
ابني اللي عنده متلازمة داون اشتغل في محل لمدة 12 سنة، لحد ما المدير اتهمه بأخذ أشياء من المحل! ابني كان بيعيط وبيترجاني وبيقولي يا ماما، صدقيني، أنا ماخدتش حاجة! أنا صدقت براءته، لكن لما الحقيقة ظهرت، حصلت حاجة عمري ما كنت أتخيلها…
لما مدير المحل اتصل بيا وقال إنهم مسكوا ابني، اللي عنده 34 سنة، وهو بيأخذ أشياء من المحل، في البداية افتكرت إن حد بيهزر معايا هزار سخيف وقاسي.
لكن بعدها سمعت صوت ابني وهو بيعيط في التليفون.
ماما! تعالي أرجوكي! أنا ماخدتش أي حاجة….
عمري ما هنسى صوت ابني وهو بيعيط بالشكل ده طول ما أنا عايشة.
اسمي مارجريت، عندي 68 سنة، وابني الوحيد دانيال اتولد عنده متلازمة داون.
لما كان صغير، ناس كتير كانوا بيقولولي إنه عمره ما هيقدر يشتغل أو ياخد قراراته بنفسه.
لكن ابني أثبت إنهم كلهم غلطانين.
دانيال اشتغل في محل بقالة لمدة 12 سنة كاملة. كل صباح، كان بيلبس قميصه الأحمر، ويربط المريلة الخضرا حوالين وسطه، ويروح شغله وهو فخور بنفسه.
عمره ما اتأخر عن شغله، وكان بيحب وظيفته لدرجة إنه حتى في أيام إجازته، كان بيسألهم لو محتاجين مساعدة في المحل.
لكن يوم التلات ده، كل حاجة اتقلبت رأسًا على عقب.
لما وصلت المحل، لقيت حوالي 15 شخص متجمعين جنب الكاشير.
ابني كان واقف في وسطهم، وشه أحمر من كتر العياط، وإيديه بتترعش بشكل مش طبيعي.
المدير، اللي اسمه روبرت، كان بيزعق فيه بغضب شديد:
إحنا وثقنا فيك لمدة 12 سنة، وفي الآخر تأخذ 500 دولار من ست عجوزة غلبانة؟!.
أول ما دانيال شافني، جري عليّا وارتمى في حضني وهو بيعيط.
ماما، أنا ماخدتش فلوس الست! أرجوكي صدقيني!.
حاولت أهديه وأطمنه، لكن المدير حط قدامي مجموعة صور على الكاونتر وقال:
اتفضلي شوفي بنفسك! ابنك بقاله 3 شهور تقريبًا، كل يوم بيطلع أكياس مليانة أكل من المخزن! وإحنا مش عارفين الأكل ده بيروح فين!.
حسيت إن قلبي اتقبض من جوايا.
بصيت لابني وسألته:
دانيال، إنت كنت بتطلع أكياس الأكل من المخزن ليه؟.
غمّض عينيه، وقال بصوت مكسور:
أنا وعدت إني مش هقول لحد يا ماما.
ولأول مرة في حياتي، معرفتش أفكر إزاي، ولا حتى عرفت أتصرف إزاي.
وفي اللحظة دي، المدير شغّل تسجيلات كاميرات المراقبة.
على الشاشة ظهرت ست عجوزة عندها 82 سنة. كانت واقفة جنب قسم الفاكهة، وفجأة دانيال قرب منها.
الست همست له بحاجة في ودنه.
وفجأة، ابني بدأ يعيط، وبعدها شال شنطة الست ومشي بيها ناحية المخزن.
المدير صرخ وهو بيشاور على الشاشة:
شايفة؟! بعد اللي حصل ده، الـ500 دولار اختفوا من شنطتها!.
بصيت لابني وقلبي بيتقطع عليه، وسألته:
دانيال، أرجوك قولي الحقيقة! إيه اللي حصل؟.
نزّل راسه، وهمس بصوت ضعيف:
ماما، لو حكيت اللي حصل، الجدة إليزابيث هتزعل….
في اللحظة دي، المدير قال ببرود شديد:
اتصلوا بالشرطة! أنا مش هستنى أكتر من كده!.
ابني كان مرعوب، مسك إيدي بقوة، وكأنه بيترجاني متسبهوش لوحده.
لكن فجأة…
باب المحل اتفتح بعنف!
ودخلت نفس الست العجوزة، إليزابيث!
كانت بتنهج ومش قادرة تاخد نفسها، لكن أول ما شافت دانيال وهو بيعيط، صرخت بأعلى صوتها:
استنوا حالًا! لو إنتوا بتتهموا الشاب ده بأخذ أشياء من المحل، فده معناه إنكم مش فاهمين أصلًا إيه اللي حصل هنا بجد!.
المدير بص لها بذهول، وسألها:
يا مدام، مش حضرتك اللي قلتي إن الـ500 دولار بتوعك اختفوا؟!.
ردت عليه الست:
أيوه، أنا اللي قلت كده… لكن أنا رجعت عشان أحكي لكل الموجودين الشاب ده كان بيعمل إيه عشاني خلال الشهور اللي فاتوا!.
وبعدين قربت من ابني، ومسكت إيديه اللي كانت لسه بتترعش، وعينيها اتمَلَت بالدموع.
وبصت له وقالت بصوت مليان حزن:
دانيال، سامحني يا ابني… أنا وعدتك إني هحافظ على سرنا ومش هقوله لحد، لكن خلاص، مبقتش قادرة أفضل ساكتة أكتر من كده.
وفي اللحظة دي، كل اللي كانوا واقفين في المحل سكتوا تمامًا… لأن السر اللي كانت الست العجوزة هتكشفه، كان أكبر بكتير من مجرد 500 دولار اختفوا من شنطتها!
إليزابيث فضلت واقفة في نص المحل، ماسكة إيد دانيال، ودموعها بتنزل على خدودها المتجعدة.
بصت للمدير روبرت وقالت بصوت بيرتعش من الغضب:
إنت قضيت على كرامة الشاب ده قدام الناس كلها، واتهمته بأخذ أشياء من غير ما حتى تديني فرصة أتكلم! إنت عارف إن دانيال عمل إيه عشاني؟ لأ، طبعًا إنت متعرفش، لأنك كنت مشغول بتجميع الأدلة اللي تخليك تطرده!
روبرت عقد إيديه قدام صدره وقال بعصبية:
يا مدام إليزابيث، أنا عندي كاميرات، وعندي صور بتثبت إنه كان بيطلع أكل من المخزن، والـ500 دولار اختفوا من شنطتك. أنا مش هسمح إن حد يستغل المحل بتاعي!
إليزابيث هزت راسها وقالت:
والـ500 دولار دول أنا اللي حطيتهم في الشنطة بإيدي قبل ما أجي هنا النهارده، وكنت ناوية أستخدمهم في حاجة مهمة جدًا. لكن قبل ما نتكلم عن الفلوس، لازم تعرفوا إيه اللي حصل خلال الشهور اللي فاتوا.
في اللحظة دي، كل العيون اتجهت ناحيتها.
أما أنا، فكنت واقفة جنب ابني، ماسكة إيده، وحاسة إن فيه حاجة كبيرة مستخبية، حاجة ابني كان مستعد يتحمل بسببها تهمة الأخذ ولا إنه يكشفها.
إليزابيث خدت نفس طويل، وبعدين بدأت تحكي.
