قصص وروايات

امي رفضت تؤامي

مسكت الموبايل بهدوء ورفعت صوت السبيكر: — أستاذ كريم.. معاك العقيد مريم عبد الرحمن. صوت كريم جه واضح: — معاكي يا سيادة العقيد. — اتصل فوراً برئيس النيابة العسكرية، وبلغه ببلاغ رسمي مني: تزوير في أوراق رسمية، واستيلاء على أموال ومعاملات تجارية باستخدام صفة ضابط عامل في القوات المسلحة.

نجلاء وشها اتخطف والشنطة وقعت من إيدها! أمي صرخت: — تزوير إيه ونيابة عسكرية إيه؟ إنتِ هتحبسي أختك عشان كام جنيه؟ بصيت لأمي في عينها بالنظرة اللي خليتها ترجع خطوة لورا: — التوكيل المزور القروض بتاعته متصلة بحسابات بنكية موثقة باسمي في الخدمة.. يعني دي قضايا أمن دولة، وجنايات تزوير، وعقوبتها السجن المشدد!

نجلاء اترمت على الكرسي وهي بتبكي بهستيريا: — والله هي اللي قالتلي! أمي هي اللي قالتلي امني نفسك وأختك كده كده معرضة للموت في أي وقت في سينا!

وفجأة خبط باب الأوضة، ودخل اثنان من رجال الشرطة العسكرية بزيّهم الرسمي: — يا سيادة العقيد.. قوة الحراسة جاهزة، والأستاذ كريم وصل تحت ومعاه ضباط المباحث.

بصيت لأمي وقلت بنبرة هادية ما فيهاش نقطة ضعف واحدة: — كنت محتاجة أم تشيل ولادي كام أسبوع لحد ما أقوم على رجلي.. بس اكتشفت إن ولادي أنضف بكتير من إنهم يتربوا في وسطكم. الفلوس اللي جابتلكم العربية والنادي والبيت.. هي هي اللي هتقفل عليكم أبواب السجن. شاوريت للضباط: خدوهم من قدامي.. مش عايزة أشوف حد فيهم تاني.

[6] حوت المقاولات والرَّد الحاسِم
بعد ما اتسحبوا برة الأوضة، دخل كريم وقال إن نجلاء ما عملتش كل ده لوحدها؛ الـ 12 مليون جنيه راحت لشخص اسمه طاهر الشيمي، صاحب شركة مقاولات مشبوهة عليه قضايا غسيل أموال، وهو اللي استغل خبر الانفجار ودبّس نجلاء معاه.

وفجأة رن موبايلي برقم غير مسجل، فتحت السبيكر: — أهلاً بسيادة العقيد.. أنا طاهر الشيمي. المتلقي الأخير للـ 12 مليون.. التوكيل فيه إيصالات أمانة وشيكات متوقعة باسم شركاتك، ولو حبستي أختك هحجز على كل عقاراتك بالتنفيذ الجبري ومش هسيبلك أنتِ وعيالك ولا مليم!

مسكت الحافة الحديد للسرير، وضغطت عليها بكل غل ابتسمت ابتسامة باردة وقلت: — أنت نسيت أنا بشتغل إيه يا شيمي.. الفلوس اللي أخدتها، جزء منها كان رايح لتمويل شحنات أجهزة طبية لمستشفيات القوات المسلحة. يعني أنت دخلت نفسك في قضية الإضرار بالمال العام، والتعامل مع مستندات عسكرية مزورة أثناء الخدمة في منطقة عمليات! التلفون ده متسجل، وقدامك نص ساعة.. لو الفلوس ما رجعتش والشيكات اتفرمت، مش هتحصل أختي في السجن العادي.. أنت هتعيش بقية حياتك في لِمَان طرة!

قفلت السكة في وشه، وبصيت لكريم اللي كان مشدوه من الهدوء والسرعة اللي أدرت بيهم الموقف!

[7] إلى أحضان يوسف وليان
بعد ما خرج كريم، ضغطت على زرار الاستدعاء وطلبت العكازين. الممرضة اتخضت: — يا فندم الدكتور قال حضرتك محتاجة راحة أسبوعين كمان! الحوض لسه ما التأمش! بصيت لها بنبرة أمومة قوية: — ولادي في حضانة الطوارئ تحت.. ومش هسيبهم دقيقة واحدة كمان بعيد عن حضني. هاتلي العكازين.

بعد محاولات ووجع يهد الحيل، وقفت على رجلي، مشيت في الممر ببطء، خطوة ورا خطوة.. وكل خطوة كانت بتفكرني إن اللي أخدته في الحرب ما كسَرنيش. نزلت دور الحضانة، وأول ما شفت يوسف وليان نائمين في السراير الصغيرة، الدموع نزلت من عيني.. وطيت بضهري بالعافية وبست راس كل واحد فيهم: — خلاص يا حبايبي.. العاصفة عدت، ومفيش حد في الدنيا دي كلها يقدر يمسكم وأنا عايشة.

[8] الحساب والقرارات الأخيرة
عدت أسبوعين في المستشفى مع علاج طبيعي طاحن. وفي يوم دخل كريم ومعاه ضابط من النيابة العسكرية، وأعلنوا إن طاهر الشيمي رجع الـ 12 مليون بالكامل وسلم الشيكات المزورة.

الضابط العسكري قال: — نجلاء متهمة رسمياً بالتزوير والاستيلاء، ووالدتك ووالدك تم التحقيق معاهم كشركاء. القرار النهائي في إيدك لو حابة تتنازلي عن الحق المدني لوالدتك ووالدك.

كريم فتح الخط لأمي، وجالي صوتها مكسور ومبحوح: — مريم.. يا بنتي حني عليا! أنا أمك! أختك هتتحبس وأبوك ضغطه عالي! سامحينا.. اعفي عن أختك عشان خاطري!

قلت لها بجفاء: — الأمومة مش مجرد كلمتين في شهادة الميلاد يا هدى هانم.. الأمومة حماية وتضحية وسند. وأنتم كلكم بعتوني في لحظة ضعف، وكنتم مستنيين موتي عشان تورثوني وأنا حية. أختك هتاخد جزاء اللي عملته بالقانون.. أنتِ وأبويا الشقة اللي عايشين فيها هترجع ملكيتها للشركة، وهينزلكم منها دخل شهري كفاف يعيشكم مستورين بس من غير أي رفاهية ولا عربيات ولا نوادي.. وده مش عشانكم، ده عشان ربنا ما يحاسبنيش إن سيبت أبويا للشارع.

قفلت السكة ورجعت التلفون لكريم، وأمرت بنقل كل أملاكي وشركاتي لوقف أهلي باسم يوسف وليان تحت إدارة لجنة قانونية عسكرية لحد ما يكبروا.

[9] بعد مرور سنة
شمس الصبح كانت طالعة دافية على ميدان التدريب في إحدى القواعد العسكرية.

أنا واقفة بزيي الميري الكامل، على رجلي الاتنين من غير عكاز ولا مساعدة من حد. النهارده كان يوم خاص جداً.. يوم تكريمي ورجوعي لقيادة وحدتي من جديد بعد التعافي التام.

في المدرجات، كان فيه كرسيين صغيرين قاعد عليهم يوسف وليان، كبروا وبقت ضحكتهم بتملى الدنيا، رافعين إيديهم الصغيرين بيسقفوا أول ما اسمي اتقال في الميكروفون بصلابة: سيادة العقيد مريم عبد الرحمن.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى