روايات وقصص

جوزي كان بيحضرلي الفطار

ابني قال: طب ليه ما قالش لماما كل ده؟

المحامي تنهد وقال: السؤال ده سألتُه لأبوكم بنفسي. وكانت إجابته إنه مش عايز يزرع في قلب زوجته خوفًا من حاجة لسه ما عندوش دليل قاطع عليها.

حسّيت بغصة في حلقي.

حتى وهو بيحاول يحميني، كان بيحرمني من حقي إني أعرف الحقيقة بنفسي.

لكن قبل ما نمشي، المحامي طلع ظرفًا صغيرًا من الملف وقال: فيه حاجة أخيرة جوزك طلب مني أسلّمها لماري شخصيًا.

أخدت الظرف وفتحته.

جواه ورقة واحدة، بخط جوزي: يا ماري، لو وصلتي للتقرير الأصلي، يبقى لازم تعرفي إن الملف رقم ١٧ مش هو الملف الوحيد اللي اتغيّر. فيه ملف تاني، رقمه ١٨، واتفتح في نفس اليوم باسم شخص من عيلتنا.

رفعت عيني للمحامي وسألته: مين الشخص ده؟!

المحامي بص للورقة، وبعدها بص لي بحزن: للأسف، الاسم موجود في سجل منفصل، وأنا ما عنديش نسخة منه.

في اللحظة دي، رن تليفوني.

كان رقم المعمل اللي حلّل بقايا الفطار.

رديت، وسمعت صوت الدكتور بيقول: يا مدام ماري، لازم تيجي بنفسك. ظهرت نتيجة إضافية في العينة، وفيه تفصيلة جديدة غيّرت اتجاه الفحص. إحنا محتاجين نتأكد من مصدر العينة قبل ما نستنتج أي حاجة.

قلبي بدأ يدق بسرعة.

سألته: إيه اللي ظهر؟ هل عرفتم سبب غياب بوبي؟

رد بحذر: لسه ما نقدرش نربط غياب بوبي بالمادة من غير أدلة إضافية، لكن فيه نتيجة تستدعي إن حضرتك تخضعي لفحص طبي مستقل في أسرع وقت، لأننا مش عايزين نغفل أي احتمال يخص صحتك.

قفلت الخط، وبصيت لابني.

كنت فاكرة إن أصعب حاجة في الحكاية دي إني أعرف إذا كان جوزي أخفى عني سرًا.

لكن دلوقتي، بقي عندي سؤال أخطر: هل الخلطة اللي كان بيحضّرها لي كل صباح كانت مرتبطة بالملف القديم فعلًا، ولا فيه شخص تاني استغل ثقتي في جوزي وغيّر حاجة في حياتي من غير ما أعرف؟

والإجابة كانت لسه مستخبية في نتيجة التحليل الجديدة…

يتبع…

النهاية: سر الفطار اللي استمر ٥٧ سنة!

تاني يوم الصبح، رحت المعمل ومعايا ابني، وأنا حاسة إن دي آخر فرصة ليا علشان أفهم الحقيقة اللي اتخبّت عني طول عمري.

الدكتور استقبلني، وفتح ملف التحاليل، وقال: يا مدام ماري، لازم أوضح لحضرتك إن التحليل أثبت وجود مادة غير معتادة في عينة الفطار، لكن ما نقدرش نحدد من النتيجة وحدها مين حطها، ولا إذا كانت موجودة في كل الوجبات اللي أكلتيها على مدار السنين.

سألته بلهفة: طب أنا كنت بتعرض للقلق كل يوم؟!

رد: ما نقدرش نثبت ده من عينة واحدة. لكن بسبب الأعراض اللي حكيتي عنها، لازم تعملي فحوصات طبية كاملة، وتبعدي تمامًا عن أي أدوية أو خلطات مجهولة المصدر.

خرجت من المعمل، وقررت إني مش هفضل أسيرة الشكوك. المرة دي، هعرف الحقيقة بالأدلة، مش بالقلق.

وبعد أيام، وصلنا لنسخة من السجلات القديمة عن طريق المحامي، واتضح إن الملف رقم ١٧ كان مرتبطًا بدراسة طبية حصل فيها خلل في تسجيل العينات، وإن اسم ماري اتربط بعينة ما كانش ممكن التأكد من هويتها.

أما الملف رقم ١٨، فكان باسم سامح، أخو جوزي.

