
ما كنتش قادرة أستوعب أي حاجة.
أخوه اختفى؟ إزاي؟ وليه؟ وليه أنا ما أعرفش عنه حاجة؟
بصيت لأحمد وقلت:
إنت كنت مخبي عليا إن عندك أخ؟
قال:
أنا نفسي ما كنتش عارف كل الحقيقة.
صرخت:
إنت كنت عارف إن عندك أخ!
قال:
كنت فاكر إنه مات.
سكتُّ.
حماتي بدأت تبكي وقالت:
ياسين كان أكبر من أحمد بثلاث سنين.
بصيت لها:
يعني إيه كان؟
قالت:
كان عنده خمس سنين لما اختفى.
اختفى إزاي؟
حماتي بصت لأحمد وبعدين قالت:
أبوك هو اللي قال لنا إنه مات.
سألتها:
فين جثته؟
سكتت.
فين شهادة الوفاة؟
ما ردتّش.
أحمد قال:
مافيش.
أنا حسيت إني مش قادرة أتنفس.
يعني أبوك قال إنه مات، من غير جثة، ومن غير شهادة وفاة؟
حماتي هزت رأسها:
آه.
قلت:
وصدقتوه؟
بدأت تعيط:
كنت صغيرة، وخفت من أبو أحمد.
أحمد قاطعها:
ماما، ليه عمرك ما قلتيلي؟
قالت:
لأن أبوك هددني.
هددك بإيه؟
قال لو فتحت الموضوع، هيحرمني منك.
أحمد سكت.
أنا كنت حاسة إن الأرض بتتحرك تحت رجلي.
قلت:
طيب والصورة؟
حماتي قالت:
دي صورة ياسين.
أحمد قال:
وليه كنت فاكر إنها صورتي؟
حماتي ردت:
لأن أبوك كان بيقول للناس إنها صورتك.
بدأت القطع كلها تركب.
الشامة. الصورة. الرسالة. اختفاء الأخ. والأهم… إصرار أحمد الغريب على إن لازم يكون عنده ولد.
سألته:
أحمد… إنت ليه طول عمرك مصمم يكون عندك ولد؟
بص لي:
عشان أبويا.
يعني إيه؟
قال:
أبويا كان دايمًا يقول إن اسم العيلة لازم يفضل موجود، وكان بيقول لي إن الراجل الحقيقي لازم يكون له ابن.
بدأت أفهم.
هو ما كانش بس عايز ولد، هو كان بيحاول يحقق حاجة زرعها أبوه في دماغه من وهو صغير.
لكن السؤال الأكبر كان: ليه؟
في اللحظة دي، رن موبايل أحمد.
رقم مجهول.
بص للشاشة، ما ردش، والرنة انتهت.
وبعد ثواني، وصلت رسالة.
فتحها وبص لي.
قلت:
إيه؟
وراني الشاشة.
كانت الرسالة:
“لو عايز تعرف الحقيقة كاملة عن ياسين، تعالى لوحدك على البيت القديم اللي أبوك كان بيستخدمه. وما تجيبش مراتك.”
بصيت لأحمد وقلت:
هتروح؟
قال:
آه.
وأنا هاجي معاك.
الرسالة قالت لوحدي.
قلت:
أنا مش هسيبك تروح لوحدك.
حاول يعترض، لكنني قلت:
أنا بقيت جزء من الموضوع غصب عني.
وافق، لكننا ما قلناش لحد.
—
في اليوم التالي، خرجنا سوا وصلنا للبيت القديم.
كان بيت مهجور على أطراف البلد، الباب كان مفتوح، ودخلنا.
البيت كان مليان تراب، والأثاث مغطى بقماش قديم.
سمعنا صوت حركة من الدور التاني.
أحمد شدني وراه، طلعنا السلم، وصلنا لغرفة صغيرة، والباب كان مقفول.
أحمد فتحه.
وفي الداخل، كان فيه رجل عجوز قاعد على كرسي.
أول ما شاف أحمد، وقف وقال:
أنت ابن محمود.
أحمد قال:
إنت مين؟
الرجل رد:
أنا كنت أعرف أبوك أكتر مما تتخيل.
سأل أحمد:
إنت اللي بعت الرسائل؟
الرجل هز رأسه:
آه.
قلت:
فين ياسين؟
الرجل بص لي، ثم قال:
قبل ما أقول لكم، لازم تعرفوا إن ياسين ما ماتش.
أحمد اتجمد:
يعني عايش؟
آه.
قلت:
فينه؟
الرجل سكت، ثم قال:
كان عايش طول السنين دي.
أحمد قرب منه:
فينه؟
قال:
قدامك.
أحمد رجع خطوة:
إيه؟
الرجل أشار ناحية الباب:
أخوك كان عايش في نفس البلد طول الوقت.
ثم أخرج ظرفًا قديمًا وأبوك كان عارف.
أحمد فتح الظرف.
كان فيه مستندات، صور، وتقرير قديم.
قرأ أحمد أول ورقة، وفجأة وشه اتغير.
قلت:
إيه اللي فيها؟
ما ردش.
خدت الورقة من إيده وقريتها.
كانت ورقة من مستشفى، فيها اسم طفل: ياسين محمود عبدالسلام، وتاريخ دخول المستشفى، ثم تاريخ خروج الطفل، وبجانب خانة ولي الأمر كان اسم محمود عبدالسلام.
لكن كان فيه شيء آخر، ملاحظة مكتوبة بخط اليد:
“تم تسليم الطفل لشخص آخر بناءً على طلب والده.”
رفعت عيني لأحمد:
يعني إيه؟
الرجل قال:
أبوك سلّم ياسين لعيلة تانية.
أحمد بدأ يهز راسه:
ليه؟
الرجل قال:
لأن ياسين كان مريض.
سكت، ثم أضاف:
وكان أبوه خايف إن المرض يكون وراثي.
بصيت لأحمد. فهمنا في نفس اللحظة.
أحمد قال:
مرض وراثي؟
الرجل هز رأسه:
أبوك كان مقتنع إن وجود طفل عنده مشكلة صحية هيشوّه اسم العيلة.
بدأت دموعي تنزل، لكن أحمد كان ساكت تمامًا.
الرجل كمل:
أبوك كان مقتنع إن ابنه لازم يكون كامل في نظر الناس.
أحمد قال:
طب ليه ما رجعش يجيبه؟
الرجل رد:
لأن بعد ما أخد الطفل، العيلة اللي أخدته رفضت ترجعه.
وأبويا؟
خاف من الفضيحة.
سكتنا.
ثم أخرج الرجل صورة أخرى وقال:
دي آخر صورة لياسين قبل ما يختفي.
بصيت للصورة. كان فيها طفل صغير، لكن في الخلفية كان فيه رجل بالغ واقف.
دققت النظر ثم شهقت:
أحمد… بص للصورة.
الرجل اللي واقف في الخلفية… كان يشبه أحمد بشكل مرعب، لكن الصورة قديمة جدًا.
قلت:
مين ده؟
الرجل قال:
أخوك.
أحمد أخد الصورة وبدأ يكي. لأول مرة أشوفه بيعيط بالطريقة دي، وقال:
يعني هو عاش كل السنين دي… وأنا كنت فاكر إني الابن الوحيد.
الرجل قال:
مش بس كده.
سكت.
أحمد بص له:
فيه إيه تاني؟
الرجل أخرج ورقة أخيرة وقال:
دي الحاجة اللي لازم تعرفها.
أحمد أخذ الورقة، قرأها، ثم وقع على الكرسي.
قلت:
أحمد!
بص لي بعينين مليانين صدمة وقال:
مريم…
إيه؟
أنا وياسين… مش إخوات بالدم.
اتصدمت:
إيه؟
قال:
أبويا مش أبوه.
الرجل قال:
وده كان السر اللي أبوك دفنه سنين.
سألت:
يعني مين أبو ياسين؟
الرجل ما ردش، لكن أحمد كان ماسك الورقة، بص فيها مرة أخرى ثم قال:
مكتوب هنا اسم الأب الحقيقي.
سألته:
مين؟
رفع عينيه ببطء وقال اسمًا جعل حماتي، عندما سمعته لاحقًا، تنهار تمامًا.
لكن الصدمة الأكبر لم تكن في اسم الرجل، الصدمة كانت إن الرجل ده… كان من أقرب الناس لعائلة أحمد، وإن اختفاء ياسين لم يكن بسبب مرض فقط، بل لأن أبوه كان يخشى أن تظهر الحقيقة.
والحقيقة كانت إن ياسين كان الوريث الحقيقي لسر قديم، سر لو ظهر وقتها كان ممكن يهدم عيلة كاملة.
أحمد وقف وقال:
أنا لازم أشوفه.
الرجل قال:




