روايات وقصص

اتجوزت ست عندها ٦٠ سنة

، وسمعتها بتقول لازم أقولك الحقيقة، وساعتها اكتشفت إن حياتي كلها كانت مبنية على سر!

مش بسبب فساتينها، ولا بيتها، ولا ثروتها.

أنا حبيتها عشان الطريقة اللي كانت بتسمعني بيها، كأن فعلًا فيه حد مهتم بيا وبمشاعري.

لما اعترفت لأهلي بحبي ليها، كانوا تقريبًا هيطردوني من البيت.

الست دي عاملالك عمل! قالت عمتي.

إنت عايز أم مش زوجة! قالت بنت عمتي بعصبية.

هتستغلك وبعدين ترميك، قال أبويا وهو موجوع.

لكن أنا تمسكت بموقفي. حاربت عشانها. ودافعت عنها قدام الكل.

ورغم إن أهل البلد كلهم كانوا بيقولوا عليّا طماع، أو مجنون، أو شخص معتمد عليها، رفضت أستسلم.

الفرح اتعمل في مزرعة قديمة، منورة بالشموع، ومليانة تنسيقات ورد أبيض، وموسيقيين بيعزفوا كأنهم في احتفال لناس أصحاب نفوذ كبير.

كان فيه رجالة كتير أوي لابسين أسود، وسماعات في ودانهم، وحراسة أكتر من اللازم بالنسبة لفرح بسيط.

أنا لاحظت ده، أيوه.

لكن كنت غرقان في مشاعري لدرجة إني فضلت أتجاهل أي أسئلة ممكن تيجي في دماغي.

في وقت متأخر من الليل، لما أخيرًا بقينا لوحدنا في أوضة كبيرة جدًا، سيليا قفلت الباب بإيديها اللي كانت بتترعش.

وبعدها حطت ظرف تقيل ومجموعة مفاتيح على الترابيزة.

دي هدية جوازك، قالت. مليون بيزو، وشاحنة.

ابتسمت بتوتر، ورجعتلها الظرف.

أنا مش محتاج أي حاجة من دي. وجودك جنبي كفاية.

بصتلي بطريقة غريبة.

نظرة حزينة، كأنها على وشك يغمى عليها.

يا ابني، أقصد يا إفرين، قبل ما الموضوع يكبر أكتر، لازم أقولك حاجة.

قشعريرة سرت في جسمي كله.

سيليا شالت الشال اللي على كتافها ببطء.

وأول ما عيني وقعت على كتفها الشمال، اتجمدت مكاني.

كان فيه وحمة غامقة، مدورة، وحوافها مش منتظمة.

نفس الوحمة.

في نفس المكان بالظبط.

نفس العلامة اللي أمي كانت دايمًا عندها فوق عظمة الترقوة.

رفعت إيدي وأنا برتعش.

العلامة دي إنتِ عندك ليه؟

سيليا غمضت عينيها ورجعت خطوة لورا.

جو الأوضة بقى تقيل بشكل غريب. المكان اللي كان من شوية باين زي جناح فندقي فاخر، بدأ يتحول في إحساسي لسجن.

عشان مبقاش ينفع أفضل ساكتة أكتر من كده همست.

ولما فتحت بقها عشان تقول الحقيقة، فهمت إني مش مستعد أبدًا للي على وشك يحصل.

سيليا فضلت واقفة قدامي، وعينيها مليانة دموع، وإيديها بتترعش وهي بتحاول تجمع شجاعتها عشان تتكلم.

قالت بصوت واطي: العلامة دي مش مجرد وحمة يا إفرين… دي العلامة اللي هتخليني أعرف إنك ابني حتى لو عدى عمري كله من غير ما أشوفك.

حسيت إن الأرض بتتحرك من تحتي.

ابنك إيه؟ إنتِ بتقولي إيه؟ أنا أمي غابت من 25 سنة، وأبويا هو اللي رباني!

سيليا هزت راسها بحزن: أنا عارفة إنك اتربيت على الحكاية دي، وعارفة إنك طول عمرك فاكر إن أمك غابت بعد ولادتك بشهرين… لكن الحقيقة مختلفة تمامًا.

رجعت لورا لحد ما ضهري خبط في باب الدولاب.

إنتِ تعرفي أمي منين؟

مدت إيدها ناحية الظرف اللي كانت حطاه على الترابيزة، وفتحته وطلعت منه صورة قديمة جدًا.

كانت صورة لست شابة شايلة طفل رضيع، وواقفة جنب راجل لابس بدلة رسمية.

قربت الصورة من عيني.

الست اللي في الصورة كانت سيليا!

لكن اللي خلاني أفقد القدرة على الكلام إن الطفل اللي في حضنها كان لابس إسورة صغيرة مكتوب عليها اسمي.

إفرين.

قلت بصوت متقطع: الصورة دي إيه؟ وإنتِ ليه مخبياها كل السنين دي؟

سيليا قعدت على الكرسي، وبدأت تحكي.

من 29 سنة، كنت متجوزة راجل اسمه أليخاندرو. كنا عايشين حياة بسيطة، وكان عندنا طفل واحد. لكن جوزي كان شغال في شركة كبيرة، واكتشف إن فيه ناس بتتلاعب في أموال الشركة وبتزوّر أوراق ملكية الأراضي.

سكتت لحظة، وبعدين كملت: في يوم اختفى جوزي، وبعدها بأسبوع اختفى ابني من المستشفى. قالولي إنه غاب، ووروني شهادة غياب… لكني عمري ما صدقتهم.

حسيت إن نفسي بيضيق.

وإيه علاقتي أنا بكل ده؟

بصتلي وقالت: لأن الراجل اللي أخدك من المستشفى واداك لأبوك اللي رباك… كان واحد من الأشخاص اللي كانوا شغالين مع جوزي.

وقفت فجأة.

أبويا؟ مستحيل! أبويا عمره ما عمل كده!

سيليا فتحت درج صغير في الكومود، وطلعت منه ورقة قديمة عليها ختم مستشفى.

مش أبوك اللي رباك هو اللي أخدك يا إفرين… هو نفسه كان بيدور عليك.

مدتلي الورقة.

كان عليها اسم أمي الحقيقية، وتاريخ ميلادي، ورقم ملف المستشفى.

لكن فيه حاجة تانية شدت انتباهي.

اسم الشخص اللي وقّع على تسليم الطفل.

كان نفس اسم الراجل اللي شفته في فرحنا.

الراجل اللي كان واقف طول الوقت جنب باب القاعة، واللي كل الحراس كانوا بيحترموه بشكل غريب.

رفعت عيني لسيليا.

هو مين الراجل ده؟

قبل ما ترد، سمعنا ثلاث خبطات قوية على الباب.

وبعدها جه صوت راجل من الخارج: مدام سيليا، لازم نمشي حالًا… هما وصلوا!

سيليا وشها اتغير تمامًا.

قامت بسرعة، وخدت الصورة من إيدي، وقالت جملة خلت دمي يتجمد: إفرين، اسمعني كويس… إحنا مش في أمان، والراجل اللي بره ده مش جاي ينقذنا… ده آخر شخص كان لازم يعرف إنك عرفت الحقيقة!

وبصت ناحية باب الأوضة، وهمست: والأخطر من كده إنه يعرف إن أبوك الحقيقي لسه عايش!

لكن قبل ما أقدر أسألها عن مكانه، سمعت صوت مفتاح بيلف في كالون الباب من الخارج…

المفتاح فضل يلف في الباب، وسيليا كانت واقفة مكانها، عينيها مثبتة على المقبض، ووشها بقى شاحب بشكل مخيف.

همست لها: إنتِ قلتي إن أبويا الحقيقي عايش… يعني الراجل اللي رباني مش أبويا؟

ردت بسرعة: الراجل اللي رباك أبوك فعلًا، حتى لو مش أبوك بالدم. هو اللي حماك، وهو اللي ضحّى بحياته عشان تفضل عايش.

قبل ما أستوعب كلامها، الباب اتفتح.

دخل راجل طويل في أواخر الخمسينات، لابس بدلة سودا، وفي إيده ملف بني قديم.

بص لسيليا وقال بغضب مكتوم: أنا حذرتك إن الليلة دي مش مناسبة للكلام!

سيليا وقفت قدامي وقالت: كفاية يا رامون. إفرين بقى من حقه يعرف هو مين.

الراجل بصلي، وفضل ساكت ثواني، وبعدين قال: يبقى لازم تعرف إن الست اللي واقفة قدامك دي مش بس كانت بتدور عليك… دي كانت عارفة مكانك من أكتر من عشرين سنة.

حسيت إن رأسي هتنفجر.

بصيت لسيليا.

يعني إيه؟ إنتِ كنتِ عارفة أنا فين وسايباني طول السنين دي؟

دموعها نزلت، لكنها ما حاولتش تدافع عن نفسها.

أيوه… عرفت مكانك، لكن ماقدرتش أقرب منك.

ليه؟!

فتحت الملف اللي في إيدها وطلعت صورة تانية.

كانت صورة لأبويا اللي رباني، واقف قدام بيتنا القديم، وبجانبه سيليا.

والتاريخ المكتوب ورا الصورة كان من 18 سنة!

صرخت: إنتوا كنتوا بتتقابلوا من ورايا؟!

رامون اتدخل وقال: أبوك اللي رباك هو اللي طلب من سيليا تبعد عنك. كان عارف إن مجرد ظهورها في حياتك هيعرّضك لخطر كبير.

خطر إيه؟ أنا كنت طفل!

سيليا قربت من الترابيزة وفتحت درج صغير، وطلعت منه مفتاح نحاسي قديم.

أبوك الحقيقي سابلك حاجة قبل ما يختفي. حاجة ناس كتير مستعدة تعمل أي حاجة عشان توصل لها.

سألتها: وإيه هي الحاجة دي؟

رامون رد بدلها: مستندات تثبت إن مجموعة من كبار رجال الأعمال استولوا على شركة والدك وأراضي عيلته، وغيّروا ملكيتها بالتزوير. ولو المستندات دي ظهرت، ناس كتير هتخسر كل حاجة.

بصيت للمفتاح.

وإيه علاقتي أنا بالمستندات دي؟

سيليا قالت: لأن الشركة اتسجلت باسمك من يوم ولادتك، وإنت الوريث القانوني الوحيد ليها.

ضحكت ضحكة عصبية.

يعني كل اللي حصل ده عشان فلوس وأرض؟

هزت رأسها: مش الفلوس يا إفرين… فيه حاجة أخطر. أبوك اختفى بعد ما اكتشف إن الشخص اللي كان بيساعده في حماية الشركة هو نفسه اللي استولى عليها.

رامون فتح الملف وطلع ورقة مطوية، وحطها قدامي.

ودي آخر رسالة وصلتنا منه قبل اختفائه.

مسكت الورقة، ولقيت مكتوب فيها بخط واضح: لو ابني عرف الحقيقة في يوم من الأيام، ماتخلوش سيليا تقوله مين الشخص اللي ربّاه… لأن الشخص ده هو الوحيد اللي يقدر يوصله ليا.

وقفت مكاني.

الكلام كان واضح، لكن عقلي رفض يصدقه.

أبويا اللي رباني كان يعرف مكان أبويا الحقيقي؟

وفجأة تليفوني رن.

كان اتصال من أختي الكبيرة.

رديت بسرعة: ألو؟ في إيه؟

صوتها كان بيرتعش: إفرين، إنت فين؟ لازم ترجع البيت فورًا!

ليه؟

سكتت لحظات، وبعدها قالت: أبوك رجع يا إفرين… أبوك اللي كلنا فاكرين إنه غاب من 15 سنة!

وقبل ما أقفل معاها، سمعتها بتقول جملة أخيرة: بس فيه مشكلة… هو مش جاي لوحده، ومعاه راجل بيقول إنه أبوك الحقيقي!

بصيت لسيليا.

لقيتها بتقع منها الورقة، وبتتمتم باسم واحد: مستحيل… ده المفروض يكون غاب من زمان!

ولما سألتها مين الراجل اللي سمعنا اسمه، فتحتلي صورة من الملف… واكتشفت إن الراجل ده كان موجود في فرحنا طول الليل، وكان واقف في الصف الأول!

فضلت باصص للصورة وأنا مش قادر أستوعب اللي شايفه.

الراجل اللي فيها كان أصلع من قدام، عنده ندبة طويلة جنب عينه اليمين، ولابس نفس البدلة السودا اللي شفتها في الفرح.

قلت لسيليا: ده مين؟ وإزاي كان موجود وسط ضيوفنا طول الليل؟

سيليا سندت إيدها على الترابيزة وقالت: اسمه فيكتور مونتيرو… وكان شريك أبوك الحقيقي، وأقرب شخص ليه قبل ما تحصل الكارثة.

رامون قاطعها: مش شريك وبس يا سيليا. ده الشخص اللي شهد زور في قضية اختفاء أليخاندرو، وقدم أوراق بتقول إن الشركة اتباعت قبل اختفائه بأيام.

سألت وأنا بحاول أسيطر على أعصابي: طب ليه أختي بتقول إنه جاي مع أبويا؟

سيليا بصتلي بتركيز وقالت: لأن فيكتور مش جاي يطالبك بحقك… هو جاي يمنعك تعرف الحقيقة.

رامون طلع تليفونه واتصل برقم، وبعد ثواني قال: اقفلوا كل البوابات. محدش يخرج من المزرعة من غير ما نعرف.

في اللحظة دي، سمعت صوت رسالة على تليفوني.

كانت أختي باعتالي صورة.

فتحتها، ولقيت أبويا اللي رباني قاعد على كرسي في صالة بيتنا، ووشه متغير جدًا، وقدامه الراجل صاحب الندبة.

وتحت الصورة كانت كاتبة: بابا عايزك ترجع، وبيقول إنه لازم يسلمك حاجة بنفسه.

بصيت لسيليا.

أنا لازم أروح البيت.

حاولت تمنعني بالكلام، مش بالقوة.

لو رحت دلوقتي، ممكن تدخل في مواجهة مش مستعد ليها.

رديت بعصبية: كفاية أسرار! أنا طول عمري عايش وسط ناس كل واحد فيهم عارف جزء من حياتي، إلا أنا!

سيليا سكتت، وبعدها فتحت صندوق صغير كان موجود تحت السرير.

طلعت منه علبة خشب قديمة، وفتحتها بمفتاحها.

جواها كان فيه إسورة طفل، وصورة عائلية، وشريط تسجيل صغير.

ناولتهولي وقالت: دي كانت معاك يوم ما اختفيت من المستشفى. أبوك اللي رباك احتفظ بيها طول السنين، وطلب مني ما أسلمهاش ليك إلا لما تبقى مستعد تعرف كل حاجة.

مسكت الإسورة، ولقيت محفور عليها تاريخ ميلادي، وتحته ثلاث حروف A S.M.

سألتها: الحروف دي معناها إيه؟

ردت: اسم والدك الحقيقي بالكامل… أليخاندرو سانتوس مونتيرو.

اتصدمت.

مونتيرو؟ زي فيكتور مونتيرو؟

هزت رأسها: أيوه، فيكتور من نفس العيلة، لكنه مش أخوه زي ما الناس فاكرة… ده ابن عمه، وكان طول عمره بيحقد عليه.

رامون أخد الشريط وقال: لازم تسمع التسجيل قبل ما نتحرك.

شغلناه على جهاز صغير.

في الأول كان فيه تشويش، وبعدها ظهر صوت راجل واضح، رغم إنه كان مرهق: سيليا… لو إنتِ بتسمعي الرسالة دي، يبقى غالبًا مقدرتش أرجع. عايزك تعرفي إن ابني مش مجرد وريث للشركة. فيه سر في أوراق ميلاده، سر لو اتكشف هيغير كل اللي حصل.

وبعدين سكت ثواني، وكمل: ومتصدقيش أي حد يقولك إن الطفل اللي خرج من المستشفى كان إفرين… لأن الطفل اللي اتسلم لأبوك كان معاه علامة مختلفة.

وقفت التسجيل فجأة.

بصيت لسيليا، وقلبي بيدق بعنف.

يعني إيه طفل مختلف؟ أنا مين بقى؟

سيليا غطت وشها بإيديها، وبعد لحظات قالت: فيه حاجة ماقولتهالكش… إنت مش الطفل الوحيد اللي اتولد في الليلة دي.

رامون بص لها بغضب: سيليا! مش دلوقتي!

لكنها كملت: كان فيه طفل تاني، اتولد في نفس المستشفى، وفي نفس الساعة تقريبًا… والاتنين اتبدلوا في ظروف محدش قدر يفسرها.

قبل ما أقدر أتكلم، تليفوني رن تاني.

المرة دي كان رقم مجهول.

رديت، وسمعت صوت راجل عجوز بيقول بهدوء: إفرين، أنا عارف إنك مع سيليا دلوقتي… وعارف إنها قالتلك إنك ابنها.

سألته: إنت مين؟

رد بجملة خلتني أسيب التليفون من إيدي: أنا الراجل اللي شالك أول مرة بعد ولادتك… وأنا الوحيد اللي يقدر يقولك أنهي واحد من الطفلين كان المفروض يعيش باسم إفرين.

وبعدها قال: بص وراك ناحية الشباك… أنا واقف تحت، ومعايا الشخص اللي سيليا بتدور عليه من 29 سنة!

لفيت ناحية الشباك، ولما شفت الراجل الواقف في ضلمة الحديقة، اكتشفت إن ملامحه مطابقة تمامًا لملامحي… حتى العلامة الصغيرة اللي فوق حاجبه الشمال كانت موجودة عنده!

فضلت واقف قدام الشباك، مش قادر أتحرك. الراجل اللي تحت كان شبه صورتي بالظبط، كأني ببص على نفسي بعد ما عديت خمسين سنة من عمري.

صرخت: سيليا! تعالي شوفي!

أول ما بصت من الشباك، وشها اتقلب، وحطت إيدها على بقها.

أليخاندرو…!

رامون جري ناحية الباب، لكن سيليا وقفته.

استنى! محدش يخرج قبل ما نفهم هو جاي ليه.

الراجل اللي تحت رفع راسه وبص ناحيتي، وبعدها أشار بإيده إنه عايز يتكلم معايا.

قلت لسيليا: أنا نازل أقابله. كفاية إن كل واحد فيكم بيقرر بدالي أنا أعيش إزاي!

نزلت السلم بسرعة، ولما وصلت للحديقة لقيت الراجل واقف جنب عربية قديمة، وماسك ظرف أبيض.

أول ما شافني قال: كبرت يا إفرين… أكتر بكتير مما كنت أتخيل.

سألته: إنت مين؟

رد بصوت مبحوح: أنا أليخاندرو سانتوس… أبوك.

حسيت إن رجلي مش شايلاني.

طب ليه اختفيت؟ وليه سيبتني أعيش عمري كله فاكر إنك غائب؟

نزل عينه للأرض وقال: لأن اختفائي كان الطريقة الوحيدة لحمايتك. لكن فيه حاجة لازم تعرفها قبل ما تحكم عليّا.

طلع من جيبه صورة قديمة، وناولها لي.

كانت صورة لسيليا وهي شايلة طفلين رضيعين، واحد على كل ذراع.

قلت بصدمة: مين الطفل التاني؟

قال: أخوك التوأم.

اتسعت عيني.

أخويا؟! أنا عندي أخ توأم؟!

هز راسه: أيوه. اتولدتوا في نفس الليلة، لكن بعد ساعات قليلة اختفيتوا من المستشفى. وبعد فترة طويلة قدرت أوصل لواحد منكم، لكن التاني اختفى تمامًا.

في اللحظة دي، سمعت صوت سيليا من ورايا: إنت بتكدب يا أليخاندرو!

لفيت ناحيتها.

كانت واقفة على أول درجات السلم، وفي إيدها ورقة قديمة.

قالت وهي بتبصله: إنت قلتلي إن الطفلين غابوا! وإنت اللي سلمتني شهادة الغياب!

أليخاندرو رد بهدوء: كنت بحاول أحميكي من فيكتور.

سيليا رفعت الورقة وقالت: طب تفسرلي إزاي إن توقيعك موجود على ورقة تسليم طفل واحد بس، بينما سجل المستشفى بيأكد إننا خرجنا بطفلين؟

أليخاندرو سكت.

رامون وصل عندنا، ولما شاف الورقة قال: يبقى الشك اللي عندي من سنين كان صح.

سألته: شك إيه؟

رد: إن فيه شخص تالت كان موجود في المستشفى الليلة دي، وشاف عملية تبديل الأطفال بعينه.

أليخاندرو فتح باب العربية، وطلع منها ملف كبير.

الشخص ده هو الدكتور مارتينيز. عايش لحد النهارده، وعنده نسخة من السجل الأصلي للولادة.

مد إيده وناولني عنوان مكتوب على ورقة.

لكن قبل ما أخدها، ظهرت عربية سودا عند مدخل المزرعة.

نزل منها فيكتور مونتيرو، ومعاه اتنين من رجاله.

بص لأليخاندرو وقال بابتسامة باردة: كنت عارف إنك هترجع في يوم من الأيام… بس ماكنتش متوقع إنك هتختار ليلة فرح ابنك عشان تعمل فيها تجمع عائلي!

أليخاندرو وقف قدامي وقال: إفرين، مهما سمعت الليلة دي، ماتمضيش على أي ورقة من فيكتور.

فيكتور ضحك، وطلع من جيبه مستندات.

بالعكس يا إفرين، أنا جاي أديك حقك. كل اللي محتاجه توقيعك، وهتبقى أغنى راجل في البلد.

بصيت للأوراق، ولاحظت إن أول صفحة عليها اسمي وتاريخ ميلادي.

لكن الصفحة التانية كان مكتوب فيها اسم شخص تاني.

اسم أخويا التوأم.

رفعت عيني وقلت: إنت تعرف أخويا فين؟

فيكتور ابتسم وقال: مش بس أعرفه… ده موجود هنا من أول الفرح، وكان مستني اللحظة اللي تشوفه فيها.

وفجأة سمعت صوت خطوات جاية من خلفنا.

لفيت، وشفت شاب واقف عند باب المزرعة، شبهّي لدرجة إن قلبي وقف للحظة.

لكن الصدمة الحقيقية كانت لما مد إيده ناحية سيليا وقال: ماما… أنا رجعت، وجبتلك الحقيقة اللي خبيتوها عنك طول السنين دي.

سيليا بصتله، وبعدها بصتلي، وقالت بصوت متقطع: يا نهار أبيض… إنتوا الاتنين مش المفروض تكونوا عايشين بنفس الاسم!

وفي اللحظة دي، أخويا طلع ورقة من جيبه وقال إن واحد فينا مش هو الابن البيولوجي لسيليا وأليخاندرو… وإن الدليل موجود في ملف المستشفى الأصلي!

فضلت باصص لأخويا، وبعدين للورقة اللي في إيده.

قلتله بعصبية: إنت بتقول إيه؟ يعني واحد فينا مش ابن سيليا وأليخاندرو؟

رد وهو بيحاول يسيطر على صوته: مش بالضرورة. الحقيقة إن فيه طفل تالت اتولد في نفس الليلة، واتسجل في المستشفى باسم عيلة تانية. والطفل ده كان جزء من الخطة اللي فيكتور نفذها.

فيكتور ضحك وقال: واضح إنك بتحب تعمل فيها بطل يا دانيال، بس نسيت تقول لأخوك أهم حاجة!

أخويا، اللي عرفت إن اسمه دانيال، بصله بغضب: إنت السبب في إننا عشنا 29 سنة من غير ما نعرف بعض!

فيكتور قرب خطوة وقال: أنا السبب إن كل واحد فيكم عاش حياة مختلفة. واحد اتربى في عيلة بسيطة، والتاني عاش في حماية ناس عمرها ما قالتله الحقيقة.

بصيت لدانيال وسألته: إنت كنت فين كل السنين دي؟

طلع صورة من جيبه.

اتربيت في بيت عيلة اسمها رودريجيز. كانوا فاكرين إني ابنهم، ولما غابت أمي بالتربية، سابتلي خطاب قالت فيه إن فيه سر كبير متعلق بولادتي.

مدلي الخطاب.

كان مكتوب فيه: يا دانيال، إنت مش ابني بالدم، لكن عمرك ما كنت غريب عني. يوم ما اتولدت، اتسلمتلي من شخص طلب مني أحافظ عليك مهما حصل. ولو في يوم قابلت أخوك، دوروا على الدكتور مارتينيز، لأنه الوحيد اللي يعرف ليه اتبدلتوا.

سيليا بدأت تبكي وهي بتقول: أنا فقدت طفلين في ليلة واحدة… وفضلت طول عمري أدور عليهم، ومكنتش أعرف إنكم عايشين!

أليخاندرو قرب منها وقال: أنا كنت عارف إن واحد منهم عايش، لكن ماكنتش عارف مكان التاني. وفيكتور كان بيستخدم اختفاء الأطفال عشان يسيطر على الشركة.

رامون فجأة فتح الملف اللي كان معاه، وطلع صورة للدكتور مارتينيز.

عندنا عنوانه. لازم نروحله قبل ما فيكتور يقدر يوصل له.

فيكتور اتغيرت ملامحه، وقال بصوت حاد: محدش هيروح لأي مكان!

لكن أليخاندرو رد: انتهى زمن إنك تتحكم في عيلتي.

في اللحظة دي، دانيال مسك إيدي وقال: قبل ما نمشي، لازم أقولك حاجة عن أبوك اللي رباك.

بصيتله باستغراب.

ماله؟

قال: الراجل ده مش مجرد شخص أخدك يربيك. هو كان عارف إنك مش ابنه من أول يوم، ومع ذلك رفض يسيبك لأي حد.

حسيت بقلبي بيتقبض.

يعني كان بيكدب عليّا طول عمري؟

دانيال هز راسه: لأ. هو كان بيحميك. وعندي دليل على ده.

طلع من جيبه مفتاح صغير عليه رقم 317.

ده مفتاح خزنة في البنك. أبوك اللي رباك ساب فيها جواب ليك، وطلب مني أوصلهولك لو قابلتك في يوم.

اتجمدت مكاني.

إنت قابلته قبل كده؟

أيوه… من شهرين، قبل ما يدخل المستشفى. هو اللي طلب مني أدور عليك وأوصل لك الحقيقة.

سيليا سألت بلهفة: هو فين دلوقتي؟

دانيال نزل عينه وقال: في المستشفى. حالته صعبة، لكنه لسه عايش.

