— علشان كده الملف الحقيقي مش هنا.
وشه اتغير.
بص لي.
قلت:
— الشرطة عندها نسخة.
سكت.
محمود قال:
— وكل كلامك متسجل.
يوسف بص حواليه.
— بتكدب.
صوت عمر جه من السماعات القديمة في المكان:
— لأ، مش بيكدب.
وش يوسف اتغير.
أفراد الشرطة دخلوا من الأبواب.
يوسف شدني بسرعة قدامه.
حط المس\دس عند راسي.
محمود صرخ:
— سيبها!
يوسف قال:
— افتحوا الطريق.
عمر قال:
— يوسف، خلصت.
— افتحوا الطريق!
كنت سامعة نفسه.
سريع.
خايف.
قلت بهدوء:
— إنت عارف الفرق بينك وبين محمود؟
قال:
— اخرسي.
— هو كذب عليا.
محمود بص لي.
قلت:
— بس إنت صدقت كدبتك لحد ما بقيت فاكر إنك أذكى من كل الناس.
يوسف شد المس\دس.
— قلت اخرسي.
خالتي رمت نفسها من الكرسي ناحية رجله.
يوسف اختل توازنه.
أنا ضربت إيده.
طلقة خرجت في السقف.
محمود اندفع عليه.
وقعوا هما الاتنين.
الشرطة مسكت يوسف.
وفي ثواني…
خلص كل شيء.
فضل يوسف على الأرض مكبل.
بيبص لمحمود.
قال له:
— عملت كل ده عشان العيلة.
محمود قال:
— لأ.
نزل قدامه.
— عملته عشان نفسك.
واتاخد يوسف.
فؤاد اتقبض عليه في نفس الليلة.
كمال اعترف مقابل تخفيف العقوبة.
المستندات اللي أبويا خبّاها كشفت شبكة كاملة.
رجال أعمال.
حسابات.
شركات وهمية.
وتحويلات سنين.
عفاف اتقدمت للتحقيق.
لكن ثبت إنها كانت تحت تهديد في جزء كبير من الوقائع، وإنها ساعدت بعد كده في جمع الأدلة.
أما مساعدة زوجها في إنهاء حياته…
فضلت ق\ضية لوحدها.
وماكانش فيه نهاية مريحة ليها.
ولا كنت مستنية.
الحياة مش كل مرة بتديك نهاية نظيفة.
بعد أسبوعين…
روحت قبر أبويا.
حطيت ورد أبيض.
وقعدت.
قلت:
— عرفت يا بابا.
عيطت.
— اتأخرت… بس عرفت.
سمعت خطوات ورايا.
محمود.
وقف بعيد.
ما قربش.
قلت:
— إنت بتعمل إيه هنا؟
— جيت أزور أبوكي.
— بعد كل ده؟
— خصوصًا بعد كل ده.
حط وردة.
وبعدين رجع خطوة.
قال:
— أنا مش جاي أطلب منك ترجعيلي.
بصيت له.
— كويس.
ابتسم بحزن.
— أنا عارف إن اللي عملته فيكي مايتصلحش بكلمتين.
سكت.
— كنت فاكر إني بحميكي.
قلت:
— وإنت قتلتني من جواك شوية.
هز راسه.
— عارف.
قال:
— لو الزمن رجع…
قلت:
— مايرجعش.
سكت.
قلت:
— ودي المشكلة.
بص لي.
قلت:
— أنا سامحتك على حاجة واحدة.
— إيه؟
— إنك بدأت تقرب مني عشان ورق أبويا.
وشه اتفاجئ.
— لكن مش مسامحاك إنك خليتني أدفنك وإنت عايش.
نزل عينه.
— من حقك.
— أنا محتاجة وقت.
قال:
— خديه.
— وممكن الوقت ده مايرجعناش لبعض.
دمعت عينه.
— فاهم.
مشيت.
ولأول مرة…
هو اللي فضل واقف وأنا اللي مشيت.
عدى ست شهور.
رجعت لشغلي.
مش بس رجعت.
فتحت استوديو صغير لتنسيق الأفراح.
وسميته:
“عمرو للزهور.”
باسم أبويا.
أول فرح اشتغلته بعد كل اللي حصل…
العروسة سألتني:
— إنتِ مش بتحبي الأفراح؟
ابتسمت.
قلت:
— بالعكس.
— أمال ليه كل شوية بتبصي للباب؟
ضحكت.
— عادة قديمة.
بعد الفرح، خرجت.
لقيت عربية واقفة.
ومحمود واقف جنبها.
ما شفتوش من 3 شهور.
قال:
— مساء الخير.
قلت:
— مساء النور.
— أخبارك؟
— كويسة.
سكتنا.
وبعدين مد لي حاجة.
علبة صغيرة.
قلت:
— إيه دي؟
— افتحي.
فتحت.
لقيت جواها كورسيج ورد أبيض.
نفس التصميم اللي كنت عاملاه لأمه يوم الفرح المزيف.
ضحكت.
— إنت بتهزر؟
قال:
— بحاول.
رفعت عيني له.
قال:
— مريم… أنا مش جاي أقولك نرجع.
— أمال؟
— جاي أسألك سؤال أبسط.
— إيه؟
— ينفع نشرب قهوة؟
سكت.
كان ممكن أقول لأ.
وكان هيبقى من حقي.
لكن لأول مرة من وقت طويل…
ماحسيتش إن اللي واقف قدامي شبح.
ولا عريس مات.
ولا راجل خدعني.
كان مجرد محمود.
إنسان غلط.
ودفع ثمن غلطه.
وأنا كمان بقيت إنسانة مختلفة.
قلت:
— قهوة بس.
ابتسم.
— قهوة بس.
مشينا.
ما مسكش إيدي.
وما حاولش.
وبعد سنة كاملة…
رجعنا.
مش لأن الماضي اتمسح.
ولا لأن كل حاجة اتنسيت.
لكن لأن المرة دي…
ماكانش بينا أسرار.
وقبل فرحنا التاني بأسبوع، محمود وقف قدام قبر أبويا وقال:
— المرة دي مش ههرب.
ضحكت وأنا واقفة جنبه.
قلت:
— أحسنلك.
بص لي.
— وإلا؟
قلت:
— المرة دي أنا اللي هدَفنك بجد.
ضحكنا.
وكانت أول مرة أقدر أضحك على كلمة “دفن” من غير ما قلبي يوجعني.
اتجوزنا في فرح صغير.
من غير قاعة ضخمة.
ولا تمثيليات.
ولا أسرار.
عفاف حضرت بهدوء بعد ما خلصت إجراءات قضيتها.
داليا ويوسف انفصلوا رسميًا، وداليا بدأت حياة جديدة بعيد عن العيلة.
يوسف اتحكم عليه بالسجن بعد ما ثبت اشتراكه في محاولات القتل والخطف والتستر.
وفؤاد وكمال أخدوا أحكامهم.
وفي آخر الليل…
وأنا واقفة جنب محمود، بصيت حواليّ.
افتكرت أول فرح شفته فيه بعد جنازته.
كنت فاكرة وقتها إن أسوأ شيء ممكن يحصل لبني آدم هو إنه يشوف شخص دفنه واقف حي قدامه.
لكن اتعلمت بعد كده إن فيه حاجة أصعب.
إنك تكتشف إن الحقيقة اللي عشت عليها سنين كانت كذبة.
وفيه حاجة أجمل كمان…
إنك بعد ما الحقيقة تهد كل حاجة…
تبدأ تبني حياتك من جديد.
مش على الثقة العمياء.
ولا على الوعود.
لكن على الحقيقة.
محمود همس:
— بتفكري في إيه؟
بصيت له.
قلت:
— بفكر إنك موت مرة.
ضحك.
— على الورق.
قلت:
— وأنا كمان.
— إزاي؟
ابتسمت.
— البنت اللي كانت مستعدة تصدقك من غير ما تسأل… ماتت يوم ما شافتك في الفرح.
سكت.
قلت:
— واللي واقفة قدامك دلوقتي؟
مديت إيدي.
— دي واحدة تانية.
مسك إيدي.
وقال:
— وأنا أحب أبدأ معاها من الأول.
ابتسمت.
— من الأول خالص.
وهكذا…
الحكاية اللي بدأت بجنازة مزيفة…
انتهت بفرح حقيقي.
والراجل اللي خلاني أعيش 3 شهور وأنا فاكرة نفسي أرملة قبل ما أبقى زوجة…
بقى في النهاية الشخص اللي اتعلم إن الحب من غير حقيقة…
مجرد كذبة جميلة.
تمت.
روايات المجهول حصري لبيدج وجروب حكايات أسما السيد — ممنوع النسخ.




