
الجزء الأول: الليلة اللي كشفت الحقيقة
فجأة الباب اتفتح بقوة، ودخلت سحر وهي بتصرخ بصوت هز البيت كله:
إنت إيه اللي بتعمله يا ليث؟! إيه اللي بيحصل ده؟! إنتوا بتعملوا إيه؟!
ليث ترك إيد بسمة بهدوء، وبص لمراته بانفعال وقال:
وإنتِ داخلة بالطريقة دي ليه؟ مش المفروض تكوني في أوضتك؟!
سحر كانت واقفة عند الباب، عينيها مليانة دموع، وبصت للعروسة اللي واقفة في ركن الأوضة، بتشد طرحتها على وشها وبتحاول تهدي إيديها.
قالت سحر بسخرية موجوعة:
آه طبعًا! أنا المفروض أفضل في أوضتي، وأنت تدخل عليا بعروستك الجديدة! هو أنت فاكرني مش فاهمة يا ليث؟ فاكر إني مش فاهمة أمك بتخطط لإيه؟
ليث قرب منها وقال بعصبية:
اخفضي صوتك! الموضوع ده اتكلمنا فيه قبل كده، وإنتِ عارفة إني مضطر.
ضحكت سحر ضحكة قصيرة كلها مرارة:
مضطر؟! هو الجواز بقى اسمه اضطرار؟! طب وأنا؟ أنا كنت إيه طول السنين اللي فاتت؟!
ليث اتنهد بضيق:
إنتِ مراتي وهتفضلي مراتي، ومحدش هيقرب منك ولا هيتغير أي حاجة في حياتك.
سحر بصت لبسمة وقالت:
وهي دي بقى هتكون إيه؟ أم الوريث؟ ولا الست اللي هتخلفلك الولد وتاخد مكانها؟
بسمة رفعت عينيها لأول مرة، وقالت بهدوء:
أنا مش جاية آخد مكان حد يا هانم، ولا طلبت من حد يتجوزني.
سحر بصتلها باستغراب، وبعدين قالت بحدة:
أمال إنتِ وافقتي ليه؟
بسمة نزلت عينيها وقالت:
عشان ظروف، محدش يعرفها غير ربنا.
ليث انفعل في الضحك:
ظروف إيه يا حبيبتي؟ قولي الحقيقة! إنتِ شوفتي الفلوس اللي هنا وقلتي فرصة العمر، صح؟
بسمة بصتله بحزن وقالت:
مش كل الناس بتقيس الدنيا بالفلوس يا ليث بيه.
الكلمة استفزته.
ليث بيه؟! إنتِ لسه هتعملي فيها صاحبة كرامة؟! اسمعي يا بت، الجواز ده مجرد ورقة عشان الوريث اللي أمي عايزاه، وإنتِ ملكيش عندي أي حقوق غير اللي هحددهولك.
سحر بصتله بانفعال:
بس كفاية إهانة! البنت دي مهما كانت ظروفها، بقت مراتك.
ليث لف لها بحدة:
وإنتِ مالك؟! أنا مش محتاج حد يعلمني أتعامل مع مراتي!
في اللحظة دي دخلت هدى، وكانت سامعة آخر جملة.
قالت بحزم:
خلاص يا ليث، كفاية لحد كده. سحر يا حبيبتي تعالي معايا.
لكن سحر رفضت تتحرك.
لأ يا طنط هدى، أنا عايزة أفهم. إنتِ كنتِ عارفة إنه هيتجوز؟
هدى اتوترت، لكنها ردت بسرعة:
أيوه يا بنتي، وإنتِ عارفة ظروفنا. جد ليث مش هيسيب له الميراث غير لما يشوف حفيده.
سحر دموعها نزلت:
يعني أنا اللي ناقصة؟ أنا اللي اتحرمت من الأمومة بإرادتي؟!
هدى قربت منها وحاولت تمسك إيدها:
يا حبيبتي محدش قال كده.
لكن سحر سحبت إيدها وقالت:
أنا تعبت من إن كل واحد فيكم يقرر مصيري من غير ما يسألني.
وخرجت من الأوضة وهي بتبكي.
ليث قفل الباب ولف لبسمة.
كانت واقفة مكانها، مش بتتحرك.
فتح الدولاب وطلع رداء نوم حرير ووضعه أمامها.
قدامك خمس دقايق تغيري الملابس اللي إنتِ لابساها دي وتجهزي. أنا ملتزم بهذا الاتفاق ومش عايز أسمع صوتك بعدها!
بسمة بصت للرداء اللي وقع على الأرض، وبعدين رفعت عينيها ليه.
قالت بصوت ثابت رغم دموعها:
إنت فاكر إنك اشتريتني يا ليث بيه؟
ضحك باستهزاء:
أيوه، وده اللي إنتِ وافقتي عليه.
بسمة ردت:
أنا وافقت على الجواز، مش على إنك تهينني. وأنا مش هعمل حاجة أنا مش موافقة عليها.
ليث قرب منها بانفعال:
إنتِ بتتحديني؟!
لأ، أنا بفكرك إن ليّا كرامة.
فضل باصصلها ثواني، وبعدها مسك الرداء ووضعه على الكرسي.
نامي في الأوضة دي، وأنا هنام بره. بس من بكرة مش عايز أسمع صوتك.
وخرج وقفل الباب.
بسمة أول ما سمعت صوت المفتاح، انهارت على الأرض وفضلت تبكي.
مش عشان ليث رفضها، ولا عشان أهانها، لكن عشان كانت عارفة إن اللي مستنيها أصعب بكتير من الليلة دي.
في الصبح، كانت هدى قاعدة في الصالون، ولما شافت ابنها نازل لوحده، رفعت حاجبها.
إيه يا عريس؟ حصل إيه؟
ليث قعد ورمى نفسه على الكنبة.
مفيش حاجة. بنت غريبة الأطوار، فاكرة نفسها أميرة.
هدى ابتسمت ابتسامة غامضة.
وأنت كنت متوقع إيه؟ إن كل حاجة تحصل زي ما أنت عايز؟
يا ماما بلاش ألغاز. أنا عملت اللي إنتِ طلبتيه، وعايز أخلص من الموضوع ده.
هدى بصتله بجدية:
اسمعني يا ليث. بسمة مش زي ما أنت متخيل، وأنا مش هسمحلك تظلمها.
ليث ضحك:
إنتِ بتدافعي عنها ليه بالشكل ده؟!
قبل ما ترد، دخلت بسمة.
كانت لابسة فستان واسع بسيط، والنقاب في إيدها، وشعرها متغطي بطرحة طويلة.
قالت بأدب:
صباح الخير.
هدى ابتسمت:
صباح النور يا بنتي. تعالي اقعدي.
ليث بص لها من فوق لتحت وقال:
إنتِ مش عندك هدوم غير الحاجات دي؟
بسمة تجاهلته وقعدت جنب هدى.
هدى قالت:
يا بسمة، أنا عايزة أتكلم معاكي في موضوع مهم.
ليث قام:
أنا خارج. لما تخلصوا اجتماعكم ابقوا نادوني.
لكن قبل ما يخرج، سمع صوت بسمة وهي بتقول:
أنا عايزة أطلب منك طلب يا هدى هانم.
هدى مسكت إيدها:
اطلبي يا حبيبتي.
بسمة اترددت لحظة وبعدين قالت:
ممكن أشتغل؟
ليث لف بسرعة.
تشتغلي؟! إنتِ ناقصك إيه؟
ردت بهدوء:
مش ناقصني حاجة، بس مش عايزة أفضل قاعدة في البيت من غير هدف.
ليث ضحك:
هو إنتِ فاكرة إنك جاية هنا تشتغلي؟ إنتِ جاية تخلفي وبس.
بسمة بصتله وقالت:
حتى لو ده سبب الجواز بالنسبة لك، أنا لسه إنسانة وليا حياتي.
هدى تدخلت:
سيبها يا ليث. هي كانت بتشتغل قبل ما تيجي هنا.
ليث استغرب:
بتشتغل إيه؟
هدى ردت:
في مشغل صغير، وكانت بتساعد في تفصيل وتصميم الملابس.
ليث ضحك بسخرية:
يا سلام! مصممة أزياء كمان؟!
بسمة قامت بهدوء وقالت:
أنا مش محتاجة تصدقني. الأيام هتثبتلك.
وخرجت.
ليث بص لأمه باستغراب:
إيه اللي إنتِ بتعمليه ده؟
هدى اتنهدت:
بحاول أصلح حاجة إنت بوظتها قبل ما تبدأ.
عدت أيام، وليث كان بيتعامل مع بسمة كأنها مش موجودة.
كان بيخرج الصبح ويرجع بالليل، ولو شافها في الصالون يتجاهلها، ولو طلبت منه حاجة ضرورية يرد عليها بكلمتين.
أما سحر، فكانت بتراقب الوضع من بعيد.
في البداية كانت غير مرتاحة لوجود بسمة، لكن مع الوقت بدأت تلاحظ إنها مختلفة عن الصورة اللي رسمتها في خيالها.
بسمة مكنتش بتحاول تتقرب من ليث، ولا بتسأل عن فلوسه، ولا بتدخل أوضته، ولا حتى بتحاول تفرض وجودها.
كانت بتقضي وقتها مع هدى، وتساعد العاملات في البيت، وبتقعد ساعات طويلة في أوضتها بتشتغل على دفتر كبير.
وفي يوم، دخلت سحر الأوضة من غير ما تخبط.
كانت بسمة قاعدة قدام ماكينة خياطة صغيرة، وبتشتغل في فستان أطفال.
سحر بصت للفستان وقالت:
إنتِ اللي عملتي ده؟
بسمة اتفاجئت وغطت الفستان بسرعة.
أيوه.
سحر قربت ولمسته.
جميل أوي.
بسمة ابتسمت ابتسامة خفيفة.
شكرًا.
سحر قعدت على الكرسي وقالت:
ممكن أسألك سؤال؟
اتفضلي.
إنتِ فعلًا مش عايزة ليث؟
بسمة رفعت عينيها باستغراب.
هو سؤال غريب شوية.
سحر ابتسمت بحزن:
عارفة، بس أنا محتاجة أسمع الإجابة.
بسمة سكتت لحظة وقالت:
أنا مش عايزة حد مش عايزني. ومش هحارب واحدة على جوزها.
سحر اتأثرت بكلامها.
طب ليه وافقتي تتجوزيه؟
بسمة نزلت عينيها وقالت:
لأن أمي كانت محتاجة عملية عاجلة، وأنا مكنش معايا المبلغ. وهدى هانم ساعدتنا، لكن اشترطت إني أتجوز ليث بعقد رسمي.
سحر اتجمدت مكانها.
يعني إنتِ وافقتي عشان أمك؟
بسمة هزت راسها.
أمي كانت تتعب قدامي، وأنا كنت مستعدة أعمل أي حاجة عشان أنقذها. بس أنا مكنتش متخيلة إن الموضوع هيكون بالشكل ده.
سحر سكتت شوية وبعدين سألتها:
وهدى طنط دفعت فلوس العملية؟
بسمة قالت:
أيوه، بس أنا مش عايزة الفلوس دي تبقى تمن عمري. أنا هردها كلها، حتى لو أخدت سنين.
سحر قامت من مكانها، وقبل ما تخرج قالت:
أنا آسفة.
بسمة بصتلها باستغراب.
على إيه؟
على إني حكمت عليكي من غير ما أعرفك.
وخرجت.
بعد أسبوع، حصلت حاجة محدش كان متوقعها.
كان ليث قاعد مع جده في المكتب، والجد طلب منه يجيب له تقرير حسابات الشركة.
ليث دخل على الكمبيوتر وفتح الملفات، لكنه اكتشف إن فيه تحويلات مالية غريبة حصلت من حساب الشركة.
المبالغ كانت كبيرة، ومتوزعة على أكتر من حساب.
نادى مدير الحسابات فورًا.
وبعد مراجعة طويلة، اكتشفوا إن فيه تلاعب حصل في المخازن، وإن موظف كبير كان بيحول فلوس الشركة لحسابه الشخصي.
المشكلة إن الموظف ده كان شخص قريب من العيلة، والكل بيثق فيه.
ليث كان متعصب ومش عارف يبدأ منين.
رجع البيت متأخر، ودخل الصالون لقى هدى وسحر قاعدين مع بسمة.
كان قدامهم أوراق كتير، وبسمة بتشرح حاجة على اللابتوب.
ليث قال بسخرية:
إيه ده؟ اجتماع مجلس الإدارة هنا؟
هدى ردت:
تعالى يا ليث، بسمة اكتشفت حاجة ممكن تساعدك في موضوع الشركة.
ليث ضحك:
هي كمان خبيرة حسابات؟!
بسمة قامت بهدوء وقالت:
أنا مش خبيرة حسابات، لكن كنت بساعد والدي في شغله قبل ما يرحل.
ليث اتغيرت ملامحه.
والدك كان بيشتغل إيه؟
كان محاسب قانوني، وكان عنده مكتب مراجعة حسابات صغير.
هدى قالت:
بسمة لاحظت اختلاف في تواريخ الفواتير وأرقام الشحنات اللي كنت بتراجعها.
ليث قرب من الأوراق.
إنتِ وصلتي لإيه؟
بسمة شرحت له بهدوء إن فيه فواتير متكررة بنفس أرقام الشحنات، وإن فيه مبالغ اتسجلت على إنها مصاريف نقل رغم إن الشحنات نفسها ما خرجتش من المخازن.
ليث فضل يبص في الورق، وبعدها فتح الكمبيوتر وراجع الأرقام بنفسه.
وبعد نص ساعة، رفع رأسه وقال بدهشة:
إنتِ صح!
بسمة هزت راسها.
أنا بس رتبت المعلومات.
ليث بص لها لأول مرة من غير سخرية.
إنتِ عرفتي ده إزاي؟
قالت:
التفاصيل الصغيرة ساعات بتكشف حاجات كبيرة.
ليث سكت، وبعدين قال:
شكرًا.
بسمة ابتسمت وقالت:
العفو.
كانت أول مرة تسمع منه كلمة شكر من يوم ما دخلت البيت.
لكن المفاجأة الأكبر كانت لسه جاية.
في اليوم التالي، ليث راح الشركة وبدأ تحقيق داخلي، واكتشف إن مدير المخازن متورط مع موظف الحسابات.
وبعد مواجهة طويلة، اعترفوا بالتلاعب.
رجع ليث البيت وهو فرحان، وأول ما دخل سأل عن بسمة.
هدى ابتسمت:
في أوضتها.
طلع لها، وخبط الباب.
بسمة فتحت.
خير؟
قال بابتسامة بسيطة:
كنت عايز أشكرك مرة تانية. إنتِ وفرتي عليا خسارة كبيرة.
ردت:
الحمد لله إن الموضوع اتحل.
ليث كان عايز يقول حاجة تانية، لكنه فجأة لمح الدفتر اللي على الترابيزة.
كان فيه رسومات فساتين وتصميمات مختلفة.
مسك الدفتر من غير ما يستأذن.
دي تصميماتك؟
بسمة سحبته منه بهدوء.
أيوه.
ليه مش بتشتغلي في المجال ده؟
ضحكت بسخرية خفيفة:
عشان محتاجة فلوس ومكان ومعدات، والحاجات دي مش متوفرة عندي.
ليث قال:
ممكن أساعدك تفتحي مكان.
بسمة بصتله بجدية:
مش عايزة مساعدة من غير مقابل. لو هتدخل معايا في مشروع، يبقى شراكة واضحة وعقد وكل واحد عارف حقوقه.
ليث ابتسم لأول مرة.
إنتِ بتفاوضيني؟
أيوه.
ضحك وقال:
واضح إنك مش سهلة.
بسمة ردت:
أنا بس مش بحب أكون مديونة لحد.
ليث خرج من الأوضة وهو بيفكر في كلامها.
ولأول مرة، حس إنه مش عارف حاجة عن الست اللي اتجوزها.
بعد كام يوم، جد ليث طلب يجتمع بالعيلة كلها.
كان قاعد على رأس السفرة، وبص لليث وقال:
سمعت إنك عرفت تحل مشكلة الشركة.
ليث رد:
الحمد لله يا جدي.
الجد ابتسم:
مين اللي ساعدك؟
ليث بص ناحية بسمة وقال:
بسمة.
الجد رفع حاجبه.
بسمة؟
ليث هز راسه.
أيوه. هي اللي اكتشفت التلاعب في الحسابات.
الجد بص لها بإعجاب.
برافو يا بنتي. واضح إنك مش مجرد وش جميل.
بسمة ابتسمت بأدب.
ده من ذوق حضرتك.
الجد كمل كلامه:
أنا عايز أقول حاجة مهمة. أنا مش هفضل رابط الميراث بموضوع الحفيد. اللي يهمني إن حفيدي يبقى راجل مسؤول، ويعرف يحافظ على بيته وشغله.
ليث اتفاجئ.
يعني إيه يا جدي؟
يعني أنا هراجع وصيتي، وهقسم المسؤوليات في الشركة على أساس الكفاءة، مش على أساس مين خلف ومين مخلفش.
سحر كانت قاعدة ساكتة، ودموعها نزلت من غير ما تحس.
ليث بص لها، وبعدين بص لجده.
لأول مرة فهم إن كل اللي عمله كان مبني على ضغط وهمي، وإنه ظلم بسمة وسحر بسبب فكرة إنه لازم يخلف وريث بأي تمن.
بعد العشا، ليث وقف قدام بسمة وقال:
ممكن نتكلم؟
ردت:
اتفضل.
قال بصوت هادي:
أنا عارف إني كنت قليل الذوق معاكي.
بسمة بصتله من غير كلام.
كمل:
وعارف إن الاعتذار مش هيمسح اللي حصل، بس أنا آسف.
بسمة سكتت شوية، وبعدين قالت:
أنا قبلت اعتذارك، بس ده مش معناه إن كل حاجة اتنسيت.
ليث هز راسه.
عارف.
وبعدين سألها:
ممكن نبدأ من جديد؟
بسمة بصتله وقالت:
نبدأ إزاي؟
قال:
نتعامل كإننا اتنين بني آدمين، من غير إهانات ولا شروط.
بسمة ابتسمت ابتسامة صغيرة.
ده أقل حاجة المفروض تحصل.
وهو كان فاكر إن دي بداية حكاية حب، لكنه مكانش يعرف إن أصعب اختبار لسه مستنيه.
في نفس الليلة، سحر دخلت أوضة هدى، وكانت شايلة ظرف أبيض.
قالت لها:
طنط هدى، أنا قررت أمشي.
هدى قامت من مكانها بصدمة.
تمشي فين يا سحر؟!
سحر حطت الظرف على الترابيزة.
أنا وليث محتاجين نقف قدام الحقيقة. أنا تعبت من إني أعيش في جواز كل واحد فينا فيه مستني حاجة من التاني.
هدى دمعت عينيها.
يا بنتي، إنتِ ليكي مكانك هنا.
سحر ابتسمت بحزن:
أنا عارفة، بس أنا كمان ليا حق أعيش.
في اللحظة دي، ليث كان واقف عند الباب وسمع كل حاجة.
دخل وقال:
سحر، استني.
بصت له.
قال:
أنا مش عايزك تمشي وإنتِ شايلة مني.
سحر ابتسمت.
أنا مش شايلة منك يا ليث. أنا بس مش عايزة أكمل حياة مش شبهي.
ليث سكت، وبعدها قال:
أنا آسف إني خليتك تحسي إنك أقل من أي حد عشان موضوع الحمل.
سحر دموعها نزلت.
أنا كنت محتاجة أسمع منك الكلمتين دول من زمان.
وبعد فترة من الكلام، اتفقوا إنهم ينفصلوا باحترام، من غير مشاكل ولا إهانة.
أما بسمة، فكانت واقفة بعيد وسمعت جزءًا من الحوار، وحست إن وجودها في البيت مش لازم يكون سبب ألم لحد.
وفي الليلة دي، أخدت قرارها.
هتطلب الطلاق أول ما ترد المبلغ اللي اتدفع لعلاج أمها.
الجزء الثاني: من الخيمة إلى تاج الملكة
مرت ثلاثة شهور.
بسمة بدأت مشروعها الصغير في محل متواضع، بمساعدة هدى، وبشراكة رسمية مع ليث بعد ما اتفقوا على كل التفاصيل.
اختارت اسم للمكان: بسمة ديزاين.
كانت بتشتغل بنفسها، وبتصمم الفساتين وتتابع التفصيل والتسليم.
وفي أول شهر، المحل بدأ يحقق نجاح كويس.
وفي يوم، دخلت واحدة من أشهر سيدات المجتمع، وكانت بتدور على مصممة تعمل لها فستان لحضور حفل كبير.
بسمة استقبلتها وعرضت عليها شوية تصميمات.
الست فضلت تقلب في الرسومات، وبعدها وقفت عند تصميم معين.
أنا عايزة ده.
بسمة ابتسمت.
اختيار موفق يا فندم.
الست سألتها:
إنتِ اللي مصممة كل ده؟
أيوه.
ممتاز. أنا عندي مناسبة كبيرة، ولو الفستان عجبني هطلب منك مجموعة كاملة.
بسمة كانت فرحانة جدًا، وحست إن تعبها أخيرًا بيجيب نتيجة.
لكن اللي مكنتش تعرفه إن ليث كان واقف بره المحل، وشاف كل حاجة.
دخل بعد ما الزبونة مشيت، وقال:
مبروك.
بسمة ابتسمت:
الله يبارك فيك.
واضح إنك هتكسبي السوق كله.
ضحكت:
واحدة واحدة.
ليث فضل يبص لها، وبعدين قال:
أنا فخور بيكي.
بسمة اتفاجئت من الجملة.
شكرًا.
قعدوا شوية يتكلموا عن الشغل، ولما جه يمشي قال:
على فكرة، أنا حابب أقعد معاكي الليلة ونتعشى بره.
بسمة بصتله باستغراب.
ليه؟
ضحك:
هو لازم يكون فيه سبب؟
ردت بهدوء:
إحنا لسه ما وصلناش للمرحلة دي.
ليث سكت، وبعدين قال:
عندك حق. أنا مش هضغط عليكي.
خرج، لكنه كان مبتسم.
في البيت، هدى لاحظت إن ابنها بقى مختلف.
بقى يسأل عن بسمة، ويهتم بمواعيدها، ويطلب من السواق يوصلها لو اتأخرت.
وفي يوم، دخل عليها المطبخ وقال:
ماما، بسمة بتحب تاكل إيه؟
هدى ضحكت.
إيه السؤال الغريب ده؟
ليث اتكسف.
بسأل عادي.
هدى قربت منه وقالت:
إنت بتحبها يا ليث؟
سكت.
هدى كملت:
متردش بسرعة. فكر كويس. لأن البنت دي اتحملت منك كتير، ومش هينفع تقرب منها يوم وتبعد عنها يوم.
ليث قال بصوت واطي:
أنا مش عارف إمتى بالظبط اتغيرت، بس بقيت أستنى أشوفها كل يوم. لما بتضحك بحس إن البيت نور، ولما بتتعب بتبقى الدنيا كلها واقفة.
هدى ابتسمت.
يبقى بتحبها.
ليث سألها:
طب أعمل إيه؟
هدى ردت:
تستاهل منك أفعال، مش كلام.
لكن في الوقت اللي ليث بدأ فيه يتغير، ظهر شخص من ماضي بسمة.
كان اسمه كريم، ابن خالتها، وكان عارفها من وهي صغيرة.
دخل المحل في يوم، ولما شافها ابتسم.
إزيك يا بسمة؟
بسمة اتفاجئت وفرحت.
كريم! إنت هنا؟!
راجع من السفر من أسبوع، وقلت لازم أشوفك.
قعدوا يتكلموا، وسألها عن والدتها، وعن شغلها، وبعدها قال:
أنا كنت فاكر إنك هتكملي دراستك وتفتحي مكان كبير، وفعلًا عملتيها.
بسمة ضحكت:
لسه الطريق طويل.
كريم بص لها بجدية وقال:
على فكرة، أنا كنت عايز أتقدملك من زمان، بس ظروف السفر كانت مانعاني.
بسمة اتوترت.
كريم، أنا متجوزة.
كريم اتفاجئ.
متجوزة؟!
هزت راسها.
أيوه.
كريم سكت شوية، وبعدها قال:
ربنا يسعدك.
في اللحظة دي، ليث كان داخل المحل وسمع آخر جملة.
بص لكريم، وبعدين لبسمة.
مين الأستاذ؟
بسمة ردت:
كريم ابن خالتي.
ليث مد إيده وسلم عليه ببرود.
كريم قال بابتسامة:
تشرفنا.
ليث رد:
أهلًا.
وبعد ما كريم مشي، ليث قال:
كان بيعمل إيه هنا؟
بسمة ردت:
بيسأل عليا.
وليه بيتكلم معاكي بالطريقة دي؟
بسمة رفعت حاجبها.
إنت مالك؟
ليث اتوتر.
أنا جوزك.
بسمة قالت بهدوء:
وده مش معناه إنك تتحكم في كل شخص أكلمه.
ليث سكت، وبعدين قال:
أنا غيران.
بسمة اتفاجئت، وبعدها ابتسمت.
دي مش مشكلتي.
ليث ضحك رغمًا عنه.
عارف.
بعد أسبوع، بسمة كانت راجعة من المحل متأخرة، وفجأة تليفونها رن.
كانت أمها.
ردت بسرعة:
أيوه يا ماما؟
سمعت صوتها متعب:
يا بنتي أنا تعبانة شوية.
بسمة اتخضت:
مالك؟! في إيه؟!
الأم قالت:
مفيش، بس حاسة بدوخة.
بسمة طلبت من السواق يسرع، لكن لما وصلت لقت أمها مش قادرة تقف.
نقلوها المستشفى، والدكتور طلب شوية فحوصات.
بسمة كانت واقفة في الطرقة وبتعيط.
ليث وصل بعد ما عرف منها.
قرب منها وقال:
في إيه؟
بسمة قالت بصوت متقطع:
ماما تعبانة، وأنا قلقانة.
مسك إيدها.
اهدي، إحنا هنا ومش هنسيبها.
فضل معاها طول الليل، وجاب لها أكل ومية، ولما تعبت من الوقفة جاب كرسي وقعد جنبها.
في الصبح، الدكتور خرج وقال إن الحالة مستقرة، لكن والدتها محتاجة متابعة وعلاج منتظم.
بسمة ارتاحت، ودموعها نزلت من الفرحة.
ليث ابتسم وقال:
الحمد لله.
بصت له وقالت:
شكرًا إنك جيت.
رد:
أنا مكانش ينفع أسيبك لوحدك.
ولأول مرة، بسمة حست إن وجوده جنبها مش واجب ولا تمثيل.
بعد أيام، حصلت أزمة كبيرة في الشركة.
الموظف اللي ظهرت مخالفاته قبل كده رجع يحاول يعمل مشكلة لليث، وبعت مستندات غير صحيحة لبعض العملاء، وادعى إن الشركة عليها ديون كبيرة وإنها على وشك الإفلاس.
بدأ العملاء ينسحبوا، والبنك طلب توضيحات.
ليث كان في حالة تعب شديد.
رجع البيت الساعة اتنين بالليل، ولقى بسمة لسه صاحية بتراجع شغلها.
قال لها:
إنتِ لسه صاحية؟
أيوه، عندي تسليم بكرة.
لاحظت وشه المتعب.
مالك؟
قال:
الشركة في مشكلة.
بسمة قامت من مكانها.
إيه اللي حصل؟
حكى لها التفاصيل.
سمعته للآخر، وبعدها قالت:
وريني المستندات.
ليث فتح اللابتوب وبدأ يشرح.
بسمة ركزت في التواريخ والأرقام، وبعد فترة قالت:
استنى هنا.
كبرت صورة أحد المستندات.
التوقيع ده مش توقيع مدير البنك.
ليث قرب.
إنتِ متأكدة؟
أيوه، وكمان رقم الخطاب مختلف عن أرقام الخطابات الرسمية.
بسمة بدأت تراجع باقي الأوراق، واكتشفت إن فيه مستندات اتعدلت باستخدام نسخ قديمة من خطابات الشركة.
قالت:
ده مش مجرد تلاعب، ده حد عايز يقلق العملاء والبنك عشان يشتري أسهم الشركة بسعر قليل.
ليث بص لها بذهول.
يعني إيه؟
يعني فيه حد بيحاول يستغل الأزمة عشان يستحوذ على الشركة.
فضلوا طول الليل يجهزوا ملف بالأدلة.
وفي الصبح، ليث قدم بلاغ رسمي، واستعان بمحامي الشركة، وبدأ يواجه العملاء بالمستندات الأصلية.
وبعد التحقيقات، اكتشفوا إن الشخص اللي ورا كل ده كان ابن عمه، اللي كان بيحاول يسيطر على الشركة من سنين.
تم كشف التلاعب، ورجعت ثقة العملاء تدريجيًا.
ليث رجع البيت وهو حاسس إن بسمة مش مجرد زوجة ساعدته، دي شريكة حقيقية في حياته.
دخل أوضتها، ولقاها نايمة على المكتب من التعب.
قرب منها ووضع عليها شال، وبص لملامحها بهدوء.
همس:
إزاي كنت أعمى للدرجة دي؟
في صباح اليوم التالي، صحيت بسمة ولقت على المكتب علبة صغيرة.
فتحتها، لقت فيها ساعة بسيطة وأنيقة.
دخل ليث وقال:
صباح الخير.
ابتسمت:
إيه ده؟
هدية.
ليه؟
عشان تعبك معايا.
بسمة رجعت العلبة مكانها.
أنا مش عايزة هدايا يا ليث.
ليث اتضايق.
ليه؟ هو حتى الهدية مش مقبولة؟
ردت:
مش عايزة أحس إنك بتكافئني عشان ساعدتك. أنا كنت بساعدك لأن ده الصح.
ليث قعد قدامها وقال:
طب أعمل إيه عشان تصدقي إني بقيت شايفك بشكل مختلف؟
بسمة بصتله طويلًا.
متعملش حاجة. خليك كده. احترمني، واحترم شغلي، ومتحاولش تشتري رضاي.
ليث هز راسه.
حاضر.
وبعد لحظة قال:
بس عندي سؤال.
اتفضل.
إنتِ عمرك حبيتي حد؟
بسمة ابتسمت بحزن.
كان عندي أحلام كتير، لكن مكنش عندي وقت أفكر في الحب. كنت مشغولة بماما وبالشغل.
ليث قال:
طب دلوقتي؟
ردت:
دلوقتي أنا عايزة أعيش من غير قلق.
الكلمة وجعته.
فهم إنها مش محتاجة راجل غني، ولا قصر، ولا هدايا.
هي محتاجة أمان.
وفي يوم، هدى جمعت العيلة على الغدا.
كانت سحر موجودة لأول مرة من فترة طويلة.
دخلت وهي مبتسمة، وسلمت على الكل.
بسمة قامت وسلمت عليها بحب.
سحر قالت:
إزيك يا بسمة؟
الحمد لله، إنتِ عاملة إيه؟
بخير. وحشتيني.
ليث بص لهم بابتسامة.
وبعد الغدا، سحر طلبت تتكلم مع بسمة لوحدهم.
قالت لها:
أنا عايزة أقولك حاجة.
بسمة ابتسمت:
قولي.
سحر مسكت إيدها:
أنا كنت قلقانة منك في الأول، وكنت فاكرة إنك هتدخلي حياتي وتاخدي كل حاجة مني. لكن اكتشفت إنك كنتِ أكتر واحدة فاهمة ألمي.
بسمة دمعت عينيها.
سحر كملت:
أنا وليث اتفقنا ننهي جوازنا بالتراضي، والطلاق تم من فترة. وبدأت أشتغل في مركز للأطفال، وبحاول أعيش لنفسي.
بسمة فرحت لها.
ربنا يكرمك ويسعدك.
سحر قالت بابتسامة:
وعايزة منك وعد.
إيه؟
متخليش ليث يوجعك تاني. هو اتغير، بس لازم يفضل فاكر إنك مش هدية اتقدمت له، ولا حل لمشكلة الوريث.
بسمة هزت راسها.
وعد.
عدى شهر كمان.
ليث كان بقى بيشارك بسمة تفاصيل يومه، وهي كمان بدأت تحكيله عن شغلها وأحلامها.
بقوا يتغدوا سوا، ويتناقشوا في حاجات كتير، وأحيانًا يضحكوا على مواقف حصلت لهم.
لكن بسمة لسه محتفظة بمسافة بينها وبينه.
وفي ليلة، ليث رجع البيت ولقى بسمة بتجهز شنطتها.
اتخض.
إنتِ بتعملي إيه؟
قالت بهدوء:
أنا قررت أمشي.
اتجمد مكانه.
تمشي؟!
أيوه.
قرب منها.
ليه؟ حصل إيه؟
بسمة فتحت درج وطلعت ظرف.
دي كل الفلوس اللي هدى هانم دفعتها لعلاج ماما. رجعتها كاملة.
ليث بص للظرف.
إنتِ بتتكلمي جد؟
أيوه. أنا دلوقتي أقدر أعتمد على نفسي، ومبقتش مضطرة أكمل الجواز ده.
ليث حس إن الأرض بتنسحب من تحته.
قال بصوت متوتر:
بس إحنا اتغيرنا يا بسمة.
ردت:
أنا عارفة.
طب إيه المشكلة؟
بسمة عينيها لمعت بالدموع.
المشكلة إني مش عايزة أفضل مستنية اليوم اللي تصحى فيه وتفتكر إنك اتجوزتني من غير رغبة. مش عايزة أعيش وأنا كل شوية أسأل نفسي هو بيحبني فعلًا ولا اتعود على وجودي؟
ليث قرب منها.
أنا بحبك.
بسمة سكتت.
هو كمل:
عارف إنك مش هتصدقي الكلام ده بسهولة، وأنا مش طالب منك تصدقيه دلوقتي. بس أنا بحبك يا بسمة.
بسمة دموعها نزلت.
إنت اتأخرت أوي يا ليث.
قال:
عارف.
أنا كنت محتاجة أسمع منك كلمة حلوة في أول يوم، مش بعد ما أساعدك في شغلك وأحل لك مشاكلك.
ليث نزل عينيه.
عندك حق.
بسمة قفلت الشنطة.
ليث وقف بعيد عن الباب وقال:
مش همنعك. لو ده قرارك، هحترمه. بس قبل ما تمشي، عايزك تعرفي إنك أول واحدة في حياتي خلتني أشوف نفسي على حقيقتها.
بسمة بصتله، وبعدها شالت شنطتها وخرجت.
ليث فضل واقف مكانه، ومقدرش ينطق بكلمة.
بعد أسبوعين.
ليث كان عايش في البيت كأنه مش موجود.
مبقاش بيخرج مع أصحابه، ولا بيهتم بالشغل زي الأول.
هدى دخلت عليه المكتب ولقته قاعد قدام صورة بسمة.
قالت:
لسه زعلان؟
رد بصوت مكسور:
أنا ضيعتها يا ماما.
هدى قعدت جنبه.
إنت مش ضيعتها، إنت جرحتها. وفي فرق كبير.
ليث بص لها.
أنا مش عارف أرجعها إزاي.
هدى قالت:
متروحش لها بفلوسك ولا بنفوذك. روح لها بقلبك، ولو رفضت، احترم قرارها.
ليث هز راسه.
في اليوم التالي، راح المحل.
بسمة كانت واقفة بتراجع شحنة جديدة، ولما شافته اتفاجئت.
خير يا ليث؟
قال:
مش جاي أطلب منك ترجعي.
استغربت.
كمل:
أنا جاي أقولك إنك كنتِ صح. أنا كنت فاكر إن كل حاجة ممكن تتجاب بالفلوس، حتى الناس. لكن إنتِ علمتيني إن فيه حاجات لو اتكسرت، مش بتتصلح بسهولة.
بسمة سكتت.
ليث حط ظرف صغير على المكتب.
قالت بسرعة:
إيه ده؟
أوراق إنهاء الشراكة بينا في المشروع.
بسمة اتفاجئت.
قال:
أنا مش عايزك تحسي إنك مرتبطة بيا بسبب الشغل. المحل ملكك بالكامل، ونصيبي هيتحول لك هدية من غير أي مقابل.
بسمة فتحت الورق، لكنها لقت إنه كاتب تنازل رسمي عن حصته.
رفعت عينيها له.
ليه عملت كده؟
ابتسم بحزن.
لأن ده حقك. وإنتِ تستاهلي يكون عندك حاجة باسمك، من غير ما تكوني مدينة لحد.
بسمة دمعت عينيها.
ليث كمل:
أنا بحبك، وهفضل أحبك، بس مش هطلب منك حاجة. لو في يوم حسيتي إنك ممكن تديلي فرصة، هكون أسعد إنسان. ولو لأ، هفضل أتمنى لك الخير.
ومشي.
بسمة فضلت واقفة مكانها، والدموع في عينيها.
ولأول مرة، حسّت إنه بيحبها فعلًا، لأنه اختار يسيب لها حرية الاختيار.
بعد شهر، بسمة كانت بتحضر لعرض أزياء صغير بمناسبة افتتاح فرعها الجديد.
كانت متوترة جدًا، وكل حاجة تقريبًا كانت جاهزة.
لكن قبل العرض بساعات، حصلت مشكلة كبيرة.
الشحنة الأساسية من الأقمشة اتأخرت بسبب خطأ من شركة النقل، وبعض الفساتين مكانتش جاهزة.
بسمة كانت على وشك التعب الشديد.
اتصلت بالموردين، لكن محدش قدر يساعدها في الوقت المناسب.
فجأة، دخلت هدى المحل.
إيه يا بنتي؟ مالك؟
بسمة حكت لها.
هدى ابتسمت وقالت:
متقلقيش. أنا أعرف مكان فيه أقمشة كويسة، وهنحل الموضوع.
وبالفعل، قدرت توفر لها جزء من الخامات المطلوبة.
وبعدها بساعة، دخل ليث.
بسمة اتفاجئت.
إنت عرفت منين؟
قال:
ماما كلمتني، وقالت إنك في مشكلة.
بسمة قالت:
أنا هتصرف.
رد:
عارف. وأنا مش جاي أتصرف بدالك. أنا جاي أساعد لو محتاجة.
سكتت لحظة، وبعدين قالت:
محتاجاك تساعدني في نقل الحاجات.
ابتسم.
من عيني.
فضل معاها طول اليوم، وشال الصناديق بنفسه، وساعد العمال في ترتيب المكان، ومرة واحدة بسمة ضحكت لما شافته ماسك شماعة فستان بطريقة غلط.
قالت:
يا نهار أبيض! هتبوظلي الشغل!
ضحك:
أنا مهندس مش شماعجي!
ردت:
واضح إنك محتاج تدريب.
ضحكوا سوا.
وكانت أول مرة من شهور يضحكوا من قلبهم.
جاء موعد العرض.
المكان كان مليان، والناس معجبة بالتصميمات.
بسمة وقفت في آخر العرض، لابسة فستان من تصميمها، بسيط وأنيق، وشعرها متسدل على كتفها.
كانت جميلة بشكل مختلف، جمال واحدة تعبت ووصلت لحلمها بنفسها.
ليث كان واقف بعيد، بيتفرج عليها بفخر.
لما خلص العرض، الناس صفقت لها بحرارة.
هدى حضنتها وقالت:
أنا فخورة بيكي يا بنتي.
بسمة بكت من الفرحة.
وبعد ما الناس بدأت تمشي، ليث قرب منها.
قال:
مبروك يا صاحبة أكبر حلم.
بسمة ابتسمت.
الله يبارك فيك.
مد لها علبة صغيرة.
بسمة بصت لها باستغراب.
إيه ده؟
افتحيها.
فتحتها، ولقت خاتم بسيط جدًا، من غير فصوص كبيرة ولا مبالغة.
بصتله.
ليث قال:
مش جاي أطلب منك تتجوزيني تاني، لأنك لسه مراتي على الورق، ومش جاي أطلب منك تنسي أي حاجة. أنا بس عايز أبدأ معاكي من الأول، بس المرة دي بإرادتك.
بسمة بصت للخاتم، وبعدين قالت:
فاكر أول يوم جوازنا؟
ليث نزل عينيه.
عمري ما هنساه.
بسمة قالت:
رميت عليا رداء نوم وقلتلي خمس دقايق أغير الملابس اللي لابساها.
ليث وشه احمر من الإحراج.
كنت غبي.
ضحكت بسمة وسط دموعها.
كنت أكتر من غبي.
ضحك هو كمان.
وبعدين قالت:
أنا مش هقولك إني نسيت. أنا لسه فاكرة كل كلمة قلتها، وكل مرة حسستني فيها إني أقل منك.
ليث هز راسه.
وعندك حق.
كملت:
بس أنا كمان شفتك وإنت بتتغير، وشفتك وإنت بتساعدني من غير ما تطلب مقابل، وشفتك وإنت بتسيبلي حرية الاختيار.
ليث كان سامعها وقلبه بيدق بسرعة.
بسمة أخدت الخاتم وقالت:
أنا موافقة نبدأ من جديد.
ليث فضل باصصلها مش مصدق.
بجد؟
ابتسمت.
بجد يا ليث.
قرب منها، لكنه وقف قبل ما يحضنها وسألها:
ينفع أحضنك؟
بسمة ضحكت وقالت:
ينفع.
حضنها بحب، وهي لأول مرة تحس إنها مش مضطرة تكون قوية طول الوقت.
بعد ست شهور.
كانت بسمة واقفة في البلكونة، بتبص للحديقة، وليث خرج لها ومعاه كوبين عصير.
قال:
بتفكري في إيه؟
ابتسمت:
فاكرة أول يوم دخلت فيه البيت هنا؟
ضحك.
أنا فاكر كويس. وعايز أمحي اليوم ده من التاريخ.
بسمة ضحكت.
لأ، خليه. عشان يفضل يفكرك إن الإنسان ممكن يتغير، بس لازم يتحمل نتيجة أخطائه.
ليث حط الكوب على الترابيزة، ومسك إيدها.
عارفة أنا اكتشفت إيه؟
إيه؟
إن أنا كنت بدور على وريث للعيلة، ونسيت إني محتاج أبقى إنسان يستاهل يكون عنده عيلة.
بسمة بصت له بحب.
قال:
وإني كنت فاكر إن الرجولة إني أفرض كلمتي، لكن اتعلمت إنها إني أسمع، وأحترم، وأحافظ على اللي بحبه.
بسمة ابتسمت وقالت:
أهو كده بقيت راجل.
ضحك، وبعدين حط إيده على بطنها برفق.
كانت بسمة حامل في الشهر الرابع.
ليث بص لبطنها وقال بسعادة:
تفتكري ولد ولا بنت؟
بسمة ردت:
مش فارقة.
ليث ابتسم.
عندي أهم من النوع كله.
إيه؟
إنه يطلع عنده قلب زي قلبك.
بسمة ضحكت.
بس يا سيدي، ده إنت بقيت شاعر!
في اللحظة دي، هدى خرجت للبلكونة وهي بتضحك.
إنتوا لسه واقفين هنا؟ تعالوا، الغدا جاهز.
ليث رد:
جايين يا ماما.
هدى قربت من بسمة وباست راسها.
ربنا يتمملك على خير يا بنتي.
بسمة ابتسمت.
آمين.
هدى بصت لابنها وقالت:
عارف يا ليث؟ أنا كنت قلقانة عليك من نفسك.
ليث ضحك.
وأنا كمان يا ماما.
وبعد شهور، جه اليوم اللي استقبلوا فيه طفلتهم الأولى.
ليث كان واقف قدام غرفة العمليات، مش قادر يقعد من التوتر.
ولما الدكتور خرج وقاله:
مبروك، مراتك كويسة، وجالك بنت زي القمر.
ليث عينيه دمعت.
دخل شاف بسمة شايلة الطفلة، وقرب منها وباس راسها.
قال بصوت مبحوح:
الحمد لله على سلامتك يا حبيبتي.
بسمة ابتسمت.
تحب تشيل بنتك؟
ليث شال الصغيرة بحذر شديد، وبص لوشها الصغير.
هنسميها إيه؟
بسمة قالت:
أنا كنت بفكر في اسم ليان.
ليث ابتسم.
ليان.. اسم جميل أوي.
وبص لبنته وقال:
يا ليان، أوعدك إني عمري ما أخليكي تحسي إنك أقل من أي حد، ولا إن قيمتك مرتبطة بفلوس أو شكل أو أي حاجة.
بسمة دمعت من كلامه.
ليث بص لها وقال:
وأوعدك إنتِ كمان، إن عمري ما هنسى إنك دخلتي حياتي وإنتِ شايلة قلقك وألمك، وأنا بدل ما أطمنك، كنت سبب في ألمك.
بسمة مسكت إيده.
خلاص يا ليث، إحنا اتعلمنا.
ابتسم وقال:
بس فيه حاجة لسه عايز أعملها.
إيه؟
طلع من جيبه صورة قديمة، كانت صورة ليها في أول يوم دخلت فيه البيت، بالنقاب الأبيض.
بسمة استغربت.
إنت محتفظ بالصورة دي ليه؟
قال:
عشان كل ما أشوفها أفتكر إن الست اللي كنت فاكرها مجرد خدامة، كانت أغنى مني بكتير.
بسمة ضحكت.
أغنى منك في إيه؟
ليث رد وهو بيبصلها:
في كرامتها، وفي قلبها، وفي قدرتها إنها تسامح من غير ما تنسى نفسها.
وباس إيدها.
وفي عيد ميلاد ليان الأول، العيلة كلها اتجمعت في الحديقة.
سحر كانت موجودة، وبقت صديقة قريبة لبسمة، وكانت بتشتغل في مركز رعاية الأطفال وحققت نجاح كبير في حياتها.
أما هدى، فكانت شايلة حفيدتها ومش قادرة تبطل ضحك.
الجد قرب من ليث وقاله:
ها يا ليث، بقيت مبسوط بالوريث؟
ليث بص لبنته وقال:
دي مش وريثتي يا جدي، دي بنتي. ومهما خلفت بعدها، هي ليها نفس الحب ونفس المكانة.
الجد ابتسم وربت على كتفه.
بسمة كانت واقفة بعيد بتتفرج عليهم، وليث لمحها، فساب كل الناس وراح لها.
مسك إيدها وقال:
تعالي يا ملكة.
ضحكت:
ملكة إيه؟
ملكة البيت اللي علمتني يعني إيه بيت.
وبعدين أخرج من جيبه صورة صغيرة كانت مكتوب عليها جملة واحدة:
في يوم وضعت أمامها رداء نوم وقلت لها إنها مجرد ملابس… وبعد سنين اكتشفت إن الرداء اللي كنت بسخر منه كان ساتر قلب أنضف من قلبي بكتير.
بسمة ضحكت ودموعها نزلت.
قالت له:
بس أوعى تنسى إنك كنت محتاج تتربى من الأول.
ضحك ليث وقال:
أنا لسه بتعلم على إيدك.
وبين ضحكات العيلة وصوت ليان وهي بتلعب، ليث بص لمراته وقال:
عارفة يا بسمة؟ لو رجع بيا الزمن، كنت هختار أحبك من أول مرة أشوفك فيها.
بسمة ردت وهي بتبص في عينيه:
وأنا لو رجع بيا الزمن، كنت هختار نفسي الأول.
ليث اتفاجئ من الجملة، لكنها كملت بابتسامة:
وبعدين لو ربنا كاتب لنا نلتقي، كنت هختارك وإنت الإنسان اللي بقيت عليه دلوقتي.
ابتسم ليث وحضنها.
والحقيقة إن بسمة ما كسبتش ليث لما لبست الحرير، ولا لما خلفت له الوريث، ولا لما ساعدته ينقذ شركته… هي كسبته يوم ما رفضت تسمح له يكسر كرامتها، ويوم ما عرف إن الحب مش إنك تملك إنسان، الحب إنك تبقى الشخص اللي يختار يعيش معاك وهو مطمن.
تمت بحمد الله.




