
صرخت في كلبي عشان بوّظ الكنبة اللي ورثتها عن أبويا، لكن لما رفعت القماش المقطوع، اكتشفت حاجة كانت مستخبية جنبي من أسابيع، وفهمت ليه لأول مرة في حياته بطل يسمع كلامي!
صرخت في كلبي بصوت عالي لدرجة إنه استخبى تحت الترابيزة.
كان ماسك في بقه حتة من الكنبة بتاعة أبويا.
أنا كل اللي كنت شايفه قدامي هو القماش المقطوع، والحشو اللي مرمي في كل حتة، وآخر قطعة أثاث فاضلة لي من أبويا.
ماكنتش أعرف لسه إيه اللي كان نايم جنبي طول الأسابيع اللي فاتت.
اسمي أندريس مولينا، عندي 38 سنة، وبعيش في بيت صغير على أطراف مدينة بويبلا. شغال في تصليح الأجهزة الكهربائية، ومن ساعة ما أبويا مات، أكتر كائن ملازمني هو كلب بلدي اسمه برونو.
لقيته وهو لسه جرو جنب الورشة اللي كنت شغال فيها وقتها. كانت عنده ودن مطبقة، ورجليه أكبر من جسمه بكتير، وكان عنده صبر غريب عمري ما فهمته.
على مدار ست سنين، عمره ما بوّظ جزمة واحدة.
كنت ممكن أسيب شنطة المشتريات على الأرض، وهو يقعد يبص عليها من غير ما يقرب منها. ولو حاجة وقعت من على الترابيزة، كان يستنى لحد ما أنا أشيلها. ولما أرجع البيت تعبان، كان يسند راسه على ركبتي من غير ما يطلب مني أي حاجة.
وعشان كده، كان المفروض آخد بالي لما بدأ يتصرف بطريقة مختلفة.
كل حاجة بدأت حوالين الكنبة.
كانت كبيرة، قماشها بني، ودراعاتها عريضة، وفيها رجل متصلحة بقطعة خشب لونها أفتح شوية. أبويا كان شاريها وأنا لسه في ابتدائي.
على الكنبة دي كان بيتفرج على ماتشات الكورة، وينام بعد الغدا، ويمثل إنه بيقرأ الجرنال وهو في الحقيقة مستنيني أرجع من أي خروجة.
لما فضّينا بيت أبويا، أختي سألتني إذا كنت فعلًا عايز آخد الكنبة معايا.
دي قديمة أوي يا أندريس.
لسه تنفع.
هي ماجادلتنيش.
إحنا الاتنين كنا عارفين إننا بنتكلم عن حاجة أكبر من مجرد قطعة أثاث.
حطيتها جنب الشباك، في المكان اللي الشمس كانت بتدخله بعد الضهر. وفي ليالي كتير كنت بقعد عليها ومعايا فنجان قهوة، وأشغل التلفزيون من غير ما أركز في اللي بيتعرض عليه.
برونو كان بينام قريب من رجلي.
لحد ما فجأة بطل يعمل كده.
في الأول، بدأ يشم ناحية جنب الكنبة.
كان يدخل مناخيره بين الدراع والقعدة، وياخد نفسه بقوة، وبعدها يرفع راسه.
وبعدين بدأ يحك الكنبة لأول مرة.
لأ يا برونو، إوعى تعمل كده.
كان بيبعد.
لكن تاني يوم يرجع تاني.
المرة دي كان بيئن ويحاول يدخل رجله تحت الكنبة.
افتكرت إن فيه بقايا أكل وقعت هناك. زحزحت الكنبة شوية، ولقيت عملة معدنية، وتراب، وغطا قلم.
مفيش أي حاجة تفسر إصراره الغريب.
نضفت المكان ورجعت الكنبة مكانها.
برونو رجع ناحيتها قبل ما أخلص حتى من لمّ المكنسة.
إنت مالك يا ابني؟
بصلي، وشم القماش، وطلع صوت زمجرة خفيفة.
بدأت أفتكر إنه زهقان.
كنت بقالي كام أسبوع بقبل شغل زيادة. بخرج بدري وبرجع بالليل. المشاوير بقت أقصر، والأكل بقيت باكله بسرعة، وأيام كتير كنت بقوله دلوقتي مش فاضي، بعدين نلعب.
اشتريتله كورة.
جري وراها مرتين.
وبعدها رجع للكنبة تاني.
في نفس الفترة تقريبًا، بدأت أصحى وأنا بحك دراعاتي. كان فيه علامات حمرا صغيرة حوالين رسغي، وبعضها في رقبتي.
افتكرت إنها ناموس.
ركبت سلك جديد للشباك، وراجعت إذا كان فيه مية متجمعة في الحوش.
لكن الحكة فضلت مستمرة.
في صباح من الصباحات، أختي لوسيا شافتني وأنا بحك نفسي وقت الفطار.
إنت كشفت على الحاجات دي؟
أكيد من الحر.
بصت لبرونو، اللي كان نايم قريب من الباب.
طب وهو كويس؟
خدته للدكتور البيطري. الكشف ماكشفش عن أي حاجة واضحة تفسر تصرفاته ناحية الكنبة. الدكتور سألني إذا كان فيه أي تغييرات حصلت في البيت، ونصحني أراقبه كويس لو استمر في التصرف ده.
رجعت البيت وأنا مقرر إني أقضي وقت أكتر معاه.
لكن الشغل كان بيتراكم.
وبرونو بدأ يعض القماش.
أول قطع كان صغير، جنب خياطة الكنبة. غطيته ببطانية ووبخته.
فضل قاعد قدامي، ودانه نازلة لتحت.
نظراته كانت مضايقاني. قلت لنفسي إني مكبر الموضوع، وإنه لازم يعرف حدوده.
بعد يومين، لقيت الحشو ظاهر من ناحية تانية.
بعدته عن الكنبة وقفلت باب الصالة.
ومن ورا الباب، سمعت صوته وهو بيئن.
أنا كمان كنت مرهق. نومي قليل، وشغلي كتير، وكنت مفتقد أبويا لدرجة إني ساعات كنت بفتقده في أبسط المواقف اللي ماحدش يتخيلها.
الليلة دي اتكلمت مع برونو بعصبية، وكأني بلومه على كل حاجة بتحصل لي.
تاني يوم بعد الضهر، رجعت البيت ولقيت باب الصالة موارب.
القماش كان متقطع في كل مكان.
برونو كان واقف فوق الكنبة، وبيشد حتة من القماش عند الدراع الشمال.
صرخت باسمه.
ساب القماش ورجع لورا.
رفعت مخدة الكنبة المقطوعة.
دي كانت بتاعة أبويا!
برونو استخبى تحت الترابيزة.
حكايات_زيزي
جبت مقص عشان أشيل القماش اللي متدلي. وكنت بفكر الكنبة هتتكلف كام عشان تتصلح، لما رفعت شريط من القماش.
حاجة اتحركت وسط الحشو.
قربت نور الموبايل مني.
وساعتها شفت إن الخياطة كلها كانت مليانة كائنات حية بتتحرك!
الفني طلب مننا نبعد شوية، وبدأ يفحص الجزء السفلي من الكنبة باستخدام كشاف صغير.
كان فيه لوح خشب مختلف عن باقي الألواح، لونه أغمق، ومثبت بطريقة غريبة. واضح إنه اتفك قبل كده واتركب تاني.
قال الفني:
اللوح ده مش من صناعة الكنبة الأصلية. حد عمل تعديل هنا بإيده.
لوسيا بصتلي وهي متوترة:
هو بابا كان بيخبي إيه عننا يا أندريس؟
ماعرفتش أرد.
الفني فك المسمارين، ورفع اللوح بحذر.
ظهر تجويف طويل، جواه ظرف أصفر قديم، وميدالية فضية، ومفتاح صغير مربوط بخيط أحمر.
مديت إيدي ناحية الظرف، لكن لوسيا منعتني.
استنى، ده ممكن يكون فيه مستندات مهمة.
فتحنا الظرف بحذر.
كان جواه جواب مكتوب بخط أبويا.
أول سطر خلاني أحس إن الأرض بتتحرك من تحتي:
إلى ابني أندريس… لو وصلت للجواب ده، يبقى غالبًا أنا ماقدرتش أحكيلك الحقيقة بنفسي.
قعدت على أقرب كرسي، وبدأت أقرأ بصوت مرتعش:
يا ابني، أنا عارف إنك بتحب الكنبة دي، وعارف إنها بالنسبة لك مجرد ذكرى من أيام طفولتك. لكن الحقيقة إن الكنبة دي كانت موجودة في بيت أبويا قبل ما تنتقل لبيتنا.
في يوم من الأيام، أبويا طلب مني أحافظ عليها، وقال لي إن فيها أمانة لازم تفضل في مكانها لحد ما ييجي صاحبها الحقيقي.
وقفت عن القراءة.
لوسيا قربت مني:
كمّل يا أندريس.
رجعت للجواب:
أنا حاولت أعرف المقصود بالأمانة دي، لكن أبويا رفض يشرح. وبعد وفاته، اكتشفت الصندوق، وقررت أسيبه زي ما هو لحد ما أعرف الحقيقة.
المفتاح اللي هتلاقيه في التجويف ده مش مفتاح الصندوق، ده مفتاح مكان تاني.
ولو عايز تعرف الحكاية كاملة، اسأل عمتك إيزابيل عن البيت القديم.
رفعت عيني ناحية أختي.
عمتنا إيزابيل؟
لوسيا هزت راسها:
بس عمتنا ماتت من عشر سنين!
رجعت أبص للجواب، وقلبي بيدق بسرعة.
كان فيه سطر أخير مكتوب بخط مختلف، كأنه اتضاف بعد فترة طويلة:
وأهم حاجة يا أندريس… ماتبعش الكنبة مهما حصل.
في اللحظة دي رن موبايلي.
رقم غريب.
رديت:
ألو؟
جالي صوت راجل كبير في السن:
مساء الخير، الأستاذ أندريس مولينا؟
أيوه، مين معايا؟
اسمي ريكاردو. أنا كنت أعرف والدك كويس، وسمعت إنك بدأت تصلح الكنبة القديمة.
اتجمدت.
إنت عرفت منين؟
سكت لحظة، وبعدها قال:
لأن والدك وعدني من أكتر من عشرين سنة إنه مش هيفتح المكان اللي تحت الكنبة إلا لما ييجي الوقت المناسب.
بصيت للوسيا.
كانت بتسمع المكالمة ووشها شاحب.
سألته:
وإيه اللي موجود في المكان ده؟
رد بصوت منخفض:
قبل ما أقولك، محتاج أعرف حاجة واحدة… هل لقيت الميدالية الفضية؟
بصيت على الميدالية اللي قدامي.
أيوه.
سمعت منه نفسًا طويلًا، وبعدها قال:
يبقى لازم نتقابل بكرة. لأن الميدالية دي تخص شخص إحنا الاتنين كنا فاكرين إنه مات من أكتر من ثلاثين سنة.
وقفل الخط.
فضلت ماسك الموبايل وأنا مش قادر أتكلم.
لوسيا مدت إيدها وأخدت الميدالية.
قلبتها على الناحية التانية، وفجأة شهقت.
كان محفور عليها اسم امرأة.
ماريانا مولينا.
لوسيا رفعت عيني ليا وقالت:
أندريس… إنت فاكر إن ماما كانت بتقولنا إن ليها أخت ماتت وهي صغيرة؟
هزيت راسي.
أيوه، فاكر.
قربت الميدالية من النور.
الاسم ده هو اسم خالتنا اللي محدش في العيلة كان بيتكلم عنها!
لكن قبل ما نقدر نفهم أي حاجة، سمعنا صوت خربشة جاية من ناحية الكنبة.
برونو كان بيحاول يوصل لمكان معين تحت الخشب.
نزلت على ركبتي، وسلطت الكشاف.
لقيت قطعة قماش صغيرة محشورة في شق ضيق، سحبتها بهدوء.
كانت ورقة مطوية، وعلى ظهرها جملة واحدة:
لو وصلت لحد هنا، يبقى ريكاردو قالك نصف الحقيقة فقط… ماتثقش في أول رواية هتحكيهالك.
وفي أسفل الورقة كان فيه توقيع أبويا.
لكن المفاجأة إن التاريخ المكتوب جنب التوقيع كان بعد وفاته بثلاث سنوات!
إزاي أبويا كتب رسالة بعد موته؟ وليه كان فيه شخص بيحاول يوصل للحقيقة قبلنا؟
اتجمدت مكاني، والمقص وقع من إيدي على الأرض.
في البداية افتكرت إن اللي شايفه مجرد حشرات صغيرة، لكن لما قربت نور الموبايل أكتر، حسيت إن الدم اتسحب من عروقي.
كان فيه عشرات الحشرات الصغيرة بتتحرك جوه الحشو، وبعضها بيستخبى بين طبقات القماش والخشب. وفيه حاجة غريبة تانية شدت انتباهي…
كان فيه عش صغير معمول من خيوط القماش والشعر والتراب، وفي وسطه حاجة شبه الكيس الأسود الصغير.
رجعت لورا وأنا بحاول أستوعب اللي قدامي.
برونو خرج من تحت الترابيزة، لكنه ماقربش مني. وقف على مسافة، وفضل يبص ناحية الكنبة ويطلع صوت أنين متقطع.
وقتها فهمت إن الموضوع مش مجرد شقاوة أو رغبة في اللعب.
هو كان بيحاول يوصلني لحاجة.
جبت جوانتي، وحاولت أبعد الحشو بحذر، لكن أول ما لمست الجزء الداخلي، لقيت مجموعة كبيرة من الحشرات بتجري في كل اتجاه.
قفلت الصالة فورًا، واتصلت بأختي لوسيا.
ردت بعد الرنة التالتة.
أندريس؟ في إيه؟ صوتك ماله؟
لوسيا، فاكرة الكنبة بتاعة بابا؟
أيوه، مالها؟
فيها حاجة مرعبة. لازم تيجي تشوفي بنفسك.
وصلت بعد نص ساعة، وأول ما دخلت الصالة ورفعت نور موبايلها ناحية الكنبة، حطت إيدها على بقها.
يا نهار أبيض! إيه ده؟!
حكيتلها عن تصرفات برونو خلال الأسابيع اللي فاتت، وعن الحكة اللي ظهرت في جسمي، وعن إصراره إنه يفضل يحك نفس المكان.
لوسيا بصتلي وقالت:
يعني هو كان بيحاول ينبهك طول الوقت وإنت كنت فاكره بيبوظ حاجاتك؟
الكلمة وجعتني أكتر مما توقعت.
بصيت لبرونو، لقيته قاعد عند باب الصالة، ودانه نازلة، وعينيه مثبتة عليّا.
قربت منه ونزلت على ركبتي.
حقك عليّا يا صاحبي… أنا آسف.
لكنه ماجريش عليّا زي عادته.
فضل مكانه، وكأنه لسه مستني مني أفهم حاجة تانية.
لوسيا اتصلت بشركة متخصصة في مكافحة الحشرات، وبعد ما شرحتلهم الوضع، طلبوا مننا مانلمسش أي حاجة تانية، ونبعد برونو عن المكان لحد ما يوصلوا.
بعد حوالي ساعة، وصل الفني ومعاه أدوات الفحص.
فحص الكنبة من بره، وبعدها بدأ يفتح أجزاء صغيرة من القماش بحذر.
وفجأة وقف وقال:
حضرتك، الكنبة دي موجودة عندكم من إمتى؟
من أكتر من عشرين سنة. كانت بتاعة أبويا.
بص للفني التاني وقاله:
تعالى شوف الجزء ده.
سلطوا النور على الخشب الداخلي، وبدأوا يفكوا طبقة من الحشو.
ظهر قدامنا ممر ضيق بين الخشب والقماش، وكان مليان آثار حشرات وعلامات تلف قديمة.
لكن المفاجأة الحقيقية كانت في آخر الممر.
كان فيه جسم معدني صغير، متغطي بطبقة من الغبار، ومتثبت في الخشب بمسمارين قدام.
الفني بصلي باستغراب:
ده مش جزء من الكنبة الأصلية.
قربت منه وقلبي بيدق بسرعة.
لما شال الجسم المعدني، اكتشفنا إنه صندوق صغير قديم، مقفول بقفل صدئ.
لوسيا مسكت دراعي:
أندريس… إنت تعرف إيه ده؟
هزيت راسي.
ماكانش عندي أي فكرة.
الفني قال إن الأفضل مانحاولش نفتحه بالقوة، وبعد ما خلص فحص المكان وبدأ يشرح لنا الإجراءات اللازمة للتعامل مع الحشرات، فضلت عيني معلقة بالصندوق.
وفي اللحظة اللي الفني كان بيجمع أدواته، لوسيا قالت جملة خلتني أفتكر حاجة قديمة جدًا:
استنى… أنا فاكرة بابا كان بيخبي مفتاح صغير في درج مكتبه، وكان دايمًا يقول إنه مفتاح حاجة محدش فينا محتاج يعرف عنها دلوقتي.
بصتلها بسرعة:
وإنتِ ماقلتيليش الكلام ده قبل كده ليه؟
كنت صغيرة يا أندريس، ونسيت الموضوع تمامًا.
سكتنا لحظات.
وبعدين لوسيا قربت من الصندوق، ومسحت التراب عن سطحه.
كان فيه نقش صغير على الغطاء.
اسم أبويا كاملًا.
وتحته تاريخ مكتوب بخط إيده.
تاريخ يرجع لليوم اللي اتوفى فيه جدي، قبل ما أبويا يشتري الكنبة بسنين طويلة!
لكن اللي خلاني أحس إن فيه سر أكبر من مجرد صندوق قديم، إن لوسيا أول ما شافت التاريخ، وشها اتغير.
همستلي:
أندريس… التاريخ ده مستحيل يكون موجود هنا بالصدفة.
وقبل ما أسألها تقصد إيه، طلعت موبايلها وفتحت صورة قديمة كانت محتفظة بيها من سنين.
صورة لجدي واقف جنب أبويا قدام بيت العيلة.
وفي إيد جدي كان فيه نفس الصندوق المعدني بالضبط!
رفعت عيني من الصورة للصندوق، وبدأت أفهم إن الكنبة اللي كنت فاكرها مجرد ذكرى من أبويا، ممكن تكون مخبية سر عائلي محدش فينا يعرف عنه أي حاجة.
لكن برونو كان لسه واقف عند الباب.
وفجأة بدأ ينبح ناحية الجزء السفلي من الكنبة مرة تانية…
المرة دي الفني نفسه رجع خطوتين وقال:
استنوا… إحنا لسه ما فحصناش الجزء اللي تحت الصندوق.
ولما سلط الكشاف هناك، ظهر شيء تاني جعل لوسيا تصرخ باسمي…
لأن الصندوق ماكانش الحاجة الوحيدة اللي أبويا خبّاها جوه الكنبة!
فضلت ماسك الورقة وأنا مش قادر أستوعب الكلام المكتوب فيها.
بنت ماريانا لسه مستنياها!
يعني خالتي اللي اختفت من أكتر من خمسة وعشرين سنة كان عندها بنت؟ وإحنا عمرنا ما سمعنا عنها؟
بصيت للوسيا وسألتها:
إنتِ متأكدة إن الورقة دي بخط ماما؟
أيوه، دي كانت وسط حاجاتها القديمة، وأنا احتفظت بيها من يوم وفاتها.
طب ليه مخبيتيها عني؟
ردت وهي بتعيط:
أنا نفسي ماكنتش فاهمة معناها. كنت فاكرة إنها بتتكلم عن حد من قرايبنا.
قررت أرجع البيت الأول، وبدأت أدور في أوراق أمي القديمة. يمكن نلاقي حاجة تفسر الموضوع.
بعد ساعة من البحث، لوسيا نادتني من أوضة التخزين.
أندريس! تعالى بسرعة!
دخلت لقيتها قاعدة على الأرض، وحواليها صور قديمة وخطابات مربوطة بشريط أزرق.
كانت ماسكة صورة لست شابة شايلة طفلة صغيرة.
الصورة كانت قديمة جدًا، لكن الست كانت شبه أمي بشكل غريب.
قلبت الصورة، ولقيت مكتوب وراها:
ماريانا وابنتها إيلينا… صيف 1995.
لوسيا همست:
يعني اسم بنتها إيلينا!
قلبنا باقي الصور، ولقينا جواب صغير من أمي لماريانا.
كان مكتوب فيه:
أنا عارفة إنك خايفة، وعارفة إنك مش قادرة ترجعي دلوقتي، لكن إيلينا محتاجة تعرف عيلتها. أبويا مش هيسامح نفسه لو فضلت الحقيقة مدفونة.
وفجأة سمعنا خبطتين على باب البيت.
فتحت، لقيت ست في أواخر الخمسينات، شعرها أبيض من الجوانب، ووشها مرهق.
أول ما شافتني قالت:
إنت أندريس؟
أيوه، حضرتك مين؟
مدت إيدها بورقة قديمة.
أنا صاحبة المكالمة اللي كلمتك الصبح.
دخلتها الصالة، ولما شافت الكنبة المقطوعة والصندوق المفتوح، غمضت عينيها وقالت:
أخيرًا… أبوك قدر يوصل الأمانة ليكم.
لوسيا قربت منها:
حضرتك تعرفي ماريانا؟
الست بصتلها، وعينيها دمعت.
أنا إيلينا.
سكتنا إحنا الاتنين.
الست كملت:
أنا بنت ماريانا، وأختكم من ناحية العيلة.
لوسيا حطت إيدها على بقها.
أما أنا ففضلت واقف مكاني، مش عارف أقول إيه.
إيلينا قعدت وبدأت تحكي.
قالت إن أمها اختفت من حياتها وهي صغيرة، وإنها اتربت مع ناس من العيلة، وكانت طول عمرها فاكرة إن أمها ماتت.
لكن قبل وفاة جدتي بسنين، وصلها جواب بيقول إن ماريانا عايشة، وإن فيه خلاف قديم منعها من الرجوع.
سألتها:
طب ليه محدش دور عليها؟
ردت بحزن:
أبوكم دور عليها سنين، لكن كل مرة كان بيوصل لطريق مسدود. ولما لقاها أخيرًا، طلبت منه مايكشفش مكانها غير لما تتأكد إن بنتها في أمان.
لوسيا سألتها:
وإنتِ عرفتي مكانها؟
إيلينا هزت راسها:
من شهرين، وصلني جواب من غير اسم المرسل. كان فيه صورة للميدالية الفضية، وجملة واحدة: الوقت جه.
طلعت من شنطتها ورقة تانية.
فتحتها، ولقيت عنوان مكتوب بخط أبويا.
نفس العنوان اللي ريكاردو اداهولنا.
عنوان بيت عمنا خوسيه.
إيلينا قالت:
أنا كنت مستنية حد منكم يلاقيني. لكن فيه حاجة لازم تعرفوها قبل ما نروح.
إيه هي؟
بصت للصندوق المعدني المفتوح على الترابيزة:
أبوكم ماكانش بيخبي مستندات الأرض بس. كان بيخبي دليل يثبت إن ماريانا اتظلمت، وإن فيه حد من العيلة استولى على حقها.
سألتها:
مين الشخص ده؟
إيلينا سكتت لحظات، وبعدها قالت:
مش هقدر أتهم حد من غير دليل. لكن عمكم خوسيه هو آخر شخص شاف جدكم قبل ما تتغير كل أوراق الملكية.
في اللحظة دي، موبايلي اهتز برسالة جديدة.
رقم مجهول.
فتحتها، ولقيت صورة للكنبة بعد ما اتقطعت، وتحتها رسالة:
اللي لقيتوه كفاية. ماتدوروش على باقي الأمانة.
بصيت للوسيا، ووريتها الرسالة.
إيلينا أول ما شافت الصورة، وشها اتغير تمامًا.
قالت بصوت منخفض:
الرسالة دي معناها إنهم عرفوا إن الصندوق اتفتح.
سألتها:
مين هم؟
ما ردتش.
لكنها مدت إيدها للصندوق، ورفعت الغطاء الداخلي اللي كنا فاكرين إنه جزء ثابت منه.
كان تحته ورق صغير مطوي بعناية.
فتحته، وبدأت تقرأ.
وفجأة شهقت وقالت:
مستحيل… ده توقيع جدكم!
كان فيه مستند قديم، عليه توقيع جدي وشاهدين، وفي آخره جملة واضحة:
تُسلّم الأمانة إلى ماريانا مولينا وحدها، ولا يجوز التصرف فيها إلا بحضور ابنتها إيلينا.
لكن اللي خلانا نتجمد مكاننا إن اسم الشاهد الأول كان:
خوسيه مولينا… عمكم!
رفعت إيلينا عينيها وقالت:
دلوقتي فهمت ليه خوسيه كان بيخاف من رجوع أمي.
وفي نفس اللحظة، رن جرس الباب مرة تانية.
بصيت من العين السحرية…
كان فيه راجل كبير واقف بره، مستند على عصاية خشب.
عرفته فورًا من الصورة القديمة.
كان عمنا خوسيه بنفسه.
لكن الغريب إنه ماكانش جاي لوحده…
كان ماسك في إيده ظرف كبير، وقال من ورا الباب:
أندريس، افتح. أنا عارف إنكم لقيتوا الصندوق، وجاي أعترفلكم بحاجة أبوك مات وهو مش عارفها.
ولما فتحت الباب، أول سؤال سأله ماكانش عن الصندوق ولا الميدالية.
بص لإيلينا وقال:
أمك لسه عايشة؟ ولا وصلت متأخر كالعادة؟!
يتبع…
فضلت باصص للتاريخ المكتوب على الورقة، وراجعته أكتر من مرة.
أبويا مات من ست سنين، والتاريخ اللي قدامي كان من تلات سنين!
يعني الورقة اتكتبت بعد وفاته بثلاث سنين فعلًا.
لوسيا قالت وهي بتحاول تسيطر على ارتباكها:
يمكن التاريخ اتكتب غلط؟
هزيت راسي.
خط أبويا واضح، والتوقيع بتاعه أنا حافظه كويس.
قلبت الورقة، وبدأت أفحصها. لقيت جملة صغيرة مكتوبة بالقلم الرصاص في الركن:
المفتاح الأحمر مش للباب… المفتاح الأحمر للصندوق اللي تحت الأرض.
بصيت للمفتاح اللي لقيناه مربوط بالخيط.
يبقى فيه مكان تاني!
لوسيا مسكت الجواب الأصلي وقالت:
استنى، أبوك قال اسأل عمتك إيزابيل عن البيت القديم. يمكن يقصد بيت جدي.
في اللحظة دي افتكرت إن بيت جدي لسه موجود، رغم إنه مقفول من سنين، ومحدش بيدخله غير مرة كل فترة عشان يتأكد إن كل حاجة سليمة.
قلت للوسيا:
بكرة الصبح هنروح هناك.
لكنها اعترضت:
وريكاردو؟ الراجل ده عارف تفاصيل مش طبيعية. لازم نسمع منه الأول.
وافقت، واتفقنا نتقابل معاه في مكان عام.
طول الليل مانمتش.
وبرونو كان نايم عند باب أوضتي، وكل شوية يقوم يبص ناحية الصالة ويرجع ينام.
لأول مرة من أسابيع، فهمت إن إصراره على الكنبة ماكانش مجرد تصرف غريب. هو كان حاسس إن فيه حاجة مستخبية، وكل مرة كان بيحاول يوصلني ليها، كنت بعاقبه.
قربت منه ومسحت على راسه.
إنت كنت أشطر مني بكتير يا صاحبي.
في الصبح، قابلنا ريكاردو في مقهى قديم قريب من وسط البلد.
كان راجل عنده حوالي سبعين سنة، شعره أبيض، وبيستخدم عصاية خشب في المشي.
أول ما شاف الميدالية، طلب يشوفها.
فضل يقلبها بين صوابعه، وبعدها قال:
كنت متأكد إنها لسه موجودة.
سألته بعصبية:
مين ماريانا؟ وإيه علاقتها بأبويا وجدي؟
بصلي فترة طويلة قبل ما يرد:
ماريانا كانت أخت والدتك، وكانت أقرب شخص لجدك. قبل ما تتولدوا بسنين، حصل خلاف كبير في العيلة بسبب أرض ورث قديمة.
لوسيا سألته:
وإيه علاقة خالتي ماريانا بالأرض؟
ريكاردو شرب رشفة من القهوة، وقال:
جدكم كان عنده قطعة أرض كبيرة، لكنه اكتشف إن فيه مستندات ملكية اتغيرت من غير علمه. وماريانا كانت الوحيدة اللي عرفت مين عمل كده.
ومين؟
هز راسه:
دي الحقيقة اللي أبوكم حاول يوصلها، لكنه ماقدرش.
طلعت الورقة اللي لقيناها من جيبي وحطيتها قدامه.
أول ما شاف التاريخ، اتغيرت ملامحه.
إنت لقيت دي فين؟
تحت الكنبة.
سكت، وبعدها قال:
يبقى والدك كان عارف إن فيه حاجة تانية مستخبية.
سألته:
إنت قلت إنك هتعرفني الحقيقة، لكن واضح إنك بتخبي حاجات كتير.
اتنهد وقال:
لأن فيه شخص تاني لسه عايش، وهو الوحيد اللي يقدر يفسر كل اللي حصل.
مين؟
طلع من جيبه صورة قديمة وحطها على الترابيزة.
كانت صورة لجدي، وأبويا، وراجل تالت واقف بعيد عنهم.
خلف الصورة كان مكتوب:
إلى ماريانا… سامحيني، الحقيقة لازم تظهر يومًا ما.
لوسيا قربت الصورة من عينيها، وفجأة وشها اصفر.
أنا أعرف الراجل ده!
بصيتلها باستغراب:
تعرفيه منين؟
قالت بصوت واطي:
ده عمنا خوسيه… أخو بابا الكبير. إحنا طول عمرنا فاكرين إنه سافر واختفى من البلد من أكتر من خمسة وعشرين سنة.
ريكاردو هز راسه:
هو ما اختفاش. هو كان موجود طول الوقت، لكن محدش كان عارف مكانه.
سألته بسرعة:
وهو فين دلوقتي؟
مد إيده وطلع ورقة صغيرة عليها عنوان:
في قرية تبعد حوالي ساعة من هنا. بس قبل ما تروحوا، لازم تعرفوا إن خوسيه مش هيكون سعيد لما يشوف الميدالية دي.
لوسيا سألت:
ليه؟
ريكاردو بص لها وقال:
لأن آخر مرة شاف فيها الميدالية دي، كان يوم اختفاء ماريانا.
حسيت ببرودة في جسمي.
إنت بتقول إن اختفاء خالتي كان له علاقة بعمنا؟
ريكاردو ما ردش مباشرة.
اكتفى إنه قال:
روحوا له، وخدوا معاكم المفتاح. ولو رفض يتكلم، قولوله إن أندريس لقى رسالة أبوه.
قمنا من مكاننا، لكن قبل ما نمشي، ريكاردو مسكني من دراعي وقال:
وفيه حاجة لازم تعرفها يا ابني… أبوك ماكانش بيحافظ على الكنبة عشان الذكريات بس.
أمال ليه؟
قرب مني وهمس:
لأنه كان وعد ماريانا إنه يرجّع لها حاجة اتسرقت منها، والحاجة دي قيمتها أكبر بكتير من الأرض والفلوس.
خرجنا من المقهى وإحنا مش فاهمين حاجة.
وفي الطريق للبيت، لقيت رقم غريب بيتصل بيا.
رديت.
كان صوت ست كبيرة بتعيط.
قالت:
أندريس؟ أنا عارفة إنك كنت عند ريكاردو… وعارفة إنك ناوي تروح لخوسيه.
وقبل ما أقدر أسألها مين هي، قالت جملة خلتني أوقف العربية على جنب:
ماتروحش له قبل ما تعرف الحقيقة عن أمك… لأن أمك هي اللي طلبت من أبوك يخبي الصندوق من الأساس!
وبعدها قفلت الخط.
بصيت للوسيا.
كانت عينيها مليانة دموع.
قالت بصوت مرتعش:
أندريس… أنا فاكرة دلوقتي حاجة ماما قالتها قبل ما تموت، وعمري ما فهمت معناها.
قالت إيه؟
فتحت شنطتها وطلعت ورقة قديمة كانت محتفظة بيها وسط صور العيلة.
كان مكتوب فيها بخط أمي:
لو رجعت ماريانا يومًا، ماتخلوهاش تمشي من غير ما تعرف إن بنتها لسه مستنياها.
وقتها حسيت إن القصة أكبر بكتير من مجرد ميراث أو صندوق قديم.
ماريانا كان عندها بنت؟ والبنت دي عايشة فين؟ وليه أمي كانت بتقول إنها لسه مستنياها؟
فضلت واقف قدام عمنا خوسيه، مش قادر أستوعب سؤاله.
إيلينا قامت من مكانها، وقربت منه خطوة:
إنت تعرف أمي؟ تعرف هي فين؟
خوسيه نزل عينيه للأرض، وبعدها دخل البيت من غير ما يستنى دعوة.
قعد على الكرسي المقابل للصندوق، وحط الظرف اللي في إيده على الترابيزة.
قال بصوت مبحوح:
أنا عارف إنكم شايفيني السبب في كل اللي حصل، ويمكن عندكم حق، لكن فيه حاجات حصلت زمان محدش فيكم يعرفها.
لوسيا ردت بعصبية:
طيب اتفضل قول، إحنا تعبنا من الأسرار!
خوسيه فتح الظرف وطلع منه مجموعة مستندات وصورة قديمة.
الصورة كانت لجدي واقف قدام بيت كبير، وبجانبه ماريانا وهي شايلة إيلينا رضيعة.
قال:
الأرض اللي بتدوروا على مستنداتها ماكنتش مجرد ميراث. جدكم كان مخصص جزء كبير منها لمشروع خيري، وكان عايز يعمل عليها مركز لتعليم الأطفال من العائلات البسيطة.
سألته:
وإيه علاقة ماريانا بالموضوع؟
جدكم اختارها تكون المسؤولة عن المشروع، لأنها كانت أكتر واحدة في العيلة مهتمة بمساعدة الناس. لكن بعد وفاته، ظهرت مستندات بتقول إن الأرض اتباعت، وإن ماريانا استلمت فلوسها.
إيلينا هزت راسها بعنف:
ده كذب! أمي عمرها ما أخدت حاجة من حد!
خوسيه رد:
أنا عارف دلوقتي.
دلوقتي؟ يعني إنت كنت مصدق الكلام ده زمان؟
نزل رأسه وقال:
للأسف، أيوه.
بدأ يحكي إنه وقتها كان مسؤول عن بعض معاملات العيلة، وإنه وقع على مستندات من غير ما يراجعها كويس، لأنه كان واثق في الشخص اللي قدمها له.
لكن لما اكتشف إن التوقيعات مزورة، كان الضرر حصل بالفعل.
ماريانا اتهموها إنها باعت الأرض وخدت الفلوس، ورفضت تشرح نفسها قدام العيلة.
وبعد فترة اختفت.
سألته:
مين اللي زوّر المستندات؟
خوسيه فتح فمه عشان يرد، لكن عينه وقعت على برونو اللي كان واقف جنب الكنبة.
ابتسم ابتسامة صغيرة وقال:
حتى الكلب كان أذكى مننا كلنا. هو اللي خلاكم تفتحوا المكان ده.
وبعدين رجع يبصلي:
الشخص اللي زوّر المستندات كان شريك جدكم في إدارة الأرض، واسمه رامون فيلاسكيز.
لوسيا قالت:
وإيه اللي حصل له؟
مات من سنين، لكن ابنه لسه عايش، وبيملك جزء من الأراضي اللي اتباعت زمان.
إيلينا مسكت المستندات:
يعني ممكن يكون عارف الحقيقة؟
خوسيه هز راسه:
مش بس عارفها. أنا متأكد إنه محتفظ بنسخة من الأوراق الأصلية.
سألته:
طب ليه ماقلتليش الكلام ده من زمان؟
بصلي بحزن:
لأن أبوك طلب مني أستنى لحد ما تظهر الميدالية. كان عايز يتأكد إن إيلينا رجعت للعيلة، وإن الأمانة هتروح لصاحبتها.
إيلينا بدأت تعيط:
أنا مش عايزة أرض ولا فلوس. أنا عايزة أشوف أمي بس.
خوسيه بص لها وقال:
وأنا جاي النهارده عشان أقولك إن أمك مش بعيدة زي ما إنتِ فاكرة.
إيلينا وقفت فجأة:
إنت تعرف مكانها؟!
طلع من جيبه ورقة صغيرة، وكتب عليها عنوان:
هي عايشة في دار صغيرة على أطراف المدينة، وبتتعالج من مشكلة في القلب. كنت بزورها من وقت للتاني، لكنها كانت رافضة تشوف أي حد من العيلة قبل ما تتأكد إن الحقيقة هتظهر.
إيلينا أخدت الورقة بإيد بتترعش:
ليه ماقلتليش من أول يوم؟
خوسيه رد بصوت مكسور:
لأنها طلبت مني ماقولكيش غير لما أقدر أقدملك الدليل اللي يثبت إنها ما سرقتش حاجة.
ما استنتش ثانية.
أخدت مفاتيح عربيتها وقالت:
أنا رايحة لها دلوقتي.
لوسيا قامت معاها، وأنا كنت لسه هتحرك، لكن خوسيه وقفني:
أندريس، استنى. فيه حاجة تانية لازم تشوفها.
فتح الظرف الأخير، وطلع منه جواب عليه اسم أبويا.
قال:
أبوك كتب الجواب ده قبل وفاته، وطلب مني أسلمهولك لما تفتحوا الصندوق.
فتحت الجواب.
كان مكتوب فيه:
يا أندريس، لو وصلت لليوم ده، فأنا فخور بيك. يمكن تكون زعلت مني لأني ماحكتلكش الحقيقة، لكن كنت خايف إنك تدخل في مشكلة مش من حقك تتحملها.
فيه حاجة واحدة عايزك تعرفها: الكنبة مش هي الأمانة. الأمانة الحقيقية هي الوعد اللي قطعته لأمك… إن العيلة ماتسيبش حد فيها لوحده.
وقفت عند الجملة دي.
لكن كان فيه سطر أخير خلاني أرجع أقرأ الجواب من أوله:
وفيه مستند تاني، مخبيه في المكان اللي كنت بقعد فيه كل يوم أشرب قهوتي، والمكان ده مش في البيت.
افتكرت فورًا.
أبويا كان عنده ورشة صغيرة قديمة، وكان بيقعد كل يوم على كرسي خشب جنب الشباك يشرب قهوته.
خوسيه شاف التعبير على وشي وقال:
افتكرت المكان؟
هزيت راسي:
الورشة القديمة.
ابتسم وقال:
يبقى لازم نروح هناك.
لكن قبل ما نتحرك، وصلني اتصال من لوسيا.
رديت بسرعة.
كان صوتها بيترعش:
أندريس… إحنا وصلنا لمكان ماما، لكن حصلت حاجة غريبة.
إيه اللي حصل؟ ماريانا كويسة؟
سكتت لحظة، وبعدها قالت:
الممرضة قالت إن ست اسمها ماريانا كانت هنا فعلًا، لكنها خرجت من الدار من يومين، وسابت ظرف باسم إيلينا.
والظرف فين؟
فتحناه…
سمعت صوت إيلينا وهي بتعيط في الخلفية.
لوسيا كملت:
الجواب بيقول إن ماريانا سابت المكان عشان تروح تقابل شخص، والشخص ده اسمه رامون فيلاسكيز… ابن الراجل اللي زوّر المستندات!
وفي آخر الجواب كانت فيه جملة واحدة:
لو ما رجعتش، دوروا على الحقيقة في آخر مكان كنت فيه مع أبوكم.
قفلت المكالمة وبصيت لخوسيه.
وشه كان شاحبًا.
قال بصوت خافت:
لا… مش معقول تكون راحت هناك.
سألته:
راحت فين؟
رد وهو بيقوم بصعوبة:
للمخزن القديم بتاع جدكم… المكان اللي اختفى منه المستند الأصلي من خمسة وعشرين سنة!
ولأول مرة، فهمت إننا مش بندور على ميراث ضايع بس… إحنا ممكن نكون بندور على ماريانا نفسها، قبل ما يضيع أثرها للأبد.
ما ضيعتش ثانية. أخدت مفاتيح العربية، وطلبت من خوسيه يركب جنبي، واتصلت بلوسيا وإيلينا وطلبت منهم يستنونا عند المخزن القديم.
طول الطريق، خوسيه كان ساكت، وبيبص من الشباك كأنه شايل فوق كتافه ذنب عمره كله.
بعد حوالي أربعين دقيقة وصلنا.
المخزن كان مبنى قديم على أطراف القرية، بابه الحديد متآكل، والشبابيك مغطاة بالخشب.
نزل خوسيه ببطء وقال:
هنا بدأت كل الحكاية، وهنا غالبًا هتنتهي.
دخلنا بعد ما فتحنا القفل بمساعدة مفتاح كان معاه.
ريحة التراب والرطوبة كانت مالية المكان. شغلت كشاف الموبايل، وبدأنا ندور بين الصناديق القديمة.
فجأة سمعنا صوت حاجة وقعت من الدور العلوي.
خوسيه رفع رأسه وقال:
فيه حد فوق!
طلعنا السلم بحذر، ولما وصلنا للدور التاني لقينا باب أوضة مفتوح.
دخلت وأنا بنادي:
ماريانا؟ فيه حد هنا؟
مفيش رد.
لكن على الترابيزة كان فيه كوب شاي لسه دافي، وجنبه شال صوف رمادي.
إيلينا وصلت في اللحظة دي، وأول ما شافت الشال صرخت:
ده شال أمي! أنا شوفته في صورها القديمة!
بدأت تدور في الأوضة بجنون:
ماما! ماما، إنتِ هنا؟
لوسيا حاولت تهديها، لكن أنا لاحظت حاجة تحت الترابيزة.
كان فيه ظرف أبيض، مكتوب عليه اسم أبويا.
فتحته بسرعة.
لقيت جواه ورقة صغيرة:
أندريس، لو وصلت للمخزن، يبقى لازم تعرف إن الحقيقة مش موجودة في المستندات بس. فيه تسجيل قديم هيثبت مين اللي زور الأوراق، ومين اللي ساعده.
وتحت الجملة كان فيه رقم صندوق.
رقم 27.
نزلنا للدور الأرضي، وبدأنا ندور على الصندوق.
لقيناه في آخر المخزن، وسط مجموعة صناديق خشب قديمة.
فتحناه بالمفتاح الصغير اللي كان في الصندوق المعدني.
كان جواه جهاز تسجيل كاسيت قديم، وشريط واحد، ودفتر حسابات.
خوسيه أول ما شاف الدفتر، قعد على أقرب صندوق وقال:
يا إلهي… ده دفتر جدكم الأصلي!
إيلينا أخدت الشريط وسألت:
فيه إيه هنا؟
خوسيه رد:
غالبًا تسجيل اجتماع حصل قبل اختفاء ماريانا بأيام.
جبت جهاز التسجيل القديم اللي كان موجود في المخزن، ونضفت مكان الشريط وحطيته.
في البداية سمعنا تشويش، وبعدها ظهر صوت جدي:
أنا عرفت إن فيه تلاعب في أوراق الأرض، ومش هسمح لحد ياخد حق ماريانا.
بعدها ظهر صوت راجل تاني.
كان بيتكلم بعصبية:
إنت مش فاهم يا مولينا، الموضوع أكبر من كده. لو الأوراق ظهرت، ناس كتير هتخسر كل حاجة.
جدي رد:
اللي أخد حاجة مش من حقه لازم يرجعها.
وبعد لحظات، سمعنا صوت خوسيه وهو بيقول:
أنا مش هشارك في تزوير تاني، ومش هوقع على أي ورقة جديدة.
خوسيه غطى وشه بإيده:
كنت فاكر إن الشريط ده ضاع للأبد.
لكن التسجيل ماكانش انتهى.
ظهر صوت شخص تالت، صوته هادي جدًا:
يبقى لازم ماريانا تختفي من الصورة قبل ما تتكلم.
إيلينا شهقت:
مين ده؟!
خوسيه وقف فجأة، ووشه اتغير:
مستحيل… ده صوت أخويا!
بصيتله باستغراب:
أبويا؟
هز راسه بسرعة:
لأ، أخويا التاني… ميجيل!
أنا عمري ما سمعت عن عم اسمه ميجيل. كنت فاكر إن جدي خلف خوسيه وأبويا بس.
خوسيه كمل:
ميجيل كان مسافر بره البلد من سنين، وكلنا كنا فاكرينه استقر هناك.
وقبل ما نقدر نسأله أي حاجة، سمعنا صوت عربية وقفت بره المخزن.
بصيت من الشباك المكسور.
كان فيه راجل نازل من العربية، ومعاه اتنين.
خوسيه أول ما شافه رجع لورا وقال:
ده ابن رامون فيلاسكيز!
الراجل خبط على الباب الحديد بقوة:
عارف إنكم جوه! افتحوا، أنا عايز أتكلم معاكم!
إيلينا مسكت الشريط بقوة.
لكن خوسيه همس:
ماتفتحوش… الراجل ده مش جاي يتكلم.
اتصلت بالشرطة، وبلغتهم إن فيه أشخاص بيحاولوا يدخلوا المكان بالقوة، واحتفظنا بالتسجيل والدفتر.
بعد دقائق، وصل صوت خبط شديد على الباب.
وفجأة سمعنا صوت راجل من الخارج بيقول:
أندريس! لو عايز تعرف مكان ماريانا، لازم تسمعني قبل ما الشرطة توصل!
تجمدت.
فتحت الشباك بحذر وقلت:
إنت تعرف هي فين؟
رد:
أيوه. وهي مش في خطر من اللي إنت فاكره… هي راحت بنفسها تقابل ميجيل، عشان تسلمه المستند الأصلي.
خوسيه صرخ:
كداب! ميجيل اختفى من سنين!
الراجل رفع إيده وورانا صورة على موبايله.
كانت صورة ماريانا، قاعدة على كرسي في أوضة، وبجانبها راجل عجوز.
إيلينا قربت من الشاشة وبدأت تعيط:
دي أمي… ده فعلًا ميجيل!
لكن المفاجأة كانت في التاريخ الظاهر أسفل الصورة.
الصورة متصورة من ساعتين فقط!
وقبل ما نستوعب، وصلتنا رسالة على موبايلي من رقم مجهول:
لو عايزوا ماريانا ترجع، لازم تسلموا دفتر الحسابات، لأن فيه صفحة واحدة لو ظهرت هتغيّر كل اللي تعرفوه عن جدكم.
فتحت الدفتر بسرعة، وبدأت أقلب صفحاته.
وفي الصفحة الأخيرة، لقيت اسمًا مكتوبًا بخط جدي.
اسم الشخص اللي كان مسؤول عن تسليم الأرض ومراجعة أوراق الملكية.
الاسم كان اسم أبويا نفسه… أندريس مولينا الأب!
بصيت لخوسيه وقلت:
إنت قلتلي إن أبويا كان بيحاول يرجع الحق لأصحابه… ليه اسمه موجود في الصفحة دي؟
خوسيه سكت طويلًا، وبعدها قال:
لأن أبوك كان عارف الحقيقة من البداية، لكنه أخفى عنكم السبب الحقيقي اللي خلاه يسكت كل السنين دي.
وقبل ما يكمل، وصل صوت صفارات الشرطة من بعيد.
لكن إيلينا كانت بتبص لصفحة تانية في الدفتر، ووشها بيتغير مع كل كلمة بتقراها.
رفعت عينيها وقالت:
أندريس… إحنا ظلمنا أبوك في حاجة، لكن فيه حد تاني من العيلة عمل حاجة أسوأ بكتير…
وأشارت لاسم مكتوب تحت اسم أبويا.
كان اسم شخص عايش معانا في نفس المدينة، وكنا بنشوفه في كل المناسبات العائلية!
والأخطر إن جنب اسمه كانت مكتوبة عبارة: المستفيد النهائي من الأمانة.
فضلت باصص للاسم المكتوب في الدفتر، وحاولت أستوعب اللي شايفه.
كان الاسم هو روبرتو مولينا… ابن عمنا، وأقرب شخص لينا بعد وفاة أبويا!
روبرتو كان بيزورنا باستمرار، وبيسأل عن أحوالنا، وكان دايمًا بيقول إن أبويا كان بالنسبة له زي والده.
حتى بعد وفاة أبويا، هو اللي ساعدني في نقل بعض الأثاث من بيت العيلة.
بصيت لخوسيه وقلت:
إنت تعرف إن روبرتو اسمه موجود هنا؟
خوسيه وشه اصفر:
لا… مستحيل!
إيلينا قلبت الصفحة، وبدأت تقرأ بصوت مرتعش:
يُمنح المستفيد النهائي حق التصرف في الأرض والممتلكات المرتبطة بها، بشرط تسليم المستند الأصلي لماريانا مولينا.
رفعت عينيها وقالت:
يعني روبرتو كان المفروض يسلم المستندات لماما؟
خوسيه هز راسه:
ده معناه إن جدكم اختاره يكون أمين على الأمانة، مش صاحبها.
سألته:
طب ليه مكتوب المستفيد النهائي؟
رد:
لأن فيه صفحة تانية بتوضح الفرق بين المستفيد من إدارة المشروع والمالك الحقيقي. الصفحة دي هي اللي اختفت.
في اللحظة دي دخل ضابط الشرطة ومعاه اتنين من أفراد القوة.
بعد ما شرحنا لهم اللي حصل، طلبوا مننا نسلم التسجيل والدفتر عشان يتفحصوا رسميًا.
أما الراجل اللي كان واقف بره، فاسمه دانيال فيلاسكيز، ابن رامون.
الضابط سمح له يتكلم معانا بحضوره.
دانيال قال:
أنا مش جاي أهدد حد. أنا جاي أوقف ظلم حصل من سنين.
خوسيه رد بغضب:
أبوك كان السبب في ضياع حق ماريانا!
دانيال نزل عينيه وقال:
أبويا غلط، وأنا مش بدافع عنه. لكنه قبل وفاته اعترفلي إنه ماكانش لوحده.
سألته بسرعة:
مين كان معاه؟
طلع من جيبه صورة قديمة.
كانت صورة لثلاثة أشخاص واقفين قدام مكتب جدي.
جدي، ورامون، وروبرتو!
لكن روبرتو في الصورة كان طفل صغير.
دانيال قال:
أبويا كان بيتعامل مع روبرتو من سنين، وكان بيستخدمه عشان يوصل لأوراق العيلة من غير ما حد يشك.
لوسيا قالت:
روبرتو كان طفل وقتها!
أيوه، لكن بعد ما كبر، عرف الحقيقة، وقرر يكمل اللي بدأه أبوه.
إيلينا كانت بتسمع الكلام وهي ماسكة الشال بتاع أمها.
وفجأة قالت:
يبقى لازم نلاقي ماما قبل ما روبرتو يعرف إننا وصلنا لكل ده.
في اللحظة دي، موبايلي رن.
كان روبرتو نفسه.
رديت وحطيت المكالمة على مكبر الصوت:
ألو يا روبرتو.
صوته كان طبيعي جدًا:
أندريس، إنت فين؟ أنا عديت عليك البيت ومالقتكش.
بصيت لخوسيه، وبعدها قلت:
أنا في المخزن القديم.
سكت لحظة:
المخزن؟ بتعمل إيه هناك؟
بندور على شوية حاجات تخص أبويا.
ضحك ضحكة قصيرة:
طيب، اسمعني. أنا جاي لك حالًا. وفيه موضوع مهم لازم نتكلم فيه.
سألته:
موضوع إيه؟
قال جملة واحدة:
موضوع الكنبة… أنا عارف إيه اللي كان أبوك مخبيه جواها.
وقفل.
حسيت إن إيدي بردت.
خوسيه قرب مني وهمس:
ماتقولوش إننا لقينا الدفتر.
لكن دانيال اعترض:
لازم تسمعوه. روبرتو ممكن يكون الوحيد اللي يعرف مكان المستند الأصلي.
بعد حوالي عشرين دقيقة، وصلت عربية روبرتو.
نزل منها وهو مبتسم، وشايل كيس ورق في إيده.
دخل المخزن، وسلم علينا واحد واحد، ولما شاف خوسيه قال:
عمي، بقالنا كتير ماشوفناش بعض.
خوسيه ما ردش.
روبرتو حط الكيس على الترابيزة وقال:
أنا جاي أساعدكم. عرفت إنكم بتدوروا على ماريانا.
إيلينا وقفت قدامه:
إنت تعرف أمي فين؟
رد بهدوء:
أيوه، وأقدر أوصلكم ليها.
سألته:
مقابل إيه؟
ابتسم وقال:
مش مقابل أي حاجة. أنا بس عايز أصلح غلط العيلة.
مد إيده وطلع مستند قديم.
كان هو نفس المستند اللي بندور عليه، وعليه توقيع جدي الأصلي.
خوسيه قرب منه، وأول ما شافه قال:
ده مستحيل! الورقة دي كانت مختفية!
روبرتو قال:
أنا لقيتها في مكتب أبويا بعد وفاته.
إيلينا أخدت المستند وبدأت تقرأ.
لكن فجأة دانيال صرخ:
استنوا! ماتمضوش على أي حاجة!
كلنا بصينا له.
قال وهو بيشاور على آخر الصفحة:
الورقة دي مش أصلية. دي نسخة اتعملت من سنين، والتوقيع الموجود عليها منقول من مستند تاني.
روبرتو ابتسم ابتسامة اختفت بسرعة:
إنت مالك بالموضوع يا دانيال؟
دانيال رد:
لأن عندي النسخة الأصلية اللي أبويا خبّاها قبل ما يموت.
طلع ظرف من جيبه، لكن قبل ما يفتحه، روبرتو اتحرك بسرعة وحاول ياخده منه.
الضابط تدخل فورًا ومنعه.
وفي وسط الارتباك، سقط الظرف على الأرض، وخرجت منه صورة صغيرة.
انحنيت وأخدتها.
كانت صورة لأمي وهي شابة، واقفة جنب ماريانا، وأمامهما طفل رضيع.
قلبت الصورة.
كان مكتوب بخط أمي:
إلى أندريس… لما تكبر وتعرف الحقيقة، افتكر إن أخوك مش لازم يكون من نفس الأب والأم عشان يكون من دمك.
اتسمرت مكاني.
أنا طول عمري كنت فاكر إن أبويا وأمي خلفونا أنا ولوسيا بس.
رفعت عيني ناحية إيلينا.
لكنها كانت بتبص للصورة بذهول.
قالت:
الطفل ده مش أنا…
خوسيه قرب الصورة من عينيه، وبعدها قال بصوت مكسور:
يا إلهي… ده ابن ميجيل!
وفجأة فهمت إن فيه شخص تاني من العيلة اختفى من حياتنا، وإن وجوده ممكن يفسر كل الأسرار اللي لقيناها.
لكن قبل ما نقدر نسأل أي سؤال، رن تليفون خوسيه.
رد، وفضل ساكت وهو بيسمع.
وبعد ثوانٍ قال:
إيه؟! إنت متأكد إنها رجعت؟
قفل المكالمة وبص لنا:
ماريانا ظهرت… وهي دلوقتي في بيت جدكم القديم.
إيلينا جريت ناحية الباب.
لكن خوسيه وقفها وقال:
استني يا بنتي… فيه حاجة لازم تعرفيها الأول.
وبص للصورة اللي في إيدي وقال:
الطفل اللي في الصورة ده مش ابن ميجيل… ده الشخص اللي ماريانا اختفت عشانه كل السنين دي، وأبوك كان بيحاول يحميه من الحقيقة!
يتبع…
حسيت إن دماغي هتنفجر من كتر الأسرار اللي بتظهر كل شوية.
مسكت الصورة وقلت لخوسيه:
كفاية بقى! مين الطفل ده؟ وإيه علاقة ماريانا بيه؟ وليه أبويا كان بيحميه؟
خوسيه قعد على صندوق خشب قديم، وسند راسه على إيده، وقال:
الطفل ده اسمه ماتيو. اتولد في نفس السنة اللي اختفت فيها ماريانا. أمه ماتت بعد ولادته بفترة قصيرة، وأبوه كان مسافر ومحدش عرف يوصل له.
إيلينا سألته:
وماريانا عملت إيه؟
هي اللي أخدته وربّته في أول سنين حياته. كانت بتعتبره ابنها، ورفضت تسلمه لأي حد قبل ما تتأكد إن مستقبله هيكون آمن.
قلت باستغراب:
يعني الطفل مش ابنها؟
هز راسه:
لأ، لكنه كان أمانة عندها، وأبوكم كان بيساعدها في تربيته من بعيد.
دانيال اتدخل وقال:
أنا سمعت اسم ماتيو قبل كده من أبويا. كان بيقول إن فيه شخص لو ظهر، كل المستندات القديمة هتتغير.
بصيتله:
تعرف هو فين؟
آخر معلومة عندي إنه عايش في مدينة قريبة، وبيشتغل في ترميم المباني القديمة.
إيلينا مسحت دموعها وقالت:
إحنا لازم نروح لماما الأول.
وصلنا بيت جدي بعد حوالي نص ساعة.
كان البيت قديم، لكن لسه محافظ على نفس شكله اللي فاكره من طفولتي.
الباب كان مفتوح.
دخلنا بهدوء، وسمعنا صوت ست كبيرة جاي من الصالة:
إيلينا… يا بنتي!
إيلينا وقفت مكانها.
كانت ماريانا قاعدة جنب الشباك، شعرها أبيض، وملامحها اتغيرت من السنين، لكن عينيها كانت زي ما هي في الصور القديمة.
إيلينا جريت عليها ووقعت في حضنها.
الاتنين فضلوا يعيطوا من غير كلام.
بعد لحظات، ماريانا مسحت على شعر بنتها وقالت:
كنت مستنياكي من سنين يا حبيبتي.
إيلينا ردت:
ليه سيبتيني؟ ليه ماحاولتيش ترجعي؟
ماريانا غمضت عينيها:
حاولت كتير، لكن كل مرة كنت بخاف إن رجوعي يضرّك. كنت صغيرة، وماكانش عندي دليل يثبت إن اللي حصل لجدك كان مؤامرة.
قربت منها وسألتها:
وإيه حكاية ماتيو؟
بصتلي باستغراب:
عرفتوا اسمه منين؟
حكيتلها عن الصورة والكلام اللي قاله خوسيه.
ماريانا اتنهدت وقالت:
ماتيو مش مجرد طفل كنت برعاه. هو ابن أخت جدك، وكان عنده حق قانوني في جزء من الممتلكات، وده كان السبب الحقيقي اللي خلّى رامون يحاول يخفي وجوده.
خوسيه قال:
بس إحنا كنا فاكرين إن الطفل اتنقل لعيلة تانية!
ماريانا هزت راسها:
اتنقل فعلًا، لكن قبلها جدكم كتب مستند يثبت حقه. والمستند ده هو اللي اختفى.
سألتها:
طب إنتِ ليه ماقلتيش الكلام ده لأبويا؟
ماريانا بصتلي بحزن:
أبوك كان عارف، وكان بيحاول يساعدني. لكنه اكتشف إن فيه حد قريب منكم بيوصل أخباره لروبرتو، فقرر يخبي كل حاجة لحد ما يقدر يحميكم.
لوسيا سألتها:
مين الشخص اللي كان بينقل الأخبار؟
ماريانا سكتت.
وبعدين قالت:
مش هقدر أقول اسمه من غير دليل. لكن فيه جواب من أبوكم هيثبت كل حاجة.
قامت ببطء، ودخلت أوضة جانبية.
رجعت ومعاها صندوق خشبي صغير.
فتحته وطلعت منه مجموعة خطابات، وصورة لرجل شاب.
مدت الصورة ليا:
ده ماتيو.
بصيت للصورة، وحسيت إن فيه حاجة مألوفة في ملامحه.
عيونه كانت شبه عيون أبويا بشكل غريب.
قلبت الصورة، ولقيت مكتوب وراها:
إلى ماتيو، من عمك الذي لم ينسَ وعده.
وتحت الجملة توقيع أبويا.
لوسيا قالت:
يعني أبويا كان بيتواصل معاه طول الوقت؟
ماريانا ردت:
أيوه، لكن ماتيو ماكانش يعرف هويته الحقيقية.
وفجأة طلع صوت موبايل من الصندوق.
كان فيه هاتف قديم، وبدأ يرن.
ماريانا بصت للشاشة، ووشها اتغير.
قالت:
ده ماتيو!
ردت على المكالمة وحطتها على مكبر الصوت.
جالنا صوت شاب:
خالتي ماريانا، أنا وصلت للمكان اللي طلبتيه، ولقيت حاجة غريبة جدًا.
ماريانا سألت بقلق:
لقيت إيه يا ماتيو؟
رد:
لقيت نسخة من مستند جدي، لكن فيه اسم شخص تاني مكتوب في آخره… شخص أنا عمري ما سمعت عنه.
سألته:
مين؟
قال:
أندريس مولينا.
اتجمدت مكاني.
أنا أندريس مولينا! إنت بتتكلم عني؟
سكت الشاب لحظات، وبعدها قال:
يبقى لازم نتقابل فورًا. لأن المستند بيقول إنك مش مجرد وريث للذكريات اللي سابهالك أبوك.
وبصوت مرتبك أضاف:
إنت الشخص الوحيد اللي يقدر يفتح الخزنة اللي فيها أصل مستندات الأرض.
ماريانا حطت إيدها على صدرها وقالت:
الخزنة دي مستحيل تكون لسه موجودة!
ماتيو رد:
موجودة يا خالتي، لكن فيه مشكلة…
إيه هي؟
الخزنة اتفتحت بالفعل، وكل المستندات اختفت، ماعدا ورقة واحدة عليها اسم أبوك.
وقبل ما يقفل المكالمة، قال جملة خلتنا كلنا نبص لبعض في ذهول:
والورقة دي مكتوب فيها إن جدكم كان عنده ابن تالت… غير أبوكم وخوسيه وميجيل!
ماريانا وقفت فجأة، ووشها فقد لونه.
وقالت بصوت بالكاد مسموع:
يبقى هو رجع أخيرًا… الشخص اللي جدكم خبّاه عن العيلة كلها!
لكن قبل ما نقدر نسألها مين هو، وصلنا صوت خبط قوي على باب البيت.
وجالنا صوت راجل من الخارج:
ماريانا… أنا عارف إنك جوا. افتحي، أنا ابنك اللي اتقالك إنه مات!
إيلينا بصت لأمها، وماريانا بدأت ترتعش.
لأن الصوت اللي ورا الباب كان صوت شخص تعرفه جيدًا…
وكان المفروض إنه مات من أكتر من ثلاثين سنة!
ماريانا فضلت واقفة مكانها، عينيها مثبتة على الباب، وإيديها بتترعش.
إيلينا جريت ناحيتها وسندتها:
ماما، إنتِ تعرفي مين اللي بره؟
ماريانا ما ردتش.
الصوت اتكرر، المرة دي كان أقرب وأعلى:
ماريانا، أنا عارف إنك سمعاني. افتحي، كفاية هروب!
خوسيه قرب من الباب، لكنه بص من العين السحرية ورجع خطوتين:
يا نهار أبيض… ده فعلًا هو!
صرخت فيه:
مين؟!
رد وهو مش مصدق نفسه:
ميجيل!
افتكرت كلام خوسيه عن أخوه اللي اختفى من سنين.
لكن ماريانا هزت راسها وقالت:
مش ميجيل… ده ابني.
اتسمرت مكاني.
ابنك؟!
قعدت على أقرب كرسي، وبدأت تحكي بصوت متقطع.
قالت إن قبل ما إيلينا تتولد، كانت ماريانا متزوجة من رجل اسمه إستيبان، وكان عندهم طفل صغير اسمه دانييل.
في يوم، الطفل اختفى من قدام البيت، وبعد أيام وصلتهم أخبار إنه مات في حادث بعيد عن القرية.
لكن ماريانا عمرها ما اقتنعت بالرواية دي.
فضلت سنين تدور عليه، لحد ما جدها طلب منها توقف البحث، وقال لها إن الموضوع أكبر مما تتخيل.
خوسيه كان واقف مش قادر يتكلم:
أنا كنت فاكر إن دانييل مات فعلًا!
ماريانا بصت له وقالت:
لأنك صدقت الكلام اللي اتقالك من غير ما تدور.
في اللحظة دي، خبط الباب تاني.
إيلينا راحت وفتحته.
كان واقف راجل في الخمسينات، طويل، شعره فيه خصلات بيضا، وفي إيده صورة قديمة.
أول ما شاف ماريانا، عينيه اتمَلَت بالدموع:
ماما…
ماريانا قامت بصعوبة:
دانييل؟
الراجل نزل على ركبتيه قدامها، وهي جريت عليه واحتضنته.
فضلوا يبكوا فترة طويلة، من غير ما حد فينا يتدخل.
بعد ما هدي شوية، قعد دانييل وطلع ملف كبير من شنطته.
قال:
أنا ماجيتش أدور على فلوس ولا ميراث. أنا جيت عشان أعرف مين اللي سرق سنين عمري، وليه اتقال لي إن أمي ماتت وأنا طفل.
ماريانا مسكت إيده:
أنا عمري ما نسيتك يا ابني.
دانييل فتح الملف وطلع شهادة ميلاد قديمة، وبعدها مستند تاني.
كان فيه توقيع جدي.
قال:
الشخص اللي رباني كان فاكر إنه بيحميني، لكن قبل ما يموت اعترفلي إنه استلم فلوس عشان يبعدني عن العيلة.
خوسيه سأله:
مين اللي دفعله؟
دانييل طلع صورة لرجل.
أول ما شفت الصورة، حسيت إن قلبي وقف.
كان رامون فيلاسكيز، نفس الرجل اللي اسمه موجود في دفتر الحسابات!
دانييل كمل:
الراجل اللي رباني قال إن رامون كان بيخاف من وجودي، لأن جدي كان كاتب مستند يثبت إن ليا حق في جزء من ممتلكاته، وإن وجودي كان ممكن يمنع الاستيلاء على الأرض.
إيلينا قالت:
يعني كل اللي حصل لماما كان بسبب الميراث؟
دانييل هز راسه:
مش الميراث بس. فيه مشروع خيري كان جدي عايز ينفذه، والأرض كانت مخصصة ليه. رامون كان عايز يسيطر عليها، وأي حد يعترض كان بيحاول يبعده.
في اللحظة دي، موبايلي رن.
كان ماتيو.
رديت بسرعة:
ماتيو، إحنا لقينا دانييل، وماما ماريانا معاه.
لكن ماتيو ما اهتمش بالكلام.
قال بصوت متوتر:
أندريس، لازم تسمعني كويس. أنا اكتشفت إن الخزنة اللي اتفتحت مش هي الخزنة الأصلية.
يعني إيه؟
فيه خزنة تانية في بيت جدكم، وأبوكم هو الوحيد اللي كان يعرف مكانها.
بصيت ناحية ماريانا.
كانت بتبصلي وكأنها مستنية الكلام ده.
ماتيو كمل:
لقيت في الورقة وصف لمكانها. مكتوب إن مفتاحها موجود في القطعة الخشبية اللي كان أبوك بيصلحها بنفسه كل سنة.
فجأة افتكرت رجل الكنبة اللي كان أبويا مصلحها بقطعة خشب مختلفة اللون.
لكن الكنبة اتقطعت، والفني فك أجزاء كبيرة منها.
قلت لماتيو:
أنا فاهم مكانها.
رد بسرعة:
استنى! فيه حاجة أخطر. أنا لقيت كمان مستند بيقول إن الشخص اللي هيقدر يفتح الخزنة مش أندريس مولينا الأب…
سكت لحظة، وبعدها قال:
ده أنت يا أندريس. لأن أبوك سجّل اسمك رسميًا باعتبارك الوصي على الأمانة.
قبل ما أستوعب كلامه، دانييل قام وطلب يشوف المستند.
قراه مرة، وبعدها بصلي وقال:
يبقى لازم تعرف الحقيقة الأخيرة قبل ما تفتح الخزنة.
إيه هي؟
مد إيده وطلع ورقة قديمة مكتوب فيها أسماء الورثة.
كان اسمي موجودًا، واسم لوسيا، وإيلينا، ودانييل، وماتيو.
لكن فيه اسم سادس مشطوب عليه بقلم أحمر.
سألت دانييل:
مين ده؟
بص لماريانا، وبعدها رد:
ده اسم الشخص اللي كان المفروض يستلم الأمانة من جدي، لكنه رفضها يوم وفاته.
قربت الورقة من عيني.
كان الاسم:
خوسيه مولينا.
خوسيه رجع لورا، وبدأ يعيط:
أنا ماكنتش رافض الأمانة… أنا كنت فاكر إن جدي بيطلب مني أشارك في ظلم ماريانا!
لكن ماريانا قالت جملة غير متوقعة:
لا يا خوسيه، إنت رفضتها عشان كنت عارف إن فيه حد تاني في العيلة محتاجها أكتر منك.
بصينا كلنا ليها.
طلعت من شنطتها صورة صغيرة لطفل حديث الولادة، وناولتها لي.
كان مكتوب على ظهرها:
إلى الطفل الذي لم يعرف يومًا أن له عائلة تنتظره.
وتحت الصورة تاريخ ميلاد قديم.
لوسيا بصت للصورة، وبعدها بصت لدانييل وماتيو.
وقالت بصوت مرتعش:
استنوا… الطفل ده مين؟
ماريانا مسحت دموعها وقالت:
ده السر اللي أبوكم فضل يحافظ عليه لآخر يوم في حياته… لأن الطفل ده مش غريب عنكم زي ما فاكرين.
وفجأة دانييل مد إيده وأخد الصورة، وأول ما شاف الوش قال:
أنا شفت الطفل ده قبل كده… وهو مش طفل دلوقتي، أنا أعرفه كويس!
يتبع…
فضل دانييل ماسك الصورة، وعينيه بتتنقل بين ملامح الطفل والاسم المكتوب على ظهرها.
وبعدين رفع رأسه وقال:
أنا أعرف الشخص ده… ده روبرتو!
كلنا اتصدمنا.
روبرتو، ابن عمنا اللي كان واقف معانا من ساعات، واللي ادّعى إنه عايز يساعدنا نرجّع حقوق العيلة!
ماريانا هزت راسها وقالت:
أيوه، روبرتو هو الطفل اللي جدي أخفاه عن الجميع، لكنه ماكانش ابن رامون فيلاسكيز زي ما اتقال زمان. الحقيقة إنه ابن ميجيل، واتربى بعيد عن العيلة بسبب الخلافات القديمة.
خوسيه حط إيده على وشه:
يعني كل السنين دي كنا بنعامل روبرتو على إنه مجرد ابن عمنا، من غير ما نعرف قصته الحقيقية؟
ماريانا ردت:
المشكلة مش في نسبه. المشكلة إنه عرف الحقيقة، وقرر يستغلها عشان ياخد حق مش من حقه.
دانييل أضاف:
روبرتو كان عارف مكان المستند الأصلي، وكان بيحاول يوصل للخزنة قبلنا. لكنه ماكانش يعرف إن أبوكم احتفظ بنسخة من كل حاجة.
وقتها فهمت ليه روبرتو كان مهتم بالكنبة، وليه حاول يعرف إحنا لقينا إيه.
اتصلت بالضابط اللي كان بيتابع الواقعة، وسلمته الرسائل والتسجيلات والمستندات اللي لقيناها.
وبعد مراجعة الأوراق، بدأ التحقيق رسميًا مع روبرتو، ومع كل شخص شارك في تزوير المستندات أو الاستيلاء على الأرض.
لكن كان لسه فيه سر أخير لازم نعرفه.
رجعنا بيت جدي، وبدأنا نفحص رجل الكنبة القديمة اللي أبويا كان بيصلحها باستمرار.
وبعد ما الفني فك القطعة الخشبية، لقينا مفتاحًا صغيرًا مثبتًا داخلها.
أخدناه للخزنة القديمة الموجودة في غرفة المكتب.
المفتاح دخل بسهولة.
فتحنا الباب، ولقينا مجموعة مستندات أصلية، وصندوقًا صغيرًا، ورسالة طويلة مكتوبة بخط أبويا.
فتحت الرسالة وبدأت أقرأ:
يا أولادي، لو الرسالة دي وصلت ليكم، يبقى أخيرًا الحقيقة ظهرت.
أنا سكت سنين مش عشان كنت خايف على نفسي، لكن عشان كنت عايز أحميكم من خلافات أكبر منكم.
جدكم ماكانش عايز يسيب الأرض لحد بعينه. كان عايز يحولها لمركز تعليمي ومكان يساعد الأطفال اللي ظروفهم صعبة.
وماريانا كانت الشخص اللي اختاره عشان تنفذ حلمه.
أنا عارف إنكم هتسألوا ليه ماعملتش ده بنفسي، لكن كنت عارف إن أي خطوة متسرعة ممكن تضيع حقها للأبد.
لو وصلتوا للمستندات، ماتختلفوش عليها. نفذوا وصية جدكم، وخلي الأمانة سبب يجمعكم، مش سبب يفرقكم.
خلصت القراءة ودموعي نزلت من غير ما أحس.
لأول مرة فهمت إن أبويا ماكانش بيحافظ على الكنبة لمجرد إنها ذكرى، لكنه كان بيحافظ على وعد قطعه لأبوه.
وفي الصندوق الصغير لقينا وثيقة الملكية الأصلية، ومعاها مستند قانوني يوضح إن الأرض مخصصة للمشروع الخيري، وإن ماريانا هي المسؤولة عن الإشراف عليه.
مرت شهور من التحقيقات والإجراءات القانونية.
ظهرت الحقيقة كاملة، واتثبت التلاعب في المستندات القديمة، ورجعت الأرض لأصحاب الحق، واتخذت الإجراءات القانونية ضد المتورطين.
أما روبرتو، فاعترف بجزء من اللي عمله بعد ما ظهرت الأدلة، لكنه اضطر يتحمل مسؤولية أفعاله.
وماريانا أخيرًا رجعت تعيش وسط عيلتها.
إيلينا ما سابتهاش يوم واحد في الفترة الأولى، ودانييل بدأ يعوض السنين اللي ضاعت منه.
أما خوسيه، فقرر يساعد في تنفيذ مشروع جدي بنفسه، وقال إنه عايز يقضي باقي عمره يصلح الغلط اللي ساهم فيه زمان.
ومع الوقت، بدأنا تجهيز الأرض.
اتحول المكان اللي كان سبب خلافات طويلة لمركز تعليمي فيه فصول للأطفال ومكتبة وورش لتعليم الحرف.
وسمّيناه:
مركز مولينا للعلم والأمل.
أما برونو، فكان له نصيب من الحكاية دي كلها.
في يوم افتتاح المركز، أخدته معايا.
كان ماشي جنبي بفخر، وكل ما حد يقرب منه يهز ديله.
وقفت قدام الكنبة القديمة اللي احتفظت بجزء من خشبها بعد ما اتصلحت، ومسحت عليها بإيدي.
افتكرت اليوم اللي صرخت فيه على برونو، وافتكرت إزاي كنت فاكر إنه بيبوظ آخر ذكرى ليا من أبويا.
لكن الحقيقة إنه كان بيحاول ينقذني من شيء أنا مش شايفه.
قعدت على ركبتي، وحضنته وقلتله:
سامحني يا صاحبي. أنا كنت فاكر إنك بتاخد مني ذكرى أبويا، لكن إنت كنت السبب إني أعرف حقيقته.
وفي اللحظة دي، لوسيا قربت مني وقالت:
تعرف إيه أكتر حاجة غريبة في كل اللي حصل؟
إيه؟
لو برونو ماقطعش الكنبة، كنا ممكن نعيش عمرنا كله وإحنا مانعرفش الحقيقة.
ضحكت ومسحت على رأسه.
وبعدها طلعت من جيبي صورة أبويا، وحطيتها في إطار جنب صورة جدي وماريانا.
وقفت قدام الصور وقلت:
وعدك اتنفذ يا بابا.
بعد كام شهر، وأنا راجع من الشغل، لقيت برونو واقف قدام باب الصالة وبيشم ناحية قطعة أثاث قديمة تانية.
بصيتله وقلت وأنا بضحك:
إيه يا برونو؟ مش ناوي تفتح لنا قضية جديدة؟
هز ديله وجري ناحيتي.
لكن وأنا بقرب منه، لاحظت إنه مش بيشم الأثاث المرة دي.
كان بيشم شنطة قديمة جبتها من المخزن.
فتحتها، ولقيت جواها دفتر صغير بخط أبويا.
على أول صفحة كانت مكتوبة جملة واحدة:
أحيانًا، الحاجة اللي بنفتكر إنها اتكسرت، بتكون هي نفسها المفتاح اللي يفتح لنا باب الحقيقة.
وقتها فهمت إن قيمة الذكريات مش في إننا نحافظ عليها من الخدوش والتمزق، لكن في الحكايات والمعاني اللي بتفضل عايشة جوانا.
أما برونو، ففضل من اليوم ده ينام جنبي على الكنبة الجديدة.
وعمره ما رجع يقرب من القماش القديم.
النهاية.