ولما واجهته الجهات المختصة بالمستندات، اعترف إنه كان عارف بوجود مشكلة في سجلات المعمل من سنين، لكنه أنكر إنه حط أي مادة في أكل ماري، وقال إنه كان بيحاول يمنع أخوه من كشف تفاصيل قديمة ممكن تفضح أخطاء ارتكبها مسؤولون سابقون.

لكن الدليل اللي حسم القضية ما كانش اعتراف سامح.

كان خطابًا قديمًا احتفظ به جوزي عند المحامي، ومعاه نسخة من مراسلات بتثبت إن جوزي اكتشف التلاعب في السجلات، وحاول يبلغ عنه، لكنه اتراجع وقتها خوفًا من تعريض أسرته للقلق.

ومع ذلك، ما كانش فيه دليل كافي يثبت إن سامح تسبب في غياب جوزي أو بوبي، ولا إن جوزي كان بيضع لماري مادة غير مناسبة عمدًا.

أما بالنسبة لماري، فالفحوصات الطبية اللي عملتها بعد كده كشفت إنها محتاجة متابعة صحية بسبب أعراضها القديمة، لكن الأطباء ما قدروش يثبتوا إن المسحوق الموجود في العينة هو سبب كل اللي عانت منه خلال السنين الماضية.

ومع مرور الوقت، بدأت الصورة تتضح.

جوزي كان بيخبي عني حقيقة مهمة، لكنه ما سابش دليل قاطع يفسّر كل تصرفاته.

فضلت أيام طويلة أفكر في آخر رسالة كتبها لي، وفي السؤال اللي ما قدرتش أواجهه طول حياتنا: ليه ما وثقش فيا كفاية علشان يحكي لي؟

وفي ليلة هادية، قعدت في المطبخ قدام كرسيه الفاضي، وفتحت آخر صفحة من جوابه.

كان كاتب: يا ماري، أنا عارف إني غلطت لما قررت أخبي عنك الحقيقة. كنت فاكر إن السكوت حماية، لكن يمكن كنت بحمي نفسي كمان من مواجهة أخطائي.

أنا مش بطلب منك تسامحيني من غير ما تفهمي. أنا بس بتمنى إنك ما تضيعيش بقية عمرك في البحث عن إجابات يمكن بعضها ما نقدرش نوصل له أبدًا.

لو فيه حاجة واحدة عايزك تفتكريها، فهي إنك تستحقي تعرفي الحقيقة، حتى لو كانت مؤلمة.

قريت الرسالة للمرة الأخيرة، وضمّيتها لصدري.

ما قدرتش أقول إن كل شكوكي اختفت، ولا قدرت أرجع أثق في ذكرياتي زي الأول.

لكن قررت أكمل حياتي، وأهتم بصحتي، وأسيب القانون يحدد مسؤولية كل شخص بناءً على الأدلة.

وبعد شهور، وأنا بنضف المطبخ، لقيت برطمانًا صغيرًا كنت نسيته فوق الرف.

كان عليه نفس خط جوزي.

قلبته في إيدي، وبصيت للكلمة المكتوبة عليه: لماري فقط.

المرة دي ما حسّيتش بالحنين وحده، ولا بالقلق وحده.

حسّيت إني أخيرًا فهمت درسًا ما كنتش أتوقع أتعلمه بعد سبعة وخمسين سنة من الجواز: الحب مش معناه إننا نقبل الأسرار من غير سؤال، والثقة مش معناها إننا نتنازل عن حقنا في معرفة الحقيقة.

حطيت البرطمان في كيس منفصل، وسلمته للجهات المختصة علشان يتفحص، وبعدها خرجت من المطبخ وفتحت الشباك.

كانت الشمس طالعة، ولأول مرة من يوم غياب جوزي، قررت أحضّر فطاري بنفسي، من غير قلق ومن غير خلطات سرية.

لكن قبل ما أقعد على السفرة، بصيت للكرسي الفاضي وقلت بهدوء: كنت أتمنى إنك تحكي لي يا حبيبي… كنت أتمنى إن آخر سبعة وخمسين سنة بينا ما ينتهوش بسؤال من غير إجابة.

وهكذا انتهت حكاية ماري، لكن سر البرطمانات ظلّ أكبر من عينة واحدة، وأكبر من اتهام لم تثبته الأدلة.

والحقيقة اللي فضلت معاها لآخر عمرها، إن أحيانًا أصعب الأسرار مش اللي بنكتشفها بعد غياب أحبابنا، لكن اللي بنكتشف إننا ما سألناش عنها وهما لسه عايشين.

6 من 6التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى