
ضربة لا تكسر الظهر
قصة العقيد مريم عبد الرحمن
[1] النداء الأخير من المستشفى
أمي رفضت تاخد بالها من توأمي اللي عندهم سنة واحدة، وأنا مرمية في مستشفى القوات المسلحة بإصابات خطيرة في الحوض والضلوع، بحجة إنها محتاجة وقت تلعب “بادل” مع صحابها. ولما حاولت أطلب مساعدتها، قارنتني بأختي وقفلت السكة في وشي… وهي مش واخدة بالها من حقيقة مدمرة واحدة: إن البيت اللي عايشة فيه، والعربية، والمصايف، وعضوية النادي، وحياتهم المرفهة كلها كانت على حسابي أنا.
اسمي العقيد مريم عبد الرحمن، ضابطة في القوات المسلحة المصرية.
قبل الحادثة بثلاثة أيام، كنت في مهمة رسمية حصل فيها انفجار مفاجئ، واتصابت إصابات بالغة لدرجة إن الدكاترة قالولي إن رجلي ممكن تفضل محتاجة علاج طبيعي شهور طويلة قبل ما أقدر أمشي بشكل طبيعي.
طول عشرين سنة تقريبًا، كنت متعودة أواجه أصعب الظروف وأقود جنود وسط الخطر والفوضى. لكن دلوقتي، وأنا على سرير المستشفى، بقيت مش قادرة حتى أتحرك من مكاني من غير مساعدة.
جوزي كان توفى السنة اللي فاتت، وسابني لوحدي مع توأمي، يوسف وليان، اللي لسه مكملين سنة واحدة. الجيش وفر لهم حضانة طوارئ ورعاية مؤقتة، لكن أنا كنت محتاجة حد من أهلي يقف جنبي. وعشان كده اتصلت بأمي: — ماما، أنا محتاجة حضرتك وبابا تاخدوا يوسف وليان عندكم كام أسبوع بس، لحد ما أتحسن.
سمعت تنهيدة طويلة من الناحية التانية، كأني طلبت منها تسيب حياتها كلها عشاني: — يا مريم، أنا عندي التزامات. وبعدين أنا محتاجة وقتي، عندي تمرين بادل مع صحابي.
بصيت لسقف أوضة المستشفى وأنا بحاول أستوعب اللي بسمعه: — ماما، أنا في مستشفى القوات المسلحة! — وإحنا مش مربية أطفال ببلاش يا بنتي. — أنا اتصبت وأنا في مهمة رسمية! — إنتِ دايمًا عندك مشكلة أو طوارئ! أختك نجلاء عمرها ما بتتعبنا زيك. اتصرفي في نفسك.
وبكل بساطة… قفلت المكالمة.
[2] الهدوء الذي يسبق العاصفة
ماصرختش، وماعيطتش، وماعملتش أي رد فعل. الغضب جوايا كان هادي، لكنه بارد وقاسي. لأني فجأة افتكرت أنا كنت طول السنين اللي فاتت بعمل إيه بالظبط… ومين كان فعلًا مسؤول عن مين.
أنا اللي كنت بدفع إيجار وتمليك البيت اللي أمي وأبويا عايشين فيه.
أنا اللي جبت لهم العربية الجديدة، وكنت بدفع التأمين والصيانة والمصاريف.
أنا اللي كنت بحجز لهم المصايف كل سنة، وبدفع اشتراك النادي اللي أمي كانت بتروحله كل يوم تقريبًا.
ولما سقف البيت باظ، أنا اللي دفعت تكاليف التصليح.
ولما أبويا غرق نفسه في ديون بسبب مشروع فاشل، أنا اللي خلصت عنه كل حاجة.
حتى أختي نجلاء، لما محل الملابس اللي فتحته خسر، أنا اللي غطيت خسارتها وساعدتها تبدأ من جديد.
سنين طويلة من الخدمة، والاستثمار، وشراء العقارات، وبناء مشروعات صغيرة على جنب، خلتني أكون أمنت لنفسي دخل ثابت وثروة محترمة. لكن عيلتي اتعودت على حياتهم دي لدرجة إنهم نسوا تمامًا إنها مش حق مكتسب ليهم.
لكن في حاجة واحدة أمي وأبويا وأختي كانوا ناسيينها:
البيت اللي عايشين فيه… مش ملكهم، مسجل باسم شركة استثمار أنا المالكة الأساسية فيها.
العربية اللي أمي كانت بتعتبرها ملك شخصي ليها، كانت بنظام إيجار تمويلي من حساب أنا اللي بموله.
المرتب الشهري اللي أختي نجلاء كانت بتقبضه تحت اسم استشارات إدارية… كان جاي من واحدة من شركاتي.
في اللحظة دي دخلت الممرضة الأوضة، وبصت في وشي باستغراب: — يا سيادة العقيد، حضرتك كويسة؟ في حد ممكن نتصل بيه؟
مسكت موبايلي بهدوء: — أيوه… اتصلي بالمحامي بتاعي.
[3] قطع الإمدادات
رد عليا الأستاذ كريم بعد أول رنة تقريبًا: — مريم! إنتِ كويسة؟ طمنيني عليكِ. — هبقى كويسة. بس عايزاك توقف كل حاجة فورًا. سكت لحظة، وكأنه فهم من نبرة صوتي إن الموضوع مش عادي: — تقصدي إيه؟ — اقفل كل الكروت والحسابات اللي باسمي أو أنا اللي بمولها لعيلتي. — حاضر. — العربية بتاعة أمي؟ رجعها فورًا. — تمام. — أوقف عضوية النادي. — حاضر. — ووقف التحويلات الشهرية لنجلاء. المحامي سكت ثواني، وبعدين سألني بحذر: — والبيت يا مريم؟
بصيت لصورة يوسف وليان اللي كانت محطوطة جنب سريري، واتنهدت بهدوء: — البيت كمان.
قبل نص الليل، كل التحويلات اتوقفت. كارت نجلاء اترفض وهي بتدفع في محل، وحساب عربية أمي اتجمد. وبدأ موبايلي يرن: ماما.. بابا.. نجلاء. مكالمة ورا مكالمة، ورسائل صوتية ومكتوبة. لكن أنا ما رديتش على أي حد.
[4] السر الأكبر
قبل الفجر بشوية، اتصل بيا الأستاذ كريم تاني، بس المرة دي صوته كان متوتر زيادة عن اللزوم: — مريم… أنا لقيت حاجة في ملفات نجلاء وحسابات العقارات بتاعتك. حسيت بألم شديد في جسمي وأنا بحاول أرفع نفسي من على السرير: — لقيت إيه؟ — نجلاء عاملة توكيل عام رسمي باسمك من ست شهور.. بتوقيع مزور يا مريم! — توكيل إيه؟ وعملت بيه إيه؟ — رهنت الشقة اللي أهلك قاعدين فيها، والعمارة الجديدة بتاعة التجمع.. وسحبت قروض بضمان شركاتك بـ 12 مليون جنيه! بس الكارثة الحقيقية في ورقة مسحوبة من محكمة الأسرة من أسبوعين بس… طلب الحجر وعدم الأهلية. نجلاء وأمك كانوا بيجهزوا ملف طبي وقانوني يثبت إنك غير قادرة عقلياً ونفسياً بعد وفاة جوزك وإصابتك، عشان ياخدوا الوصاية الكاملة على ولادك وعلى كل أملاكك!
الدم هرب من عروقي. الخيانة ماكانتش مجرد جشع، ده كان مخطط مكسوب بالمسطرة للاستيلاء على حياتي وولادي وأنا صاحية.
[5] المواجهة في غرفة المستشفى
وفجأة.. الباب الألوميتال بتاع الأوضة اتفتح بقوة. دخلت أمي بلبس البادل وشها أحمر من الغضب، ووراها أبويا باصص في الأرض، ونجلاء بتتسحب وشايلة شنطة ماركة.
أمي ما سألتش عن صحتي، وقفت عند طرف السرير وزعقت: — إنتِ اتجننتي يا مريم؟ الكارت اتعلم عليه رفض قدام صحابي في النادي! والنادي وقف عضويتنا وسحبوا العربية من تحت البيت! إنتِ عاوزة تفضحينا؟ أبويا اتكلم بصوت مرعوب: — يا بنتي أختك نجلاء كان عندها شيك بمبلغ كبير هينزل الصبح.. لو الحسابات اتجمدت هتتحبس! افتحي الحسابات فوراً! نجلاء قربت بمكر: — مريم.. إحنا كنا بنساعدك وبنشيل عنك حمل الأملاك والشركات عشان تركزي في شغلك العسكري.. افتحي الحسابات ونعدي الأزمة.