من 3 شهور، مات جوزي بعد جواز دام 51 سنة. كنت فاكرة إن أصعب حاجة هواجهها هي إني أعيش لوحدي بعد كل السنين دي، لكن اكتشفت إن الوحدة مش أصعب حاجة… أصعب حاجة إنك تبقى عايش ومحدش حاسس بوجودك.
سكتت لحظة ومسحت دموعها.
ولادي الاتنين عايشين في ولايات بعيدة، وكل واحد فيهم عنده شغله وحياته. في الأول كانوا بيتصلوا بيا كل يوم، وبعدها المكالمات بقت كل أسبوع، وبعدين بقت مجرد رسالة سريعة يسألوني فيها إذا كنت لسه عايشة ولا لأ.
واحدة من الزباين حطت إيدها على بقها من الصدمة، وإليزابيث كملت:
في يوم، جيت المحل ده أشتري شوية حاجات، وكنت واقفة قدام الرفوف ومش عارفة أختار إيه. كنت ناسية أنا جيت أشتري إيه أصلًا، وكنت مخنوقة لدرجة إني حسيت إني هعيط قدام الناس.
وبصت لدانيال، وابتسمت وسط دموعها.
الشاب ده كان بيرتب العلب على الرف. ساب اللي في إيده، وقرب مني، وسألني إذا كنت محتاجة مساعدة. ولما قلت له إني مش فاكرة أنا جاية أجيب إيه، متريقش عليّا، ولا ضحك، ولا استعجلني زي ما ناس كتير بتعمل.
دانيال كان باصص للأرض، ودموعه لسه بتنزل.
إليزابيث كملت:
فضل يساعدني لحد ما افتكرت كل حاجة، وبعدها وصل مشترياتي للعربية. وقبل ما أمشي، سألني سؤال واحد بس…
هنا صوتها اتكسر، وبصت لي أنا المرة دي.
سألني يا تيتة إليزابيث، هو إنتِ عندك حد بيستناكي في البيت؟
حسيت بغصة في حلقي.
إليزابيث قالت:
قلت له إن مفيش حد. فبص لي بحزن وقال أنا كمان ساعات بحس إن الناس بتشوفني، بس مش بتسمعني. وعشان كده، أنا مش عايزك تحسي إنك لوحدك.
حطت إيدها على قلبها، وكأنها بتحاول تهدي الوجع اللي جواها.
من اليوم ده، بقيت أجيله كل أسبوع. ساعات أشتري حاجة مش محتاجاها أصلًا، بس عشان أقعد معاه خمس دقايق وأتكلم. وهو كان دايمًا يسمعني، ويفتكر أسماء أحفادي، ويسألني عن الحاجات اللي حكيتها له قبل كده.
بصيت لابني، وافتكرت كل مرة رجع فيها البيت يحكي لي عن ست عجوزة محتاجة حد يسمعها، من غير ما يقول لي اسمها.
لكن اللي سمعته بعدها خلاني أحس إن الأرض بتتهز تحت رجلي.
إليزابيث أشارت ناحية صور الأكياس اللي المدير كان حاططها على الكاونتر، وقالت:
أما الأكل اللي دانيال كان بيطلعه من المخزن، فده كان بموافقتي أنا… أو بالأصح، كان بيعمل حاجة محدش منكم كان مستعد يعملها عشاني.
روبرت رد بسرعة:
بموافقتك إزاي؟ دي بضاعة المحل، مش بتاعته ولا بتاعتك!
إليزابيث بصت له وقالت:
وده بالضبط اللي جايه أتكلم عنه. في أول شهر، لاحظ دانيال إني بقيت أشتري أقل من المعتاد. ولما سألني عن السبب، حاولت أغيّر الموضوع. لكن في مرة، وأنا بدفع الحساب، وقعت مني ورقة من جيبي، وكانت فاتورة كهرباء عليها إنذار بقطع الخدمة.
دانيال رفع راسه فجأة، وكأنه كان بيتمنى إنها متقولش الجزء ده.
إليزابيث كملت:
أنا كنت ببيع حاجات من بيتي عشان أقدر أدفع الفواتير وأشتري الدوا. معاش جوزي كان قليل، والمصاريف زادت بعد وفاته. كنت مستحية أقول لأولادي إني محتاجة مساعدة، وخايفة أبقى حمل تقيل عليهم.
وبعدين بصت للمدير مباشرة:
دانيال هو اللي اقترح عليّا إننا نتفق مع إدارة المحل على شراء الأكل اللي قربت صلاحيته تنتهي بسعر مخفض، أو ناخده لو المحل بيسمح بالتبرع بيه. وبدأ يسأل كل يوم عن المنتجات اللي ممكن تتباع بتخفيض، وكان بيساعدني أرتب مشترياتي على قد فلوسي.
روبرت سكت ثواني، لكنه رد بعناد:
أنا أول مرة أسمع الكلام ده! مفيش أي اتفاق رسمي بين المحل وبينك.
إليزابيث هزت راسها:
عندك حق. مفيش اتفاق رسمي بيني وبينك. لكن دانيال قال لي إنه كان بيجمع المنتجات اللي مسموح بالتبرع بيها، وإنه سأل المسؤول عن المخزن قبل ما ياخدها.
قلبي بدأ يدق بسرعة.
التفت ناحية ابني وسألته:
يا دانيال، الكلام ده حقيقي؟ إنت كنت بتاخد الأكل بإذن المسؤول؟
ابني مسح دموعه بطرف كمه، وقال بصوت واطي:
أيوه يا ماما. كنت بسأل مستر فرانك كل مرة. كان بيقول لي إن الأكل ده هيتشال من المخزن، وإنه ممكن يتوزع بدل ما يترمي.
روبرت وشه اتغير فجأة.
فرانك؟! مسؤول المخزن؟
دانيال هز راسه:
أيوه. وهو قال لي كمان إني لازم أحافظ على سر تيتة إليزابيث، لأنها مش عايزة حد يعرف إنها محتاجة مساعدة.
إليزابيث ضغطت على إيده وقالت بحزن:
أنا اللي طلبت منه ميحكيش لحد عن ظروفي، لكن عمري ما طلبت منه يكذب أو يأخذ حاجة مش من حقه. والنهارده، لما اتصلتوا بيا وقلتوا إن فيه 500 دولار اختفوا، جيت عشان أوضح الحقيقة بنفسي.
المدير اتوتر، وبدأ يقلب في الصور اللي قدامه.
وفجأة، إليزابيث فتحت شنطتها وطلعت ظرفًا بنيًا، وحطته على الكاونتر:
أما الفلوس، فهي موجودة هنا.
كل الموجودين قربوا يبصوا على الظرف.
روبرت فتح عينيه بدهشة وقال:
يعني إيه موجودة هنا؟!
إليزابيث ردت بثبات:
الـ500 دولار اللي بتقولوا إن دانيال أخدها، أنا حطيتها في الظرف ده بنفسي. وكنت جاية النهارده عشان أسلمها له.
شهقت وأنا ببص لها:
تسلميه الفلوس ليه يا مدام إليزابيث؟!
إليزابيث بصت لدانيال، وبعدها رجعت بصت لي:
لأن من 3 شهور، الشاب ده عمل حاجة عشاني، وأنا كنت مستنية اللحظة المناسبة عشان أرد له جزءًا صغيرًا من اللي عمله.
وبعدين فتحت الظرف، وطلعت منه ورقة مطوية، مكتوبة بخط إيدها.
لكن قبل ما تشرح الورقة دي، دخل المحل راجل لابس بدلة رسمية، وكان واضح من طريقة كلامه إنه مسؤول كبير.
قرب من روبرت وقال بحدة:
مستر روبرت، أنا محتاج أشوف تسجيلات الكاميرات كاملة، مش الصور اللي طبعتها بس.
روبرت اتلخبط وسأله:
حضرتك مين؟ وإيه اللي جابك هنا؟
الراجل طلع بطاقة من جيبه وقال:
أنا مدير المنطقة، وجالي بلاغ عن اتهام موظف بأخذ أشياء قبل مراجعة التسجيلات بالكامل.
وبص ناحية دانيال، اللي كان لسه واقف جنبي خايف ومش فاهم إيه اللي بيحصل.
ثم قال جملة خلت روبرت يبلع ريقه بصعوبة:
لأن لو اللي حصل اتثبت إنه اتهام غير صحيح، فالموضوع مش هيقف عند اعتذار للشاب ده.
لكن المفاجأة الحقيقية كانت إن إليزابيث، أول ما شافت الراجل، نادته باسمه وقالت:
مستر جيمس، كويس إنك جيت. لأن فيه حاجة لازم تعرفها عن دانيال، وحاجة تانية لازم تعرفها عن مسؤول المخزن فرانك.
الراجل بص لها باهتمام.
إليزابيث حطت الورقة المطوية قدامه وقالت:
قبل ما تحكموا على أي حد، لازم تسمعوا التسجيل اللي احتفظت بيه من يوم ما اكتشفت إن فيه حاجة غلط بتحصل في المحل.
وفي اللحظة دي، روبرت اتراجع خطوة لورا، ووشه شحب بشكل غريب… لأنه فهم إن التسجيل اللي بتتكلم عنه إليزابيث ممكن يكشف سرًّا محدش في المحل كان متوقعه!
جيمس مد إيده وأخد الورقة من إليزابيث، لكنه لاحظ إنها كانت بتبص ناحية روبرت بنظرة غريبة، كأنها عارفة حاجة هو نفسه مش عايز حد يعرفها.
قال لها بهدوء:
مدام إليزابيث، إنتِ بتقولي إن معاكي تسجيل. تسجيل لإيه بالضبط؟
إليزابيث ردت وهي بتفتح شنطتها:
من حوالي شهر، بدأت ألاحظ إن دانيال كل ما يجهز لي كيس الأكل، بيكون خايف ومتوتر. ولما سألته عن السبب، قالي إن فيه حد طلب منه يحتفظ بسر، وإنه لو اتكلم ممكن يخسر شغله.
بصيت لابني بسرعة، وقلبي اتقبض:
يا دانيال، مين اللي قال لك كده؟
ابني فضل ساكت، وبدأ يفرك صوابعه في بعض، زي ما بيعمل كل ما بيتوتر.
قربت منه وقلت برفق:
يا حبيبي، إنت مش لوحدك. أنا جنبك، ومحدش هيجبرك تقول حاجة إنت مش مستعد تقولها.
رفع عينيه ليا، وبعدها بص ناحية روبرت.
المدير اتعصب وقال:
كفاية الكلام ده! إحنا بنتكلم عن 500 دولار اختفوا، مش عن حكايات ملهاش أي دليل!
لكن جيمس رفع إيده وطلب منه يسكت:
مستر روبرت، من فضلك. هنسمع الكل، وبعدها هنراجع الأدلة.
إليزابيث طلعت موبايلها، وفتحت تسجيل صوتي كانت محتفظة بيه.
في البداية، سمعنا صوت حركة عربيات وصناديق بتتجر على الأرض، وبعدها ظهر صوت راجل بيتكلم بنبرة حادة:
إنت فاهم المطلوب منك يا فرانك؟ الأكياس دي لازم تخرج من المخزن من غير ما حد يسأل عنها.
وبعدين جه صوت تاني، صوت فرانك، مسؤول المخزن:
بس لو حد راجع الكميات، الموضوع ممكن يتكشف.
الصوت الأول رد ببرود:
متقلقش. لو حصلت مشكلة، هنلاقي حد نعلّق عليه الغلط.
روبرت اتجمد في مكانه.
جيمس قرب من الموبايل، وطلب من إليزابيث تعيد الجزء الأخير.
ولما التسجيل اشتغل للمرة التانية، سمعت صوتًا تالتًا في الخلفية، صوت شخص بيقول:
ودانيال؟ ده أسهل واحد ممكن يتهموه، ومحدش هيفكر إنه فاهم اللي بيحصل.
حسيت إن اللون انسحب من وشي.
بصيت لابني، لقيته بيعيط من غير صوت.
هما قالوا كده عليك يا حبيبي؟
هز راسه ببطء، وقال:
أنا كنت عارف إنهم بيقولوا كلام وحش عني يا ماما… بس كنت خايف أخسر شغلي. أنا بحب الشغل هنا.
الكلمة دي وجعتني أكتر من أي حاجة تانية.
ابني قضى 12 سنة من عمره في المكان ده، بيصحى كل يوم فرحان إنه رايح شغله، وكان فاكر إن الناس اللي حواليه زيه، بيحبوا الخير وبيحترموا بعض.
لكن واضح إن فيه حد استغل طيبته وثقته.
جيمس بص لروبرت وقال:
أنا عايز أعرف مين الشخص اللي صوته ظاهر في التسجيل، وعايز مراجعة كاملة للمخزن وحركة البضائع خلال آخر 3 شهور.
روبرت حاول يتكلم، لكن صوته خرج متقطعًا:
أنا… أنا معرفش التسجيل ده جه منين.
إليزابيث ردت فورًا:
التسجيل ده وصلني من غير ما أطلبه. واللي بعتهولي قال لي إني لازم أحتفظ بيه، لأن فيه ناس بتستغل ثقة دانيال.
جيمس سألها:
مين اللي بعته؟
إليزابيث بصت ناحية باب المحل، وقالت:
الشخص ده موجود بره، ومستني إني أطلب منه يدخل.
وفي اللحظة دي، باب المحل اتفتح مرة تانية.
دخل فرانك، مسؤول المخزن.
كان لابس نفس الزي اللي بيشتغل بيه كل يوم، لكن أول ما شاف إليزابيث والموبايل في إيد جيمس، وقف مكانه وكأنه اتسمّر في الأرض.
روبرت بص له بصدمة:
فرانك؟ إنت إيه اللي جابك هنا؟
فرانك ما ردش عليه. عينيه كانت معلقة بالموبايل، وبعدها بص لدانيال وقال بصوت مرتعش:
أنا آسف يا دانيال.
ابني رفع راسه باستغراب:
إنت آسف ليه يا مستر فرانك؟ أنا عملت حاجة غلط؟
فرانك غمض عينيه للحظة، وبعدين قال:
لأ يا دانيال. إنت معملتش أي حاجة غلط. وأنا كان لازم أتكلم من زمان.
جيمس طلب منه يقعد ويحكي كل اللي يعرفه.
فرانك بدأ يتكلم بصعوبة:
من 3 شهور، لاحظت إن فيه كميات من البضائع بتتسجل في الدفاتر على إنها تالفة، مع إنها كانت سليمة. وفي نفس الوقت، كنت بلاقي أصناف بتختفي من المخزن من غير ما يكون ليها إذن صرف واضح.
روبرت قاطعه بعصبية:
إنت بتتهم مين يا فرانك؟ خلي بالك من كلامك!
فرانك بص له، ولأول مرة ما خافش من تهديده:
أنا مش باتهم حد من غير دليل. أنا احتفظت بنسخ من سجلات المخزن، وبعت نسخة للإدارة بعد ما اكتشفت إن فيه اختلافات كبيرة في الأرقام.
جيمس مد إيده وقال:
فين النسخ دي؟
فرانك طلع ملفًا من شنطته وحطه قدامه.
جيمس فتح الملف وبدأ يقلب في الأوراق، وكل ما كان بيقرأ أكتر، ملامح وشه كانت بتتغير.
بعد دقائق، رفع راسه وسأل فرانك:
إنت متأكد إنك راجعت الأرقام دي بنفسك؟
أيوه يا فندم. وراجعتها مرتين.
وبعدين فرانك بص ناحية دانيال، وقال بصوت مليان ندم:
أنا اللي طلبت منه يساعد في تجهيز الأكياس اللي فيها المنتجات المسموح بالتبرع بيها، وكنت فاكر إن الإدارة كلها عارفة. لكن لما بدأت المشاكل تظهر، اكتشفت إن فيه حد بيحاول يخلّي دانيال هو المسؤول عن أي نقص في المخزن.
أنا مقدرتش أتمالك نفسي.
يعني ابني كان ممكن يخسر شغله وسمعته بسبب حاجة هو معملهاش؟!
فرانك نزل راسه وقال:
للأسف، أيوه.
دانيال مسح دموعه، وسأل فرانك سؤالًا بسيطًا، لكنه خلّى كل الموجودين يسكتوا:
يا مستر فرانك، هو أنا هرجع أشتغل تاني؟ أنا محتاج شغلي. أنا بحب الناس اللي بتيجي تشتري مني.
فرانك ما عرفش يرد.
حتى جيمس سكت للحظات، وبعدها قال لدانيال:
أنا بوعدك إننا هنراجع كل حاجة، ومش هنتخذ أي قرار ضدك من غير ما نعرف الحقيقة كاملة.
لكن إليزابيث رفعت إيدها وقالت:
استنوا. لسه فيه حاجة أخيرة محدش يعرفها.
كلنا بصينا لها.
فتحت الظرف البني مرة تانية، وطلعت منه خطابًا رسميًا عليه ختم مؤسسة خيرية كبيرة.
قالت:
أنا قضيت أكتر من 20 سنة بساعد العائلات اللي ظروفها صعبة، وبعد وفاة جوزي قررت أخصص جزءًا من فلوسي لمشروع جديد. مشروع كنت بدور له على شخص أقدر أثق فيه، شخص يساعد الناس من غير ما يستنى مقابل.
وبعدين بصت لدانيال، وابتسمت رغم دموعها:
ولما قابلت الشاب ده، عرفت إن الخير مش مرتبط بالشهادات ولا بالمناصب ولا بكمية الفلوس اللي في البنك.
أنا كنت بسمعها ومش فاهمة هي تقصد إيه بالضبط.
لحد ما حطت الخطاب قدام جيمس، وقالت:
أنا كنت جاية النهارده عشان أطلب من دانيال يوافق يكون أول موظف في مشروعي الجديد، مشروع لتجهيز وتوصيل الطعام لكبار السن اللي عايشين لوحدهم.
دانيال فتح عينيه بدهشة:
أنا؟!
أيوه، إنت يا دانيال. لأنك فهمت احتياج الناس من غير ما حد يشرح لك، وعاملتني باحترام في وقت كنت حاسة فيه إن محدش شايفني.
وبعدين أشارت للظرف وقالت:
والـ500 دولار دول مش تمن سكوتك، ولا مقابل حاجة عملتها. دول هدية مني ليك، تقديرًا لقلبك الطيب. لكن مش هديهم لك غير لما نتأكد إنك فاهم إنك مش مطالب تثبت طيبتك لأي حد، وإن من حقك تقول لأ لو أي شخص طلب منك حاجة غلط.
دانيال بص لي، وكأنه بيستأذنني بعينيه.
ابتسمت له وقلت:
القرار قرارك يا حبيبي. أهم حاجة عندي إنك تكون مرتاح، وإن محدش يستغلك تاني.
مد إيده وأخد الخطاب، وفضل يبص له وقت طويل.
لكن قبل ما ينطق بكلمة، جيمس كان وصل لآخر صفحة في سجلات المخزن.
وفجأة، قفل الملف بقوة، وبص ناحية روبرت وقال:
مستر روبرت، محتاج منك تفسير لحاجة ظهرت في الحسابات دي فورًا.
روبرت حاول يحافظ على هدوئه، لكن إيده كانت بتترعش.
جيمس حط قدامه ورقة فيها تواريخ وكميات وأرقام، وأشار على اسم مكتوب في آخر السطر.
وقال بصوت حاسم:
إزاي اسم دانيال موجود في تقرير المخزون، مع إنه في الأيام دي كان مسجل في كشوف الحضور إنه في إجازة؟ والأخطر من كده… مين اللي وقّع على التقرير بدلًا منه؟
سادت حالة من الصمت التام.
أنا قربت من الورقة، ولما شفت الاسم اللي تحت التوقيع، حسيت إن المفاجأة أكبر من كل اللي عرفناه لحد دلوقتي.
لأن الاسم المكتوب في التقرير ما كانش اسم دانيال، ولا فرانك… كان اسم الشخص اللي اتصل بيا بنفسه واتهم ابني بأخذ أشياء من المحل!
أول ما جيمس قال إن توقيع التقرير باسم روبرت، مدير المحل نفسه، كل الموجودين بصوا له في ذهول.
أنا حسيت إن رجلي مش شايلاني.
يعني إنت يا مستر روبرت اللي وقّعت على تقارير باسم ابني وهو مش موجود أصلًا؟!
روبرت حاول يضحك ضحكة متوترة، وقال:
الموضوع مش زي ما إنتوا فاهمين. أنا مدير المحل، ومن حقي أراجع التقارير وأوقّع عليها.
جيمس رد عليه فورًا:
محدش قال إنك مش من حقك توقّع على تقارير الإدارة. لكن السؤال هو ليه اسم موظف موجود في تقرير استلام بضاعة، بينما سجلات الحضور بتثبت إنه كان في إجازة؟ وليه الكميات المكتوبة هنا مختلفة عن الكميات المسجلة في المخزن؟
روبرت سكت.
ولأول مرة من ساعة ما وصلت المحل، شفت المدير اللي كان بيزعق في ابني واقف عاجز عن الرد.
لكن اللي حصل بعد كده كان أغرب بكتير.
فرانك فتح الملف اللي معاه، وطلع منه ورقتين إضافيتين، وحطهم قدام جيمس:
فيه حاجة تانية يا فندم. أنا راجعت التسجيلات بنفسي، ولقيت إن فيه شخص دخل المخزن في أيام محددة بعد انتهاء مواعيد العمل. الشخص ده كان بيستخدم بطاقة دخول إدارية، مش بطاقة موظف عادي.
جيمس سأله:
وعرفت الشخص ده؟
فرانك تردد شوية، وبعدين رد:
لسه محتاجين نراجع التسجيلات الأصلية، لكن عندي سبب قوي يخليني أعتقد إن الشخص ده كان بيحاول يخفي نقص البضاعة.
روبرت ضرب بإيده على الكاونتر وقال:
كفاية! إنتوا بتحولوا الموضوع لتحقيق كبير قدام الزباين!
جيمس بص له بجدية:
إنت اللي بدأت الموضوع لما اتهمت موظف بأخذ أشياء قدام الناس، قبل ما تتأكد من الأدلة. ودلوقتي، بما إن فيه اختلافات في الحسابات، لازم نعرف الحقيقة.
وبعدين طلب من الموظفين يرجعوا لشغلهم، وطلب من روبرت وفرانك يستنوا لحد ما الإدارة تراجع السجلات.
أما أنا، فكنت كل اللي يهمني ابني.
دانيال كان واقف ساكت، ماسك خطاب إليزابيث بإيد، وبالإيد التانية ماسك إيدي.
قربت منه وسألته:
إنت كويس يا حبيبي؟
بص لي وقال:
أنا كويس يا ماما، بس مش فاهم ليه مستر روبرت قال إني أخدت حاجة مش بتاعتي. أنا عمري ما أخدت حاجة مش بتاعتي.
حسيت إن قلبي بيتقطع.
نزلت لمستوى عينيه وقلت له:
أنا مصدقاك يا دانيال. وكنت مصدقاك من أول ما سمعت صوتك في التليفون.
ابتسم ابتسامة صغيرة، لكنه سألني سؤالًا وجعني أكتر من كل اللي حصل:
طب لو رجعت الشغل، الناس هتفضل فاكرة إني أخدت حاجة مش بتاعتي؟
ما عرفتش أرد عليه فورًا.
لكن إليزابيث قربت منه وقالت:
الناس ممكن تغلط في حقك يا دانيال، لكن الغلط مش معناه إنك غلطان. وإنت مش مسؤول عن الكلام اللي الناس بتقوله من غير ما تعرف الحقيقة.
وبعدين طلعت من شنطتها صورة قديمة، وقدمتها له.
كانت صورة لزوجها الراحل، واقف قدام مطبخ صغير، وحواليه مجموعة من الناس بيوزعوا وجبات على عائلات محتاجة.
دانيال ابتسم وقال:
ده جوزك يا تيتة إليزابيث؟
هزت راسها:
أيوه. طول عمره كان نفسه يعمل مكان يقدر فيه أي شخص محتاج ياخد وجبة من غير ما يحس بالخجل. وبعد ما مات، قررت أحقق حلمه.
دانيال بص للصورة باهتمام، وقال:
أنا ممكن أساعدك أرتب الأكل، وأجهز الأكياس، وأتأكد إن كل واحد ياخد اللي محتاجه.
إليزابيث دموعها نزلت تاني:
وده بالضبط اللي كنت أتمنى أسمعه منك.
لكن قبل ما نقدر نتكلم أكتر، جيمس رجع لنا بعد مكالمة تليفونية قصيرة.
ملامحه كانت جدية جدًا.
قال لإليزابيث:
مدام إليزابيث، الإدارة طلبت مني أراجع تسجيلات الكاميرات الأصلية، مش التسجيل الصوتي اللي معاكي بس. وفيه حاجة ظهرت في التسجيلات محتاجين نواجه بيها روبرت.
وبعدين التفت ليا وقال:
مدام مارجريت، من فضلك، خلي دانيال معانا شوية. إحنا قربنا نفهم اللي حصل.
روبرت كان واقف بعيد، ووشه بقى شاحب.
جيمس فتح جهازه اللوحي، وشغّل تسجيلًا من كاميرا المخزن.
ظهر دانيال على الشاشة وهو بيفتح صندوقًا، وبيحط فيه علب أكل.
روبرت ابتسم ابتسامة انتصار وقال:
شايفين؟ أهو بنفسكم! ده دليل إنه كان بيطلع البضاعة من المخزن!
لكن جيمس ما ردش.
رجّع التسجيل لورا، ووقفه عند لحظة دخول دانيال للمخزن.
وبعدين كبّر الصورة، وأشار إلى شيء صغير كان ظاهرًا في زاوية الشاشة:
ركزوا هنا. قبل ما دانيال يدخل المخزن بدقيقتين، مين الشخص اللي دخل قبله وخرج من الباب الجانبي؟
كلنا قربنا من الشاشة.
الشخص كان لابس جاكيت غامق، ووشه مش واضح بسبب زاوية الكاميرا.
لكن لما الشخص لف ناحية الكاميرا للحظة، فرانك شهق وقال:
استنوا… أنا أعرف الجاكيت ده!
جيمس سأله بسرعة:
بتاع مين؟
فرانك بلع ريقه وقال:
ده جاكيت موظف قديم كان شغال هنا، لكنه ساب المحل من حوالي شهرين.
روبرت اتدخل بعصبية:
وده يثبت إيه؟ أي حد ممكن يلبس نفس الجاكيت!
جيمس وقف التسجيل وقال:
صحيح. عشان كده مش هنتهم حد قبل ما نتحقق من هويته.
وبعدين طلب من مسؤول الأمن يتواصل مع الموظف السابق، ويطلب منه الحضور للإدارة.
لكن المفاجأة كانت إن إليزابيث، أول ما سمعت اسم الموظف السابق، حطت إيدها على بقها.
همست:
مش معقول… أنا شفت الراجل ده قبل كده.
بصيت لها وسألتها:
فين يا مدام إليزابيث؟
ردت وهي بتبص للتسجيل:
من حوالي أسبوعين، جه لحد باب بيتي، وقال لي إنه محتاج يسألني عن دانيال، وإن فيه مشكلة ممكن تورطه في حاجة هو معملهاش.
جيمس قرب منها وسألها:
وقال لك إيه بالضبط؟
إليزابيث سكتت لحظة، وبعدها قالت:
قال لي إن دانيال شاف حاجة في المخزن، وإن فيه ناس مش عايزاه يتكلم عنها.
قلبي وقع.
لفيت ناحية ابني وسألته:
دانيال، إنت شفت حاجة في المخزن؟
فضل ساكت شوية، وبعدها هز راسه ببطء:
أيوه يا ماما.
جيمس سأله برفق:
إيه اللي شفته يا دانيال؟ خد وقتك، واحكي لنا اللي فاكره.
دانيال ضغط على إيدي وقال:
في يوم كنت بجهز أكياس الأكل اللي مستر فرانك قال لي عليها. سمعت صوت خبط من ورا الباب اللي جنب المخزن. ولما فتحت الباب، لقيت صناديق كتير متغطية، وفيه راجل بيكتب أرقام على ورق.
روبرت اتحرك في مكانه، لكن جيمس أشار له إنه يستنى.
دانيال كمل:
الراجل شافني، وقال لي أروح أجيب له شريط لاصق من المكتب. ولما رجعت، الصناديق كانت اختفت.
فرانك بص له بدهشة وقال:
إنت ما قلتليش الكلام ده قبل كده!
دانيال رد بحزن:
أنا خفت. الراجل قال لي لو حكيت لحد، ممكن الناس تفتكر إني أنا اللي أخدت الصناديق.
إليزابيث مسكت إيده وقالت:
يا حبيبي، كان لازم حد يحميك من الخوف ده.
لكن دانيال قال جملة خلتنا كلنا نسكت:
أنا ما كنتش خايف على نفسي بس… أنا كنت خايف إن الناس اللي بتحتاج الأكل متلاقيش حاجة تاكلها.
في اللحظة دي، حتى جيمس اضطر يبعد عينيه عن الشاشة للحظة.
لكن قبل ما حد يقدر يرد، رن تليفون مسؤول الأمن.
رد، وفضل يسمع من غير ما يتكلم، وبعدها قرب من جيمس وهمس له بحاجة.
جيمس اتغيرت ملامحه فورًا:
إنت متأكد إن الشخص ده هو نفسه؟
مسؤول الأمن هز راسه.
جيمس قفل المكالمة، وبص لنا وقال:
الموظف السابق وافق ييجي هنا، لكنه طلب حاجة واحدة قبل ما يتكلم.
سألته إليزابيث بقلق:
طلب إيه؟
جيمس بص ناحية روبرت، وبعدين قال:
طلب إننا نضمن له الحماية، لأنه بيقول إنه عنده دليل يثبت مين المسؤول الحقيقي عن اختفاء البضاعة… وإن دانيال اتورط في الموضوع من غير ما يعرف.
روبرت رجع لورا خطوة، وبدأ يكرر:
الكلام ده كذب! كله كذب!
لكن جيمس ما اهتمش باعتراضه.
وبعد حوالي عشر دقايق، سمعنا صوت عربية بتقف قدام المحل.
الباب اتفتح، ودخل الموظف السابق.
كان باين عليه التوتر، وإيده ماسكة ظرفًا كبيرًا.
بص لدانيال، وبعدها بص لروبرت وقال:
أنا جيت عشان أقول الحقيقة، حتى لو ده هيخليني أخسر كل حاجة.
فتح الظرف، وطلع منه ورقة وصورة مطبوعة.
ولما حط الصورة قدام جيمس، اتسعت عيون جيمس، وقال بصوت منخفض:
إحنا لازم نوقف كل حاجة هنا… لأن الصورة دي بتكشف إن اللي حصل أكبر بكتير من مجرد اختفاء بضاعة.
لكن إيه اللي كان ظاهر في الصورة؟ وليه الموظف السابق كان مستعد يخاطر بمستقبله كله عشان يكشف الحقيقة؟
جيمس مسك الصورة بإيديه، وفضل يبص فيها لثواني طويلة من غير ما ينطق بكلمة.
وبعدين رفع عينيه ناحية الموظف السابق وسأله:
إنت متأكد إن الصورة دي اتصورت في المحل؟
الراجل رد بسرعة:
أيوه يا فندم. دي اتصورت في المخزن الخلفي، قبل ما أسيب الشغل بأيام. وأنا احتفظت بيها لأن اللي شفته وقتها خلاني أحس إن فيه حاجة غلط بتحصل.
جيمس حط الصورة على الكاونتر ولفّها ناحيتنا.
كانت الصورة باينة فيها مجموعة صناديق متكومة جنب باب المخزن، وعلى الصناديق ملصقات مكتوب عليها إنها منتجات تالفة وغير صالحة للبيع.
لكن المفاجأة ما كانتش في الصناديق نفسها.
المفاجأة كانت في الورقة اللي ماسكها روبرت في الصورة، واللي مكتوب عليها عدد كبير من المنتجات، وقدام كل صنف كمية مختلفة عن الكمية اللي كانت مسجلة في دفاتر المحل.
فرانك قرب من الصورة، وبص فيها كويس، وبعدها قال بصدمة:
دي مش أرقام التلف اللي سجلناها في المخزن! الأرقام دي أكبر بكتير من الكميات اللي اتشالت فعلًا.
جيمس سأله:
يعني إيه الكلام ده؟
فرانك رد:
يعني فيه فرق بين اللي مكتوب في التقارير واللي حصل على أرض الواقع. لكن لازم نراجع المستندات الأصلية قبل ما نحدد سبب الفرق أو مين المسؤول عنه.
روبرت حاول ياخد الصورة من على الكاونتر، لكن جيمس سبقه وحطها في الملف:
الصورة دي هتتراجع ضمن التحقيق، ومحدش هيلمس أي مستند تاني لحد ما نخلص.
روبرت اتنهد بعصبية وقال:
أنا مش فاهم إنتوا عايزين توصلوا لإيه! كل ده بسبب موظف بيطلع أكل من المخزن، وست عجوزة بتقول إنها كانت محتاجاه؟!
هنا الموظف السابق رفع راسه وقال:
لأ يا مستر روبرت. الموضوع بدأ قبل ما دانيال يساعد مدام إليزابيث بوقت طويل.
كلنا بصينا له.
كمل كلامه:
أنا كنت مسؤول عن ترتيب البضائع في المخزن، وكنت بلاحظ إن بعض الصناديق بتختفي من السجلات قبل ما تخرج فعلًا من المحل. ولما سألت عن السبب، اتقال لي إن دي إجراءات إدارية مش من اختصاصي.
جيمس سأله:
وليه ما بلغتْش الإدارة وقتها؟
الراجل نزل عينيه وقال:
بلغت. لكن لما ما حصلش أي تغيير، بدأت أجمع نسخ من المستندات اللي كنت مسؤول عنها. وبعدها اتطلب مني أوقّع على تقرير فيه أرقام أنا ما راجعتهاش بنفسي. رفضت، وبعدها بأيام اتقال لي إن المحل مش محتاجني.
فرانك اتنهد بحزن:
كان لازم تقول لي يا مارك. لو كنت عرفت، كان ممكن نتحرك بدري.
مارك رد عليه:
أنا كنت خايف أخسر شغلي من غير ما أقدر أثبت أي حاجة. لكن لما عرفت إن دانيال اتهموه بأخذ أشياء، مقدرتش أفضل ساكت.
دانيال كان بيسمع الكلام كله في هدوء، وفجأة سأل مارك:
إنت جيت عشاني يا مستر مارك؟
مارك بص له، وملامحه اتغيرت:
أيوه يا دانيال. لأنك ما تستاهلش اللي حصل لك.
ابني ابتسم ابتسامة صغيرة، لكني لاحظت إنه لسه خايف.
قربت منه وقلت:
خلاص يا حبيبي، الناس بدأت تعرف الحقيقة.
لكنه همس لي:
بس يا ماما، أنا لسه مش عارف إذا كنت هرجع شغلي ولا لأ.
ما قدرتش أجاوبه، لأن القرار ما كانش في إيدي.
جيمس قفل الملف، وقال إنه هيطلب مراجعة رسمية لسجلات المخزن، وهيتم فحص التسجيلات الأصلية والتقارير المالية، وإن أي اتهام لازم يتبني على أدلة واضحة.
وبعدين التفت ناحية روبرت وقال:
لحد ما المراجعة تخلص، مش هينفع تصدر أي قرار ضد دانيال بخصوص الواقعة دي.
روبرت ما ردش.
ولأول مرة، حسيت إن فيه أمل إن ابني يسترد حقه.
لكن إليزابيث كانت لسه واقفة جنب الكاونتر، ماسكة الظرف البني.
قربت من جيمس وقالت:
أنا عندي طلب أخير.
جيمس بص لها باهتمام:
اتفضلي يا مدام إليزابيث.
قالت:
أنا مش عايزة الموضوع ينتهي بمجرد إن دانيال يرجع شغله. أنا عايزة كل شخص اتظلم هنا يعرف إن فيه حد مستعد يقف جنبه، حتى لو كان لوحده.
وبعدين بصت ناحية ابني وقالت:
وعشان كده، أنا عايزة أبدأ مشروعي في أسرع وقت.
جيمس ابتسم وقال:
المشروع محتاج تجهيزات وموافقات، لكن نقدر نبدأ إجراءات التأسيس من دلوقتي.
إليزابيث فتحت الظرف، وطلعت منه ورقة رسمية تانية:
أنا خصصت مبلغًا من مدخراتي لتأسيس مطبخ خيري صغير، يجهز وجبات لكبار السن والعائلات اللي مش قادرة توفر احتياجاتها الأساسية. وعايزة دانيال يكون مسؤولًا عن تنظيم تجهيز الوجبات وتوزيعها، بعد ما نتفق على المهام المناسبة ليه ونتأكد إنه مرتاح فيها.
دانيال بص لها بدهشة:
يعني أنا هبقى مسؤول عن الأكل كله؟
ضحكت إليزابيث وسط دموعها:
هتبقى جزءًا مهمًا من الفريق يا حبيبي، لكن مش هتشتغل لوحدك. هيكون معاك ناس تساعدك، وكل واحد فيكم هيكون له دور واضح.
ابني بدأ يبتسم بجد، لأول مرة من ساعة ما اتصلوا بيا:
أنا هعمل أكياس فيها ساندويتشات وفاكهة، وهكتب على كل كيس اسم الشخص اللي هياخده، عشان محدش ياخد كيس حد تاني بالغلط!
إليزابيث ضحكت وقالت:
بالضبط! وهنخلي كل حاجة منظمة، عشان كل شخص ياخد وجبته باحترام.
كنت ببص لابني ودموعي بتنزل.
طول السنين اللي فاتت، ناس كتير كانت بتبص لمتلازمة داون قبل ما تبص لدانيال نفسه. كانوا بيقرروا هو يقدر يعمل إيه، وإيه اللي مستحيل يعمله، من غير ما يدّوه فرصة يجرب.
لكن ابني كان عنده حاجة ناس كتير نسيتها إنه إنسان عنده كرامة، ومشاعر، وقدرة على إنه يهتم بالآخرين.
وفجأة، جيمس رجع لنا بعد ما اتكلم مع الإدارة في التليفون.
قال لدانيال:
يا دانيال، عندي خبر مهم. الإدارة وافقت إنك تاخد إجازة مدفوعة الأجر لحد ما مراجعة الواقعة تخلص، وهنوفر لك كل المستندات اللي تثبت طبيعة شغلك خلال السنين اللي فاتت.
دانيال سأله بقلق:
يعني أنا مش مستغنى عني؟
جيمس رد بوضوح:
لأ، مفيش قرار بإنهاء خدمتك. وهنراجع الاتهام اللي اتوجه لك، ولو ثبت إنه كان من غير أساس، هنتعامل مع الموضوع حسب الإجراءات الرسمية.
ابني أخيرًا قدر ياخد نفسًا طويلًا.
لكن قبل ما نمشي، مارك قرب من جيمس وقال:
فيه حاجة تانية لازم أبلغ عنها، ومش هينفع أستنى لحد بكرة.
جيمس سأله:
إيه هي؟
مارك طلع موبايله، وفتح رسالة قديمة كان محتفظ بيها:
قبل ما أسيب الشغل، وصلتني رسالة من رقم مجهول، بتطلب مني أرجع كل المستندات اللي احتفظت بيها، وبتحذرني إني لو اتكلمت، هيتقال إني أنا اللي تسببت في اختفاء البضاعة.
جيمس طلب منه يعرض الرسالة، وبدأ يقرأها بتركيز.
بعد لحظات، رفع عينيه وسأله:
إنت تعرف الرقم ده؟
مارك هز راسه:
لأ، لكن فيه تفصيلة غريبة. الرسالة وصلتني بعد ما قدمت استقالتي بيوم واحد، ومكنش يعرف إني محتفظ بالمستندات غير شخصين بس.
جيمس سأله:
مين الشخصين؟
مارك بص ناحية فرانك، وبعدها ناحية روبرت، وقال:
أنا مش هتهم حد من غير دليل. لكن واحد من الاتنين كان عارف إني بدأت أراجع التقارير.
روبرت صرخ:
كفاية اتهامات! إنتوا بتدوروا على أي حجة عشان تحملوني المسؤولية!
جيمس رد بهدوء:
محدش اتهمك رسميًا بحاجة جديدة. إحنا بنجمع المعلومات، وكل شخص هيكون له حق الرد.
وبعدين طلب من مارك يرسل الرسالة للجهة المختصة، عشان تتراجع ضمن باقي الأدلة.
إليزابيث قربت مني وقالت بصوت واطي:
حاسّة إننا لسه ما وصلناش لكل الحقيقة.
بصيت لها وسألتها:
تقصدِي إيه؟
ردت:
أنا مش عايزة أظلم حد، لكن فيه حاجة في الموضوع ده مش مريحاني. لو كان الهدف مجرد إخفاء نقص البضاعة، ليه حد يصر على اتهام دانيال تحديدًا؟ وليه يستغلوا سر مساعدته ليا؟
السؤال فضل يلف في دماغي.
وفجأة افتكرت حاجة.
قبل الواقعة بحوالي أسبوع، دانيال رجع البيت متأخر شوية عن المعتاد، وكان ساكت طول العشا.
ساعتها سألته إذا كان حصلت مشكلة في الشغل، لكنه قال لي إنه كويس.
دلوقتي، بصيت له وسألته:
يا دانيال، هو حد كلمك قبل اليوم ده وقال لك حاجة عن الأكل اللي كنت بتجهزه لتيتة إليزابيث؟
دانيال فكر شوية، وبعدها قال:
أيوه يا ماما. فيه راجل سألني إذا كنت باخد فلوس من تيتة إليزابيث مقابل الأكل. قلت له لأ، وإننا بنجهز الأكياس عشان هي محتاجة مساعدة.
قلبي اتقبض:
والراجل ده كان مين؟
دانيال رفع عينيه ناحية مارك، وقال:
أنا مش فاكر اسمه، بس فاكر إنه كان لابس بطاقة عليها صورته. وأنا شفته قبل كده في مكتب مستر روبرت.
في اللحظة دي، مارك قرب من دانيال وسأله:
يا دانيال، تقدر توصف لي الراجل ده؟
دانيال بدأ يوصفه، ومارك كان بيسمع باهتمام شديد.
ولما دانيال خلص كلامه، مارك سكت ثواني، وبعدها قال:
أنا عرفت مين الشخص اللي بتتكلم عنه… لكن فيه مشكلة.
جيمس سأله بسرعة:
إيه المشكلة؟
مارك بص لنا وقال:
الشخص ده مش موظف عادي، ومش من العاملين في المخزن أصلًا. ده شخص كان بييجي المحل بصفته محاسبًا خارجيًا، وكان مسؤولًا عن مراجعة بعض التقارير المالية.
روبرت شحب وشه من جديد.
لكن جيمس، بدل ما يسأله عن السبب، طلب من مارك يكتب اسم الشخص في ورقة منفصلة، ويقدم أي مستند يثبت دوره في مراجعة الحسابات.
مارك كتب الاسم، وناول الورقة لجيمس.
جيمس قرأها، وبعدها رفع راسه وقال:
هنحتاج نتحقق من دور المحاسب ده، ونشوف إذا كانت له علاقة بالاختلافات اللي ظهرت في السجلات.
وبعدين بص ناحية دانيال وقال له:
إنت عملت الصح لما حكيت اللي فاكره. ومش مطلوب منك تخمّن أي حاجة مش متأكد منها.
دانيال هز راسه، ومسك إيدي بقوة.
خرجنا من المحل بعد يوم طويل، وإليزابيث أصرت توصلنا بعربيتها.
وأنا قاعدة جنب ابني في العربية، سمعت منه سؤالًا خلاني أبتسم رغم كل اللي حصل:
ماما، هو لما المطبخ الخيري يفتح، ينفع أعمل وجبة مخصوص للأطفال اللي مش بيحبوا الخضار؟
ضحكت وقلت له:
ينفع طبعًا، بس بشرط إنك تخلّيهم ياكلوا الخضار برضه!
ضحك هو كمان، وحسيت إن ابني بدأ يستعيد فرحته.
لكن في نفس الليلة، وأنا بساعده يجهز هدومه لليوم التالي، رن تليفوني.
كان رقمًا مجهولًا.
رديت، وسمعت صوت راجل بيتكلم بهدوء شديد:
مدام مارجريت؟ أنا بتصل بخصوص ابنك دانيال. فيه معلومة مهمة لازم تعرفيها قبل ما توافقي على المشروع اللي عرضته عليه مدام إليزابيث.
قلبي بدأ يدق بسرعة.
سألته:
حضرتك مين؟ وإيه علاقتك بابني؟
سكت لحظة، وبعدها قال:
أنا الشخص اللي راجع حسابات المحل قبل ما دانيال يتهموه بأخذ أشياء. وفيه مستند واحد لو شفتِه، هتفهمي ليه ناس كتير كانت عايزة تسكت ابنك من البداية.
وقبل ما أقدر أسأله أي سؤال تاني، قال جملة واحدة:
بكرة الساعة عشرة الصبح، هبعت لك نسخة من المستند… لكن أوعي تواجهي أي حد قبل ما تقريه بنفسك.
وبعدين قفل الخط.
فضلت واقفة مكاني، والتليفون في إيدي، ومش عارفة أصدق اللي سمعته.
يا ترى إيه المستند اللي ممكن يغيّر فهمنا لكل اللي حصل مع دانيال؟ وليه المحاسب اختار يتواصل معايا في السر بدل ما يروح مباشرة للإدارة؟
طول الليل وأنا مش عارفة أنام.
كل ما أغمض عيني، أفتكر صوت الراجل اللي اتصل بيا، وكلامه عن المستند اللي ممكن يغيّر كل حاجة.
كنت خايفة أقول لدانيال وأزوده قلق، خصوصًا إنه أخيرًا نام وهو مطمئن إنه مش هيتطرد من شغله.
لكن في نفس الوقت، مكنتش قادرة أتجاهل المكالمة.
الساعة عشرة الصبح بالضبط، موبايلي وصلته رسالة من رقم مجهول.
كان معاها ملف PDF، ورسالة قصيرة مكتوب فيها:
اقري الصفحة التالتة الأول، وبعدها شوفي باقي المستندات. هتفهمي ليه اتهام ابنك بأخذ أشياء ما كانش مجرد سوء تفاهم.
إيدي كانت بتترعش وأنا بفتح الملف.
الصفحة الأولى كانت عبارة عن كشف حساب للمحل، والتانية فيها أرقام البضائع اللي خرجت من المخزن خلال آخر 3 شهور.
لكن لما وصلت للصفحة التالتة، حسيت إن نفسي اتسحب مني!
كان فيه تقرير داخلي مكتوب فيه إن دانيال استلم كميات من البضائع في أيام معينة، وإنه المسؤول عن خروجها من المخزن.
وتحت التقرير كان فيه توقيع منسوب لدانيال.
المشكلة إن التواريخ المكتوبة كانت أيام إجازته، والتوقيع نفسه مختلف تمامًا عن توقيعه الحقيقي الموجود في عقد عمله!
فضلت أبص للتوقيع وأنا مش مصدقة.
وبعدين فتحت الصفحة الرابعة.
لقيت جدولًا فيه أسماء الموظفين، وأرقام البضائع، وملاحظات عن مراجعة الحسابات.
وفي آخر الجدول، كانت فيه ملاحظة مكتوبة بخط صغير:
يجب مراجعة جميع التقارير التي تم إدخال اسم دانيال فيها قبل إغلاق الحسابات النهائية.
حسيت إن الموضوع أكبر بكتير من اللي تخيلته.
لكن قبل ما أكمل، سمعت صوت دانيال بيناديني من الأوضة:
ماما، إنتِ بتعملي إيه؟
قفلت الملف بسرعة، لكنه لاحظ إني متوترة.
قرب مني وسألني:
هو فيه حاجة حصلت تاني في الشغل؟
بصيت له، وقررت إني مش هكدب عليه.
قلت له:
وصلني مستند من شخص بيقول إنه راجع حسابات المحل. فيه تقارير مكتوب فيها إنك استلمت بضاعة في أيام كنت فيها إجازة.
دانيال فتح عينيه بدهشة:
بس أنا مكنتش بروح الشغل في الأيام دي يا ماما! إنتِ فاكرة لما كنت باخدك للدكتور، وكنت بقول لمستر فرانك إني مش هاجي؟
هزيت راسي:
فاكرة يا حبيبي.
قال بحزن:
طب ليه حد يكتب اسمي في حاجة أنا معملتهاش؟ أنا حتى مش بعرف أكتب اسمي بالطريقة اللي مكتوبة في الورقة دي.
الجملة دي خلتني أفكر في حاجة مهمة.
لو حد زوّر توقيع ابني، فالموضوع مش مجرد اتهام غلط، ولا مجرد اختلاف في الحسابات.
كان فيه حد استخدم اسمه من غير إذنه.
قلت له:
متقلقش يا دانيال. هنخلي الإدارة تراجع المستندات، ومش هنسمح لحد يحمّلك مسؤولية حاجة مش بتاعتك.
وبعدين اتصلت بإليزابيث وحكيت لها اللي حصل.
سمعتني للآخر، وبعدها قالت:
أنا كنت خايفة إن الموضوع يكون أكبر من مجرد سوء تفاهم. لازم نبلغ جيمس، ونسلمه المستندات زي ما وصلتنا، من غير ما نغيّر فيها أي حاجة.
وافقت على كلامها.
وبعد أقل من ساعة، كنا في مكتب جيمس، ومعانا نسخة من الملف.
جيمس راجع المستندات بعناية، وطلب من الإدارة المختصة التحقق من مصدرها ومقارنتها بالسجلات الأصلية.
وبعد ما خلص، بص لي وقال:
مدام مارجريت، فيه حاجة لازم أوضحها. المستندات دي بتثير أسئلة مهمة، لكنها لوحدها مش كفاية عشان نحدد مين المسؤول. لازم نعرف مين أدخل البيانات دي، ومين كان عنده صلاحية تعديل التقارير.
سألته بقلق:
يعني ممكن حد يكون استخدم اسم ابني عشان يخفي أخطاء الحسابات؟
رد بهدوء:
ده احتمال لازم نتحقق منه. وعشان كده، هنراجع سجلات الدخول الإلكترونية، ونشوف مين عدّل التقارير وإمتى.
في اللحظة دي، باب المكتب خبط، ودخل موظف من قسم الحسابات، ومعاه جهاز كمبيوتر محمول.
قال لجيمس:
راجعنا سجل التعديلات المبدئي، ولقينا إن بعض التقارير اتعدلت بعد تسجيل ساعات عمل دانيال في النظام.
جيمس سأله بسرعة:
والتعديلات دي اتعملت من حساب مين؟
الموظف فتح الجهاز، وبدأ يعرض البيانات.
بعد لحظات، سكت فجأة.
جيمس قرب من الشاشة، وبص للأرقام، وبعدها طلب منه يعيد العرض.
أنا كنت واقفة مش فاهمة حاجة، لكن من تعبير وشه عرفت إن فيه حاجة مهمة ظهرت.
جيمس التفت للموظف وسأله:
هل أنت متأكد إن سجل الدخول ده أصلي، وإننا نقدر نتحقق منه من النظام الرئيسي؟
الموظف رد:
أيوه، لكن لسه محتاجين نراجع صلاحيات الحساب، ونتأكد إذا كان صاحبه هو اللي استخدمه بنفسه.
جيمس هز راسه، وطلب منه يحتفظ بنسخة من السجلات عشان تتراجع رسميًا.
وبعدين بص لإليزابيث وقال:
إحنا بدأنا نفهم إزاي اسم دانيال ظهر في التقارير، لكن لسه محتاجين




