
قلت لنفسي هقولك بعد شهر.
الشهر بقى سنة.
والسنة بقت سنين.
وفي كل مرة كنت أقرر أقولك، كنت بخاف أكتر من رد فعلك على إني سكت كل المدة دي.”
مسحت دموعي بعصبية.
قلت للورقة كأنه قدامي:
— وكان عندك حق تخاف.
آخر الصفحة كان مكتوب:
“لكن فيه سبب تاني خلا وجود مريم في حياتي أكبر من مجرد اكتشاف بنت ضايعة.”
قلبت الصفحة.
“من ثلاث سنين، لما عرفت إني مريض، مريم كانت أول شخص يعرف.”
وقفت.
أنا ماعرفتش بمرضه غير بعدها بشهور.
إيدي بردت.
“ماكنتش مخبي عليكي علشان أثق فيها أكتر منك.
كنت محتاج أتأكد من التشخيص قبل ما أهد عالمك.
مريم كانت في المستشفى يوم التحاليل لأنها تعمل في نفس المجال الطبي.”
افتكرت.
جوزي قاللي وقتها إنه رايح يعمل فحوصات روتينية.
رجع متغير.
بعدها بفترة عرفنا الحقيقة.
الخطاب كمل:
“هي اللي قعدت معايا وأنا منهار.
وهي اللي قالتلي لازم أقولك.
ولما قلتلك، هي اختفت من المشهد زي ما كانت دايمًا بتعمل.”
حسيت بغصة.
مريم كانت موجودة…
على هامش حياتنا.
من غير ما أعرف.
—
تاني يوم اتصلت بيها.
قلت:
— عايزة أشوفك.
قابلتها في كافيه صغير.
دخلت وهي لابسة أبيض برضه.
بصيت لهدومها.
قالت:
— عارفة إنك مستغربة.
قلت:
— جدًا.
ابتسمت بحزن.
— بابا طلب مني.
أول مرة قالت “بابا” قدامي…
الكلمة وجعتني.
قالت:
— آخر مرة شوفته فيها كان تعبان جدًا. قاللي: “لو جيتي جنازتي، متلبسيش أسود. أنا أخدت منك سنين كتير من غير ما أقدر أعلن إنك بنتي. متخليش آخر يوم بينا يبقى كله سواد.”
دموعها نزلت.
— علشان كده لبست أبيض.
سكت.
وفجأة اللبس اللي استفزني يوم الجنازة…
بقى أكتر حاجة وجعتني.
سألتها:
— كنتي بتشوفيه كتير؟
— في الأول مرة كل كام شهر.
— وبعدين؟
— لما مرض… أكتر.
حسيت بالغيرة رغم إنه مات.
قلت:
— يعني لما كان بيقوللي رايح الشغل أو يقابل حد…
قاطعتني:
— لأ.
بصيتلها.
— بابا عمره ما كان بيكدب عليكي علشان يقابلني. أغلب مقابلاتنا كانت في وقت شغله أو المستشفى. وأنا اللي كنت مصرة إن حياتكم متتغيرش بسببي.
قلت بحدة:
— حياتي اتغيرت دلوقتي.
سكتت.
قلت:
— إنتِ كان عندك اختيار تعرفي. هو كان عنده اختيار يعرف. أنا الوحيدة اللي محدش اداني الاختيار.
قالت:
— عندك حق.
بس.
ما دافعتش عنه.
وده خلاني أهدى شوية.
سألتها:
— ليه بعد الجنازة؟
قالت:
— لأنه جبان.
اتفاجئت.
قالت وهي بتعيط:
— وأنا قلتله كده.
ضحكت وسط دموعي لأول مرة.
مريم كملت:
— قبل ما يموت بأسبوع، قلتله لازم يقولك. قاللي: “مش قادر أخلي آخر أيامها معايا تتحول لشك وأسئلة. خليها تودعني وهي فاكرة إن حبنا كان حقيقي.”
قلت:
— وكان حقيقي؟
بصتلي بثبات.
— أنا عرفته تسع سنين بس. إنتِ عيشتي معاه 27 سنة. السؤال ده إنتِ اللي تعرفي إجابته.
الجملة هزتني.
لأن الحقيقة…
أيوه.
كان بيحبني.
السر مايمسحش 27 سنة.
لكن الحب كمان مايمسحش السر.
الاتنين كانوا حقيقيين في نفس الوقت.
—
قلت:
— أولادي لازم يعرفوا.
مريم اتوترت.
— لو إنتِ شايفة كده.
— إنتِ أختهم.
نزلت دموعها.
— أنا مش عايزة منهم حاجة.
— محدش قال حاجة عن الفلوس.
— قصدي مش عايزة مكان.
قلت:
— المكان مش بيتاخد. المكان بيتعمل.
وبعدين سألتها:
— فيه حاجة تانية مخبيّاها؟
سكتت.
وعرفت فورًا.
قلت:
— فيه إيه يا مريم؟
فتحت شنطتها.
طلعت مفتاح.
حطته قدامي.
— بابا سابلك حاجة.
ضحكت بمرارة.
— كمان؟
قالت:
— في مكتب صغير كان مأجره من سنين.
— ليه؟
— كان بيسميه “الأوضة اللي فيها كل الكلام اللي معرفتش أقوله.”
—
روحنا مع بعض.
المكان كان بسيط.
مكتب.
كرسي.
مكتبة.
وصندوق كبير.
فتحت الصندوق بالمفتاح.
لقيت عشرات الظروف.
على كل ظرف تاريخ.
“ذكرى جوازنا الـ20.”
“يوم تخرج ابننا.”
“أول مرة عرفت فيها إني مريض.”
“اليوم اللي قابلت فيه مريم.”
وكان فيه ظرف مكتوب عليه:
“لزوجتي… لو عرفت الحقيقة.”
فتحته.
جواه ورقة واحدة.
“أنا عارف إنك ممكن تكرهيني لما تعرفي.
ومش هطلب منك متكرهينيش.
أنا حرمتك من حقك تعرفي الحقيقة، ودي غلطة ملكيش ذنب فيها.
لكن أرجوكي متعاقبيش مريم على خوفي.
هي طلبت مني أقولك أكتر من مرة.
أنا اللي أجلت.
ولو فيه شيء واحد أتمنى يحصل بعد موتي، فهو إن أولادي يعرفوا إن عندهم أخت.
مش علشان الميراث.
ولا علشان اسمي.
لكن لأنها قضت عمرها تقريبًا وهي تعرف إن لها إخوة، وممنوعة حتى تقول لهم: أنا أختكم.”
انهرت.
قعدت على الكرسي وعيطت.
ومريم فضلت واقفة بعيد.
ماقربتش.
كأنها حتى في اللحظة دي خايفة تدخل مساحة مش بتاعتها.
رفعت عيني.
قلت:
— تعالي.
قربت.
مديت إيدي.
مسكت إيدها.
وقلت:
— أنا زعلانة من أبوكي جدًا.
ضحكت وهي بتعيط.
— وأنا كمان.
قلت:
— ويمكن أفضل زعلانة فترة طويلة.
— حقك.
— بس إنتِ مش مسئولة.
هزت راسها.
قلت:
— وأولادي من حقهم يعرفوا.
—
جمعت أولادي في البيت في نفس الليلة.
ابني قال:
— ماما خوفتينا، فيه إيه؟
بنتي كانت باصة لمريم باستغراب.
قلت:
— قبل ما أقول أي حاجة… عايزاكم تعرفوا إن أبوكم كان بيحبكم جدًا.
ابني قال:
— إحنا عارفين.
أخدت نفس.
— لكن أبوكم مات وهو مخبي عننا حاجة.
حكيت.
من البداية.
لما وصلت للحظة تحليل النسب، بنتي حطت إيدها على بوقها.
ابني وقف.
— يعني الست دي…
قلت:
— أختكم.
الصمت اللي نزل على البيت كان تقيل.
مريم قالت بسرعة:
— أنا مش جاية آخد أي حاجة منكم. والله أنا…
ابني قاطعها:
— استني.
بصلها.
— بابا كان بيشوفك؟
— آه.
— وإحنا معرفناش؟
— آه.
لف وخرج للبلكونة.
بنتي بدأت تعيط.
قالت:
— ليه بابا يعمل كده؟
قلت:
— معرفش أديكي إجابة تريحك.
وده كان أصدق رد.
بعد شوية…
ابني رجع.
بص لمريم.
وسألها:
— عندك صور معاه؟
مريم هزت راسها.
— كام صورة بس.
قال:
— ممكن أشوفهم؟
طلعت موبايلها.
قعد جنبها.
وبدأوا يتفرجوا.
صورة لجوزي وهو بيضحك.
صورة في كافيه.
صورة في المستشفى.
وفجأة ابني وقف عند صورة.
قال:
— دي قبل ما يموت بشهر.
مريم قالت:
— أيوه.
الصورة كان جوزي فيها تعبان جدًا…
لكنه مبتسم.
ابني لمس الشاشة.
وبعدين سألها:
— قالك حاجة عني؟
مريم ابتسمت.
— كتير.
— زي إيه؟
— كان فخور بيك.
بنتي سألت من الناحية التانية:
— وأنا؟
ضحكت مريم وسط دموعها.
— كان بيتكلم عنكم أكتر ما بيتكلم عن نفسه.
ومن هنا…
بدأ شيء جديد.
مش سهل.
ومش مثالي.
لكن حقيقي.
—
مرت ست شهور.
مريم ما بقتش فجأة فرد من العيلة كأن مفيش حاجة حصلت.
كان فيه إحراج.
غضب.
أسئلة.
ابني احتاج وقت.
بنتي قربت منها أسرع.
وأنا؟
كنت في النص.
أوقات أحب وجودها لأنها جزء من الراجل اللي فقدته.
وأوقات أبصلها وأفتكر السر فأغضب.
لكن عمرها ما طلبت مني أسامح أبوها.
وده ساعدني.
في يوم كنا قاعدين سوا.
سألتها:
— ليه مامتك خبت الحقيقة عن أبوكي كل السنين؟
قالت:
— كانت خايفة.
— من إيه؟
— إنها تخسرني.
سكتت.
— جوزها هو اللي رباني. وكانت خايفة لو الحقيقة ظهرت حياتنا كلها تتدمر.