مافكرتش لحظة.

قلت: أنا رايحله دلوقتي.

لكن فيكتور وقف قدامنا وطلع ورقة تانية.

قبل ما تتحرك يا إفرين، بص على دي. دي نتيجة تحليل اتعمل من أسبوع، وهتغير كل اللي إنت مصدقه.

خدت الورقة من إيده.

كانت نتيجة تحليل قرابة وراثية بيني وبين سيليا.

قرأت النتيجة مرة، واتنين، وتلاتة.

وبعدين رفعت عيني وأنا مش قادر أتكلم.

النتيجة بتقول إن سيليا مش أمي البيولوجية!

سيليا صرخت: ده مستحيل!

لكن دانيال بص للورقة بهدوء وقال: الورقة دي حقيقية… بس فيكتور مخبي الصفحة التانية.

طلع من جيبه ظرف صغير، وفتح منه نتيجة تحليل تانية.

وفي اللحظة دي قال: إفرين، إنت فعلًا ابن أليخاندرو… لكن أمك البيولوجية مش الست اللي إنت فاكرها، ولا سيليا.

أليخاندرو رجع خطوة لورا، ووشه اتغير.

دانيال… إنت جبت الورقة دي منين؟

دانيال رد: من الدكتور مارتينيز نفسه.

وبعدين بصلي وقال: أمك الحقيقية عايشة، واسمها موجود في شهادة ميلادك الأصلية… والأغرب إنها كانت واحدة من ضيوف فرحك الليلة دي!

وقبل ما أسأله عن اسمها، سيليا بصت ناحية مدخل المزرعة، وشاورت على ست كبيرة كانت واقفة بعيد، وقالت بصوت مخنوق: يا إفرين… دي الست اللي طلبت مني أسلمك للتبني من 29 سنة!

فضلت باصص للست اللي واقفة عند مدخل المزرعة، مش قادر أستوعب إن واحدة من ضيوف فرحي ممكن تكون أمي الحقيقية.

كانت لابسة فستان كحلي بسيط، وشعرها أبيض، وفي إيدها شنطة جلد قديمة.

مشيت ناحيتها ببطء، وكل خطوة كنت بحس إنها بتقربني من إجابة، وبتبعدني عن كل حاجة كنت فاكر إني عارفها.

وقفت قدامها وسألتها: حضرتك تعرفيني؟

عينيها اتمَلَت بالدموع.

أعرفك من قبل ما تعرف نفسك يا إفرين.

إنتِ مين؟

فتحت شنطتها وطلعت صورة قديمة لطفل رضيع، وعلى إيده نفس الإسورة اللي كانت معايا في صندوق سيليا.

قالت: أنا إيزابيلا… أمك.

رجعت خطوة لورا.

طب ليه سيبتيني؟ وليه عشت 29 سنة من غير ما أعرفك؟

إيزابيلا مسحت دموعها وقالت: أنا ما سبتكش بإرادتي. أنا كنت ممرضة في المستشفى اللي اتولدت فيه، وفي الليلة دي حصلت كارثة. كان فيه حريق في قسم الأطفال، والناس اتلخبطت، وفي وسط الفوضى اختفى طفلي.

سألتها: ومال سيليا وأليخاندرو بالموضوع؟

ردت وهي بتبص لسيليا: سيليا كانت والدة طفلين، لكن واحد منهم اتسجل باسم عيلتي بالخطأ، وبعدها اتعملت خطة لتغيير السجلات وإخفاء الحقيقة. أنا كنت فاكرة إن طفلي غاب، لحد ما وصلتني رسالة من الدكتور مارتينيز من شهر واحد.

فيكتور ضحك بسخرية: كفاية تمثيل! إيزابيلا كانت عارفة كل حاجة، وهي اللي وافقت على تبديل الأطفال!

إيزابيلا بصتله بغضب: إنت آخر واحد يتكلم عن الحقيقة يا فيكتور. أنا عندي مستندات تثبت إنك دفعت فلوس لمسؤولين في المستشفى عشان تغيّر سجلات الولادة.

رامون قرب منها وسألها: معاكي المستندات؟

هزت رأسها، وطلعت ظرف مختوم.

دي نسخ من السجلات الأصلية، ومعاها أسماء الأشخاص اللي شاركوا في تزويرها.

فيكتور حاول ياخد الظرف، لكن أليخاندرو وقف قدامه وقال: مش هتلمس حاجة تخص عيلتي تاني.

لأول مرة شفت فيكتور يفقد هدوءه.

صرخ: إنتوا فاكرين إن الورق ده هيغير حاجة؟ الشركة خلاص بقت ملكي!

دانيال رد بثبات: الشركة مش ملكك، والأوراق الأصلية بتثبت إن كل التنازلات اللي قدمتها مزورة.

وبعدين طلع ورقة من الملف وقال: وده مش كل شيء. فيه تسجيل صوتي ليك وإنت بتعترف إنك غيّرت سجلات المستشفى.

فيكتور سكت تمامًا.

بعد دقائق، وصل رجال الجهات المختصة اللي كان رامون اتصل بيهم، واتاخد فيكتور للتحقيق، ومعاه الملفات اللي قدمتها إيزابيلا.

لكن وسط كل الفوضى دي، أنا كنت بفكر في شخص واحد بس.

أبويا اللي رباني.

استأذنت من الجميع وروحت المستشفى مع دانيال.

دخلت غرفته، ولقيته نايم، ووشه شاحب، وأجهزة المتابعة حواليه.

أول ما سمع صوتي فتح عينيه.

بصلي وابتسم ابتسامة ضعيفة: إفرين… أخيرًا عرفت.

قعدت جنبه ومسكت إيده.

ليه ماقولتليش يا بابا؟ ليه سيبتني أصدق إنك أبويا من غير ما أعرف الحقيقة؟

دمعت عينه وقال: لأنك كنت ابني فعلًا. أنا ماكنتش محتاج دم يجمعنا عشان أحبك. يوم ما شوفتك رضيع في المستشفى، وعدت نفسي إني عمري ما هسيبك.

سألته: إنت كنت عارف إن سيليا بتدور عليّا؟

هز راسه: كنت عارف، وكنت بتواصل معاها. لكن كان فيه اتفاق بيني وبينها إننا نستنى لحد ما الخطر يختفي.

وبعدين أشار ناحية درج الكومود: هات الظرف اللي جواه… ده أهم من كل الأوراق اللي شفتها النهارده.

فتحت الدرج وطلعت ظرف عليه اسمي.

كان مكتوب عليه: إلى ابني إفرين… اقرأ الرسالة دي لما تعرف الحقيقة كاملة.

فتحت الظرف، وبدأت أقرأ: يا ابني، فيه سر أخير لازم تعرفه. أنا وافقت على تربيتك، لكن فيه سبب تاني خلاني أتمسك بيك. يوم ما استلمتك من المستشفى، كان معاك خطاب صغير متخيط في بطانة هدومك، ولما فتحته اكتشفت إنك مش مجرد طفل اتبدلت أوراقه… إنت كنت المفتاح الوحيد للوصول إلى الحقيقة اللي اختفت بسببها عيلة كاملة.

قلبت الورقة، ولقيت صورة صغيرة مرفقة بيها.

كانت صورة لسيليا وهي أصغر بكتير، واقفة جنب بنت صغيرة.

وعلى ظهر الصورة مكتوب: ابحث عن لورا… فهي صاحبة السر الأخير.

رفعت عيني لأبويا وسألته: مين لورا؟

قبل ما يرد، دخلت سيليا الغرفة ومعاها دانيال.

أول ما شافت الصورة، وقفت مكانها.

قالت بصوت مرتعش: إنت لقيت الصورة دي فين؟

قلت: كانت في خطاب بابا.

قعدت سيليا ببطء، وبصت للصورة وقالت: لورا مش مجرد واحدة من عيلتنا… دي بنتي اللي اختفت قبل ولادتك بسنتين!

دانيال اتصدم: إنتِ عندك بنت تالتة؟

سيليا أومأت، وبعدها قالت جملة خلتنا كلنا نسكت: وأنا طول عمري كنت فاكرة إنها غابت… لكن من أسبوع وصلني خطاب من شخص بيقول إنه يعرف مكانها، وطلب مني أقابله بعد الفرح مباشرة.

سألتها: مين الشخص ده؟

سيليا فتحت شنطتها وطلعت خطاب تاني.

كان مكتوب فيه: مدام سيليا، لو عايزة تشوفي بنتك لورا، لازم تعرفي إن الشخص اللي كان بيحميها طول السنين دي موجود وسط عيلتك، وإنتِ عمرك ما شكّيتي فيه.

وبصيت ناحية باب الغرفة…

لأن في اللحظة دي، ظهر رامون، وكان ماسك صورة قديمة للورا.

لكن المفاجأة إن الصورة كانت متصورة من يوم فرحنا، وكانت لورا واقفة جنبنا وسط الضيوف!

رامون قفل الباب بهدوء، وبص لسيليا وقال: أنا آسف إني خبيت عليكي كل السنين دي… لكن لورا طلبت مني ماكشفش مكانها غير لما إفرين يعرف حقيقة ميلاده.

وبعدين حط الصورة على الترابيزة، وأشار لشخص واقف في خلفيتها: بصوا كويس… الشخص ده هو اللي كان بيراقب عيلتكم من 29 سنة، وهو الوحيد اللي يعرف ليه لورا اختفت أصلًا!

ولما قربنا الصورة من النور، اكتشفنا إن الشخص ده كان أقرب إنسان لسيليا طوال حياتها…!

رامون فضل واقف قدامنا، والصورة في إيده، ومستني حد فينا يتكلم.

سيليا قربت الصورة من عينيها، وفجأة شهقت: مستحيل… ده مش ممكن!

سألتها: مين يا سيليا؟ مين الراجل ده؟

ردت وهي مش مصدقة نفسها: ده أخويا… إستيبان! أخويا اللي غاب من 20 سنة!

أليخاندرو رفع راسه من على السرير، وبص للصورة بتركيز.

إستيبان ما غابش يا سيليا. أنا كنت شاكك في الموضوع ده من زمان، لكن مكنش عندي دليل.

سيليا بصتله بذهول: إنت كنت تعرف إن أخويا عايش وسايبني أعيش كل السنين دي فاكرة إنه غاب؟

أليخاندرو رد بتعب: أنا عرفت من فترة قصيرة إنه كان بيستخدم اسم مختلف، لكن ماكنتش أعرف إنه له علاقة باختفاء لورا.

رامون اتدخل: إستيبان كان مسؤول عن حماية لورا من يوم اختفائها. وكان بيتنقل بيها من مكان لمكان عشان يبعدها عن فيكتور.

دانيال سأله: طب هي فين دلوقتي؟

رامون طلع ورقة صغيرة وكتب عليها عنوان: في بيت قديم على أطراف المدينة. لكنها مش هتظهر غير لما تتأكد إن فيكتور مبقاش قادر يوصل لها.

سيليا قامت من مكانها بسرعة: أنا مش هستنى دقيقة واحدة. دي بنتي، وعايزة أشوفها.

لكن رامون وقفها وقال: فيه حاجة لازم تعرفيها الأول. لورا مش عارفة إنك أمها الحقيقية.

سيليا حطت إيدها على صدرها: إزاي؟!

لأنها اتربت على حكاية مختلفة تمامًا. إستيبان قالها إن والدتها غابت بعد ولادتها، وإن العيلة اتخلت عنها.

سكت لحظة، وبعدها أضاف: وهي صدقت الحكاية دي طول عمرها.

بعد ساعتين، وصلنا للعنوان اللي كتبه رامون.

كان بيت صغير وسط حديقة واسعة، بعيد عن الزحمة. أول ما خبطنا على الباب، ظهرت ست في أوائل الثلاثينات.

كانت ملامحها قريبة جدًا من سيليا، خصوصًا العينين.

سيليا أول ما شافتها، دموعها نزلت: لورا…

الست اتراجعت خطوة: حضرتك مين؟ وإزاي تعرفي اسمي؟

سيليا طلعت الصورة القديمة ومدتهالها: أنا أمك يا بنتي.

لورا فضلت ساكتة، وبعدين قالت: أمي غابت من زمان.

سيليا ردت بصوت مكسور: أنا عارفة إنك اتقالك كده، لكن الحقيقة إني فضلت أدور عليكي سنين طويلة، وكل يوم كان بيعدي من غير ما أعرف إنتِ فين كان بيكسرني أكتر.

لورا أخدت الصورة، وقعدت تبص فيها.

وبعد لحظات قالت: أنا عندي سؤال واحد… ليه اختفيتوا كل ده؟

سيليا بدأت تحكيلها عن المستشفى، وعن اختفاء الأطفال، وعن الأوراق المزورة، وعن فيكتور.

لورا كانت بتسمع من غير ما تقاطعها.

لكن لما سمعت اسم فيكتور، قامت فجأة وفتحت درج في مكتبتها.

طلعت منه ملف أسود قديم: يبقى لازم تشوفوا ده.

رامون اتوتر: إيه اللي معاكي يا لورا؟

فتحت الملف، وطلعت مجموعة صور ومستندات: عمي إستيبان سابلي الملف ده قبل ما يختفي من حياتي من 3 شهور. وقاللي إني لو قابلت عيلتي الحقيقية في يوم، أسلمهم كل حاجة موجودة فيه.

أليخاندرو مد إيده وأخد أول ورقة.

كانت عقد ملكية الشركة الأصلي.

لكن الورقة اللي بعدها كانت أخطر.

كانت شهادة رسمية بتثبت إن فيكتور استخدم اسم طفل غائب عشان ينقل ملكية جزء كبير من الشركة لنفسه.

دانيال قال: كده نقدر نثبت التزوير بالكامل!

لكن لورا هزت راسها: لسه. فيه مستند أخير، وعمي قاللي إنه أهم من كل اللي في الملف.

طلعت ظرف مختوم بالشمع، وفتحته.

جواه كانت شهادة ميلاد أصلية لطفل اسمه إفرين.

لكن المفاجأة إن خانة الأم كان مكتوب فيها اسم مختلف تمامًا عن اسم سيليا وإيزابيلا.

بصيت للورا وسألتها: يعني إيه؟ أنا مش ابن أي واحدة فيهم؟

لورا ردت: مش بالظبط. فيه تفسير واحد للحكاية دي، لكن لازم نسمع التسجيل اللي عمي سابه مع الشهادة.

شغلت جهاز تسجيل صغير.

ظهر صوت إستيبان: سيليا، لو وصلتي للتسجيل ده، يبقى أخيرًا عرفتي مكان لورا، وعرفتي إن فيكتور مش الشخص الوحيد اللي زوّر الحقيقة. فيه شخص تاني من العيلة ساعده، وكان مسؤول عن تغيير شهادة ميلاد إفرين بنفسه.

وفجأة ظهر صوت تاني في التسجيل.

صوت ست كبيرة بتقول: أنا عملت كده عشان أحمي الطفل… ولو سيليا عرفت الحقيقة، عمرها ما هتسامحني.

سيليا وقفت مكانها، ووشها اتغير.

قالت بصوت مرتعش: أنا أعرف الصوت ده…

سألها أليخاندرو: صوت مين؟

سيليا غمضت عينيها وقالت: صوت أمي… جدة إفرين!

وفي اللحظة دي، لورا طلعت ورقة أخيرة من الملف، وناولتها ليا.

كان مكتوب فيها بخط اليد: إفرين ليس الوريث الوحيد، والحقيقة أن العائلة أخفت طفلًا آخر عن الجميع، طفلًا يحمل الاسم الأصلي الذي سُرقت به الشركة.

بصيت لدانيال، وبعدين لسيليا.

وقبل ما حد فينا ينطق، تليفون لورا رن.

كان فيه رسالة من رقم مجهول: مبروك إنكم وصلتوا للحقيقة الأولى… لكن لو عايزين تعرفوا مين الطفل الحقيقي اللي اتبدلت أوراقه، اسألوا إفرين عن اليوم اللي اتربى فيه في بيت أبوكم.

رفعت عيني لأبويا اللي كان لسه خارج من المستشفى ووصل معانا، ولما قرأتله الرسالة، وشه اتغير وقال جملة واحدة: كنت عارف إن اليوم ده هييجي… وعشان كده فضلت مخبي عنك إنك عشت أول 6 شهور من حياتك في بيت غير البيت اللي اتربيت فيه!

وساعتها فهمت إن حكاية المستشفى ماكانتش بداية السر… دي كانت مجرد أول صفحة منه.

فضلت باصص لأبويا اللي رباني، وحسيت إن كل كلمة بيقولها بتفتح باب جديد من الأسرار.

قلتله بصوت عالي: يعني إيه عشت أول 6 شهور في بيت تاني؟! أنا اتربيت في بيتك من يوم ما اتولدت!

أبويا قعد على الكرسي، وطلب مننا نقفل الباب.

وبص لسيليا وقال: أعتقد إن الوقت جه عشان تعرفي إنتِ كمان الحقيقة اللي محدش قالهالك.

سيليا قربت منه وقالت: اتكلم يا خوسيه… أنا مش قادرة أستحمل أسرار تاني.

بدأ يحكي: ليلة ولادة إفرين، الدكتور مارتينيز اتصل بيا وطلب مني أروح المستشفى فورًا. لما وصلت، لقيت سيليا منهارة، وأليخاندرو مختفي، وفيه طفلين اتنقلوا من غرفة الأطفال من غير تسجيل رسمي.

سألته: وكنت أنا فين؟

رد: إنت كنت في بيت سيدة اسمها ماريا. كانت مسؤولة عن رعاية الأطفال اللي مالهمش أهل. قعدت عندها 6 شهور، وأنا كنت بزورها كل يوم تقريبًا.

وليه أخدتني منها؟

لأن ماريا اكتشفت إن فيه ناس بتدور عليك، وخافت إنهم يأذوك. فطلبت مني أربيك بعيد عن كل اللي بيحصل.

دانيال قاطعه: طب وإيه علاقة ده بالطفل التالت؟

أبويا طلع من جيبه صورة قديمة، وناولها لينا.

كانت صورة لثلاثة أطفال رضّع، متحطين جنب بعض على سرير واحد.

وعلى ظهر الصورة مكتوب: الأطفال الثلاثة، ليلة 17 يونيو.

سيليا حطت إيدها على قلبها: تلاتة؟! أنا ولدت طفلين بس!

أبويا هز راسه وقال: دي بالظبط المشكلة. فيه طفل تالت اتسجل باسمك من غير علمك، وكان الهدف إن حد يستخدم اسمه عشان يستولي على ميراث عيلة سانتوس.

أليخاندرو بص للصورة بتركيز شديد، وبعدها قال: أنا فاكر الليلة دي… الدكتور مارتينيز قالي إن فيه طفل اتولد قبل ولادة سيليا بدقايق، لكن محدش عرف أهله.

لورا سألت: والطفل ده فين دلوقتي؟

أبويا رد: عايش، وعنده عيلة، ومش عارف أي حاجة عن الموضوع.

سألته: تعرف اسمه؟

طلع ورقة مطوية من محفظته، وفتحها قدامنا.

كان مكتوب فيها اسم: ماتيو رودريجيز.

دانيال اتغيرت ملامحه فجأة.

ماتيو؟!

بصيتله: إنت تعرفه؟

رد وهو بيحاول يستوعب: ده أعز صاحب ليا من أيام المدرسة… وإحنا عايشين في نفس المدينة!

في اللحظة دي، تليفون رامون رن.

رد، وسمعنا صوته بيتغير تدريجيًا.

إنت متأكد؟… طيب ابعتلي العنوان فورًا.

قفل وبص لنا: ماتيو وصل للمستشفى من نص ساعة، ومعاه شهادة ميلاد قديمة، وبيسأل عن عيلة سانتوس.

سيليا قامت من مكانها: لازم أشوفه.

بعد نص ساعة كنا كلنا في المستشفى.

دخل ماتيو الأوضة، وكان شاب في أوائل الثلاثينات، ملامحه هادية، وفي إيده صندوق خشب صغير.

أول ما شاف أليخاندرو، قال: حضرتك أليخاندرو سانتوس؟

أليخاندرو رد: أيوه، إنت مين؟

ماتيو حط الصندوق على الترابيزة وقال: أنا ماتيو رودريجيز. أمي اللي ربتني غابت من شهر، وقبل غيابها قالتلي إن فيه أوراق لازم أوصلها لأصحابها الحقيقيين.

فتح الصندوق وطلع منه خطاب.

كان مكتوب فيه: إلى عائلة سانتوس… الطفل الذي تبحثون عنه لم يكن إفرين، ولا دانيال. الطفل الثالث كان يحمل اسمًا مختلفًا، وتم تسجيله عمدًا باسم عائلة رودريجيز.

سيليا بدأت تبكي.

ماتيو كمل: أنا مش عارف إذا كنت ابنكم أو لأ، لكن أمي قالتلي إن الشخص اللي سلمني ليها كان اسمه إستيبان.

لورا شهقت: عمي إستيبان؟!

ماتيو أومأ: أيوه، وكان بيزورنا كل سنة في عيد ميلادي، وبيسيبلي هدية من غير ما يقول هو مين.

وبعدين طلع صورة أخيرة من الصندوق.

كانت صورة لإستيبان واقف جنب ست كبيرة، وفي حضنها طفل رضيع.

لكن الست دي ماكنتش غريبة علينا.

كانت جدة سيليا!

سيليا أخدت الصورة بإيد مرتعشة، وقالت: يبقى أمي كانت عارفة كل حاجة من البداية!

أليخاندرو بص لماتيو وقال: لازم نعمل تحليل وراثي، ونتأكد من كل حاجة رسميًا.

ماتيو وافق، لكن قبل ما يخرج، ساب لنا ظرف صغير.

فيه رسالة أخيرة، أمي قالتلي ماافتحهاش غير لما أقابل إفرين بنفسه.

فتحت الظرف، ولقيت جواه ورقة مكتوب فيها: يا إفرين، لو وصلت للرسالة دي، يبقى فيكتور فشل في إخفاء الحقيقة. لكن خليك حذر من ماتيو، لأنه مش الشخص الوحيد اللي اتربى على اسم مش اسمه.

رفعت عيني ناحية ماتيو.

كان واقف عند الباب، ووشه متغير.

سألته: فيه حاجة إنت مخبيها عننا؟

بصلي وسكت لحظات، وبعدها قال: أيوه… وفيه سبب واحد خلاني أجيلك النهارده بدل ما أستنى نتيجة التحليل.

طلع من جيبه صورة جديدة، وحطها قدامي.

كانت صورة لجدة سيليا، وفي إيدها طفل رضيع، ووراها راجل واقف.

الراجل ده كان…

أبويا اللي رباني!

لكن المرة دي، كان أصغر بحوالي 30 سنة، وماسك في إيده شهادة ميلاد عليها اسمي واسم مختلف تمامًا للأم.

بصيتله وقلت: بابا… إنت كنت تعرف الست دي منين؟

أبويا غمض عينيه، وبعد صمت طويل قال: لأن الليلة اللي اتولدت فيها، أنا ماكنتش مجرد الراجل اللي أخدك يربيك… أنا كنت شاهد على اتفاق غيّر مصير أربع عائلات، واتدفعت فلوس عشان أفضل ساكت لحد النهارده!

وقبل ما يكمل اعترافه، دخلت ممرضة الأوضة وقالت إن فيه زائرة مصممة تشوف إفرين، وإنها رفضت تقول اسمها، لكنها قالت جملة واحدة: أنا صاحبة شهادة الميلاد الأصلية، وأنا أم الطفل اللي اتبدلت حياته من 29 سنة.

دخلت الست الأوضة ببطء، وكانت ماسكة شنطة جلد قديمة، وملامحها باين عليها إنها شايلة سر تقيل بقالها سنين.

أول ما سيليا شافتها، قامت من مكانها وقالت بصدمة: أمي؟!

كانت جدة سيليا… مارغريتا.

الست اللي الكل كان فاكر إنها غابت من سنين!

قعدت مارغريتا على الكرسي، وبصت لكل الموجودين وقالت: أنا عارفة إن محدش فيكم هيصدقني بسهولة، لكن خلاص، مفيش وقت للأسرار.

أليخاندرو سألها بغضب: إنتِ ليه شاركتي في تزوير شهادات الميلاد؟ وليه خبيتي الأطفال عن أمهاتهم؟

مارغريتا نزلت عينيها وقالت: فيكتور خدعني. قاللي إن الشركة هتضيع وإن عيلة سانتوس هتخسر كل ممتلكاتها بسبب الديون. أقنعني إن الحل الوحيد هو تغيير بعض الأوراق مؤقتًا، ووعدني إنه هيرجع كل طفل لعيلته بعد ما المشكلة تتحل.

سيليا صرخت: مؤقتًا؟! إنتِ خليتيني أعيش 29 سنة فاكرة إن أولادي غابوا!

مارغريتا بدأت تبكي: عارفة إني غلطت، ومفيش اعتذار هيصلح اللي حصل. لكن فيه حاجة لازم تعرفوها… أنا احتفظت بنسخة من السجلات الأصلية، وكنت مستنية اليوم اللي أقدر فيه أسلمها للجهات المختصة.

طلعت ملف كبير، فيه شهادات الميلاد الأصلية، وتقارير المستشفى، وعقود الشركة القديمة.

دانيال فتح المستندات، وبدأ يقارن الأسماء والتواريخ.

وبعد ساعات من الفحص والتحقق، ظهرت الحقيقة أخيرًا.

إفرين ودانيال كانا توأمين سيليا وأليخاندرو بالفعل، أما ماتيو فكان طفلًا آخر اتورط اسمه في عملية التزوير، لكنه ابن عائلة رودريجيز فعلًا.

أما إيزابيلا، فكانت الممرضة اللي حاولت تكشف التلاعب من البداية، لكنها اتهمت زورًا بالتورط في اختفاء الأطفال.

والأهم إن الأوراق أثبتت إن فيكتور استولى على الشركة بالتزوير، وإن كل التنازلات اللي قدمها كانت باطلة.

تم تسليم الملف للجهات المختصة، وبدأ التحقيق الرسمي، وبعد مراجعة المستندات والتسجيلات، اتكشف دور فيكتور وكل الأشخاص اللي ساعدوه.

لكن بالنسبة لي، كان فيه شخص واحد أهم من كل الورق والثروة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى