
اتجوز بنت بلغارية غصب عنه، وهددها إنها مش هتكمّل معاه شهر واحد، لكن تاني يوم الصبح، فتح باب أوضتها وشاف سرّ خلّاه يشك في كل حاجة كان مصدّقها عن حياته!
الجزء الأول: الجوازة اللي وراها سر أخطر من الخيال
فهد المنصوري كان راجل صعب جدًا إن حد يفهمه، وأصعب بكتير إن حد يقدر يفرض عليه حاجة هو مش عايزها.
عنده ٣٤ سنة، ورث عن أبوه إمبراطورية تجارية ضخمة، وبقى اسمه معروف في عالم رجال الأعمال. قصور، وشركات، وعربيات فارهة، وحسابات بنكية تخلي أي حد يفتكر إن الراجل ده معندوش مشكلة واحدة في حياته.
لكن الحقيقة إن فهد كان عايش وسط أسرار أكتر من الفلوس اللي بيملكها.
من وهو صغير، اتعلم إن الثقة نقطة ضعف، وإن أي حد بيقرّب منه أكيد عنده مصلحة، وإن المشاعر ممكن تخلّي أقوى إنسان في الدنيا يخسر كل حاجة.
وعشان كده، لما جدّه حطّه قدام شرط غريب في وصيته، فهد اعتبره إهانة شخصية.
الوصية كانت بتقول إن فهد لازم يتجوز صوفيا ديميتروفا، بنت بلغارية أبوها كان شريك قديم لجدّه، وإن الجوازة لازم تتم قبل عيد ميلاده الخامس والثلاثين، وإلا جزء كبير من ممتلكات العيلة هينتقل لمؤسسة خيرية، وتفقد عيلته السيطرة على واحدة من أهم شركاتها.
فهد ما كانش مقتنع إن وصية قديمة تقدر تتحكم في مستقبله، لكنه لما راجع المحامي، اكتشف إن الشرط قانوني ومكتوب بطريقة ما تسمحش له بالالتفاف عليه بسهولة.
والأغرب إن جدّه كان كاتب في آخر الوصية جملة واحدة بخط إيده:
لو رفضت تتجوز صوفيا، يبقى إنت لسه ما فهمتش الحقيقة اللي أبوك مات وهو بيحاول يخبيها عنك!
فهد قرأ الجملة عشرات المرات.
أبوه مات من سبع سنين في واقعة عربية، والموضوع اتقفل رسميًا، وكل التقارير أكدت إنه واقعة عادية.
إيه علاقة صوفيا بالموضوع؟ وإيه الحقيقة اللي جدّه بيتكلم عنها؟
دي كانت أول مرة فهد يحس إن فيه حد عارف عنه حاجة هو نفسه ما يعرفهاش.
ومع ذلك، قرر يتعامل مع الجوازة باعتبارها صفقة مؤقتة.
لازم يتجوز، لكن مش لازم يحب، ولا يثق، ولا يسمح لأي حد يدخل حياته.
صوفيا ديميتروفا كانت عايشة في مدينة بلوفديف البلغارية، في بيت قديم وسط شوارع هادية وأشجار طويلة.
عندها ٢٧ سنة، وبتشتغل في ترميم الوثائق والمخطوطات القديمة، وبتقدر تميّز نوع الورق والحبر وعمر المستند من تفاصيل صغيرة معظم الناس ما بتاخدش بالها منها.
كانت هادية، قليلة الكلام، وعندها عادة غريبة كل ما تدخل مكان جديد، تفضل تبص حواليها كأنها بتحاول تحفظ كل تفصيلة فيه.
لما وصلها خبر إن فهد وافق على الجواز، ما ظهرتش عليها الفرحة اللي عيلتها كانت متوقعاها.
بدل ما تسأل عن فخامة القصر أو شكل الفرح، سألت سؤال واحد:
— هو فهد شاف الورقة اللي جدّه سابها؟
أمها بصتلها بقلق:
— أنهي ورقة يا صوفيا؟
صوفيا سكتت فجأة، وكأنها اكتشفت إنها قالت أكتر من اللازم.
وبعد لحظات، ردت:
— ولا حاجة يا ماما… انسي اللي قولته.
لكنها في الليلة دي ما نامتش.
فتحت درجًا قديمًا في مكتبها، وطلعت منه ظرفًا بنيًّا متآكل الأطراف، عليه ختم شمعي مكسور.
جوه الظرف كانت فيه صورة قديمة لراجلين واقفين قدام مبنى حجري ضخم.
واحد منهم كان جدّ فهد.
أما التاني، فكان أبو صوفيا، اللي مات من سنين طويلة في ظروف عمرها ما فهمتها.
وعلى ظهر الصورة، كانت مكتوبة جملة بالعربي، بخط مرتعش:
لما البنت دي تدخل القصر، افتحوا الغرفة اللي مفيش حد يعرف بوجودها.
صوفيا قلبت الصورة مرة تانية، ومررت صوابعها على الكتابة.
وبعدين همست:
— أنا جاية يا فهد… بس مش عشان الفلوس.
الجزء التاني: اتفاق من غير مشاعر
أول ما صوفيا وصلت دبي، فهد استقبلها في مكتبه بدل ما يقابلها في البيت.
كان قاعد ورا مكتب أسود ضخم، وقدامه ملف فيه شروط الجوازة.
قال من غير مقدمات:
— خلّينا واضحين من البداية. أنا وافقت على الجواز عشان ظروف عائلية، وإنتِ أكيد عندك أسبابك. كل واحد فينا هيلتزم بواجباته، لكن حياتنا الشخصية محدش هيتدخل فيها.
صوفيا قعدت قدامه، وبدأت تقرأ الورق بتركيز.
أوض منفصلة، وخصوصية كاملة، واتفاق مالي واضح، ومفيش إجبار على أي حاجة خارج حدود الاحترام المتبادل.
لما خلصت، رفعت عينيها وقالت:
— موافقة، بشرط واحد.
فهد رفع حاجبه باستغراب:
— شروط كمان؟
— أيوه. عايزة حرية الحركة جوه القصر، ومحدش يفتش حاجتي أو يدخل أوضتي من غير إذني.
ابتسم فهد بسخرية خفيفة:
— متقلقيش، أنا آخر حاجة ممكن أفكر فيها إني أفتش وراكي.
صوفيا بصتله للحظات، وبعدين قالت:
— كويس. لأن فيه حاجات لو اتفتحت قبل وقتها، ممكن تغيّر حياة ناس كتير.
ابتسامته اختفت:
— إنتِ تقصدي إيه؟
— قصدي إن الخصوصية مهمة.
فهد ما اقتنعش بإجابتها، لكنه وقّع العقد.
وبعدها وقف، وبص لها بثقة مستفزة، وقال:
— خلّيني أوفّر عليكي الوقت. إنتِ مش هتكمّلي معايا شهر واحد. القصر ده مش مكان مناسب ليكي، وحياتي مش سهلة، وأنا مش من النوع اللي بيغيّر رأيه.
صوفيا لمّت أوراقها بهدوء:
— أنا مش جاية أغيّرك يا فهد.
— أمال جاية ليه؟
بصتله نظرة طويلة، وكأنها كانت هتقول الحقيقة، لكنها تراجعت في آخر لحظة:
— لما ييجي الوقت المناسب، هتعرف.
خرجت من المكتب، وسابته واقف مكانه، لأول مرة مش عارف إذا كان هو اللي بيختبرها، ولا هي اللي بتختبره.
الجزء التالت: القصر اللي بيصحى بالليل
اتعمل الفرح في فندق فاخر، وسط حضور رجال أعمال وشخصيات كبيرة من عيلتين ما حدش كان فاهم إيه اللي جمعهم.
كل حاجة كانت مرتبة بعناية، لكن فهد لاحظ حاجة غريبة.
قبل بداية الحفل بدقايق، شاف رجلًا مسنًّا واقف بعيد عن الضيوف، لابس بدلة رمادية قديمة، وعينيه مثبتة على صوفيا.
لما فهد حاول يقرب منه، الرجل اختفى وسط الزحام.
سأل مدير الفندق عنه، لكن المدير أكد له إن مفيش أي ضيف بالمواصفات دي مسجل عندهم.
فهد افتكر إنه يمكن يكون واحد من العاملين، ورجع للحفل، لكنه ما نسيش ملامحه.
وفي نهاية الليلة، أخد صوفيا إلى قصر العيلة.
القصر كان ضخمًا، مبنيًّا من سنين طويلة، وفيه أجنحة كاملة ما حدش بيستخدمها. بعض الممرات كانت مقفولة، والمصابيح فيها مطفية رغم إن المكان كله مجهز بأحدث أنظمة الإضاءة.
فهد ورّاها جناحها، وقال:
— دي أوضتك. كل حاجة هتحتاجيها هتكون موجودة. بس فيه جزء من القصر ممنوع الدخول ليه، لأنه مقفول من أيام جدّي.
صوفيا ما سألتش عن السبب.
لكنها بصت ناحية آخر الممر، عند باب خشبي قديم عليه نقوش غريبة.
وبصوت واطي جدًا، قالت:
— لسه زي ما هو…
فهد لف ناحيتها بسرعة:
— إنتِ قلتي إيه؟
— بقول إن القصر كبير.
فضل باصصلها شوية، لكنه ما لاقاش على وشها أي علامة تفسر اللي سمعه.
سابها ودخل أوضته.
أما صوفيا، فأول ما قفلت الباب، شالت حذاءها وركعت قدام حقيبة سفرها.
ما طلعتش هدومها، ولا أدواتها الشخصية.
طلعت صندوقًا معدنيًّا صغيرًا، وفتحته بمفتاح كانت مخبياه في سلسلة بتلبسها تحت ملابسها.
جوه الصندوق كان فيه مفتاح أسود، وصورة لطفل صغير واقف في حديقة القصر، وورقة مكتوب عليها تاريخ يرجع لأكتر من عشرين سنة.
صوفيا حطت الصورة جنبها، وبصت للطفل طويلًا.
وبعدين همست:
— يا ترى إنت فاكرني يا فهد؟ ولا نسيت كل حاجة؟
الجزء الرابع: الصوت اللي خرج من ورا الحيطة
الساعة كانت قربت من تلاتة الفجر لما صوفيا سمعت صوتًا خافتًا جاي من الحيطة اللي ورا السرير.
في البداية افتكرت إنه صوت مواسير المياه، لكن الصوت اتكرر بنفس الإيقاع.
ثلاث خبطات قصيرة.
وبعدها سكون.
وبعدين ثلاث خبطات تاني.
قامت من مكانها، وشغلت المصباح، وبدأت تتحسس الحيطة بإيديها.
لما وصلت لجزء قريب من الستارة، لاحظت إن الخشب مختلف عن باقي الأجزاء، وإن فيه خط رفيع جدًا مش باين إلا لو الواحد قرب منه.
ضغطت على طرف النقش، فسمعت صوت طقة صغيرة.




