:

— طريقة غلط… بس دي كانت طريقته.

سألتها:

— والفلوس؟

قالت:

— البيت كان أغلى حاجة عنده. وأنا مش محتاجاه. عندي حياتي وشغلي. ولما حاول يسيبهولي، رفضت. بعدها قال لي: خلاص… يبقى يروح لناس لسه قدامهم حياة.

وبصت ليوسف.

— قبل ما يموت بأسبوع كلمني وقال لي: “في ولد كل يوم بيقولي صباح الخير رغم إني عملت كل حاجة تخليه يكرهني. لو لسه فيه حد يستحق أسيبله حاجة كويسة في الدنيا، يبقى هو.”
يوسف سألها:

— هو كان بيحبني؟

الست سكتت.

وبعدين نزلت لمستواه وقالت:

— جدًا.

يوسف عيط.

وقال:

— طب ليه عمره ما قالي؟

ردت:

— لأن جدك… قصدي أبويا… كان بيعرف يزعق أحسن ما يعرف يقول بحبك.

بعد أسابيع، البيت اتباع.

وبعد الإجراءات القانونية، اتعملت حسابات تعليمية للأولاد حسب الوصية.

لكن يوسف طلب مني طلب غريب.

قال:

— ماما، أنا عايز الكرسي.

— كرسي إيه؟

— كرسي الحاج عبد الحميد.

بنته وافقت.

وجابتلنا الكرسي الخشب القديم اللي كان بيقعد عليه كل صباح.

حطيناه قدام بيتنا.

وفي أول يوم مدرسة بعد كده، يوسف خرج بدري.

وقف قدام الكرسي الفاضي.

وسكت شوية.

وبعدين قال:

— صباح الخير يا حاج عبد الحميد.

كنت واقفة عند الباب.

دموعي نزلت من غير ما أحس.

يوسف ابتسم وقال:

— متقلقش… مش هقرب من الطريق.

وبعدين جري ورا أخوه وأخته.

بصيت للكرسي الفاضي.

ولأول مرة فهمت إن بعض الناس مش بيعرفوا يعبروا عن خوفهم غير بالغضب.

وده ما يخليش الغلط صح.

الحاج عبد الحميد كان يقدر يكون أرحم.

كان يقدر يشرح.

وكان يقدر يوفر علينا عشر سنين من سوء الفهم.

لكن الحقيقة اللي اتعلمتها منه كانت أغرب:

إنك ممكن تعيش جنب إنسان سنين…

وتشوف تصرفاته كل يوم…

وبرضه ما تعرفش الحكاية اللي مستخبية جواه.

أما يوسف؟

فهو علمني حاجة أهم.

إن كلمة بسيطة زي:

«صباح الخير»

ممكن تفضل تخبط على قلب مقفول سنين…

لحد ما تفتحه.

وفي صباح اليوم التالي، وأنا خارجة أوصل يوسف المدرسة، لقيت حاجة صغيرة محطوطة فوق كرسي الحاج عبد الحميد.

كانت إسورة أطفال قديمة جدًا.

وبجانبها صورة لطفل عمره حوالي تسع سنين.

قلبت الصورة.

على ظهرها كان مكتوب بخط الحاج عبد الحميد:

«كريم… أول ولد علمني أخاف على طفل.
ويوسف… آخر ولد علمني أحب الحياة من جديد.»

ساعتها حضنت يوسف بقوة.

وسألني:

— بتعيطي ليه يا ماما؟

مسحت دموعي وقلت:

— عشان ساعات يا حبيبي… القلب الطيب بيشوف حاجات إحنا الكبار مش بنعرف نشوفها.

ابتسم.

ومسك إيدي.

ومشينا.

ولما وصلنا عند بيت الحاج عبد الحميد القديم…

يوسف رفع إيده ناحية الشباك المقفول، وقال للمرة الأخيرة:

— صباح الخير يا حاج عبد الحميد.

ومحدش رد.

لكن المرة دي…

يوسف ماكانش محتاج رد.

تمت

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى