
ثم قال مالك: «أبوك كان الشخص الوحيد اللي قدر يوقف اللي بيحصل في القصر.» قلت: «إيه اللي كان بيحصل؟» مالك بص لي. وقبل ما يجاوب، انطلقت رصاصة من خارج القصر واستقرت في الزجاج فوق راسنا. شدني على الأرض. ثم قال: «اللي قتل أبوكي… هو نفسه اللي أخد أخوكي.» وسكت لحظة. «ولو عايزين نلحق تامر، لازم نروح للميناء قبل الفجر.»
لكن وأنا بجمع حاجتي، لقيت ورقة صغيرة في جيب الزي الطبي. ورقة أنا متأكدة إني ما حطيتهاش هناك. فتحتها. وكان مكتوب فيها: «لو خرجتي مع مالك، مش هتشوفي أخوكي تاني.» وتحت الجملة… كان فيه توقيع واحد: حمدي.
رفعت الورقة قدام مالك. «حمدي.» قرأ الاسم، وسكت. قلت: «يعني حمدي هو اللي ورا كل ده؟» مالك هز رأسه ببطء. «مش بالضرورة.» «إزاي؟ الورقة بتقول لو خرجت معاك أخويا هيموت!» أخد الورقة من إيدي، قلبها، وبص عليها تحت الضوء. ثم قال: «دي مش كتابة حمدي.» «إنت متأكد؟» «أنا عارف خطه.» «يبقى مين كتبها؟» مالك ما ردش.
خرج من جيبه ولاعة، قربها من طرف الورقة. وفجأة ظهر على الورق حبر مخفي، وكلمات ما كانتش باينة قبل كده. قرأتها بصوت مرتجف: «الطريق للميناء مراقب. لا تثقي في أي عربية سوداء.» بصيت له. «يعني نروح إزاي؟» قال: «مش بالعربية.»
خرجنا من باب خلفي للقصر، وجرينا وسط الأشجار لحد ما وصلنا لمبنى قديم تابع للمزرعة. مالك فتح باب حديدي صدئ. جواه كانت عربية نقل قديمة مغطاة بالتراب. قال: «دي هتوصلنا للطريق الزراعي.» ركبت جنبه. وقبل ما يتحرك، سألته: «أبويا كان بيعمل إيه هنا؟» ظل ساكتًا فترة طويلة. ثم قال: «أبوك كان طبيب.» «ده أنا عارفة.» «لكنه ما كانش طبيب عادي.» بصيت له. «كان بيعالج مين؟» قال: «ناس محدش كان يقدر يعالجهم.» «يعني إيه؟» «كان عنده أبحاث عن توافق الأنسجة.» قلبي دق بسرعة. «وتامر؟» «تامر ورث حاجة من أبحاث أبوكي.» سكت. قلت: «إيه؟» قال: «مش هقدر أشرحلك دلوقتي.» صرخت: «كل مرة تقول مش هقدر! أخويا في خطر!» بص لي وقال: «لأن لو قلتلك كل حاجة، ممكن تروحي تنقذيه لوحدك.» «وأنا فعلًا هروح.» «وعشان كده لازم تعرفي إن اللي قدامنا مش مجرد خطف.»
وصلنا للطريق. وبعد دقائق، ظهرت أضواء عربية سوداء خلفنا. مالك بص في المرآة. «متبصيش وراكي.» لكن العربية قربت. ثم بدأت تضرب نور عالي. مالك زود السرعة. العربية وراها زودت السرعة. قلت: «هما لحقونا.» قال: «عارف.» فجأة العربية السوداء حاولت تقطع علينا الطريق. مالك لف بسرعة. العربية انحرفت، لكن اصطدمت بجانبنا. سمعت صوت معدن بيتكسر. العربية بدأت تفقد توازنها. صرخت. مالك شد الدركسيون بكل قوته. اتوقفت العربية أخيرًا جنب مصرف مية. سكتنا ثواني. ثم قال: «انزلي.»
نزلنا وجَرينا بين الأشجار. العربية السوداء وقفت خلفنا. ثلاثة رجال نزلوا منها. مالك أمسك إيدي. «متتكلميش.» اختبينا خلف سور منخفض. سمعنا واحد منهم يقول: «فتشوا المكان.» والتاني رد: «الزعيم عايز الممرضة حية.» تجمدت. بصيت لمالك. همست: «الزعيم؟» هز رأسه. ثم سمعنا صوتًا من بعيد: «ومتأكّدين إنها ما تشوفش الميناء.»
مالك قرب مني وقال: «دلوقتي فهمتي.» «فهمت إيه؟» قال: «هم مش خايفين إنك تنقذي أخوك.» سكت لحظة. «هم خايفين إنك توصلي للميناء.» «ليه؟» قبل ما يرد، ظهر ضوء قوي بين الأشجار. عربية تانية وصلت. لكن المرة دي… نزل منها حمدي. وقفت أنفاسي. حمدي بص ناحية الرجال وقال: «فتشوا الناحية التانية.» مالك شد إيدي. «ما تطلعيش.» لكن حمدي وقف فجأة. وبص مباشرة ناحية المكان اللي مستخبيين فيه. ثم قال بصوت واضح: «مالك… أنا عارف إنك هنا.»
مالك رفع سلاحه. حمدي كمل: «ولو عايز أخوك يعيش…» سكت. ثم قال: «لازم تسلّم لي مريم.» نظرت إلى مالك. ولأول مرة، شفت في عينيه ترددًا حقيقيًا. لكن قبل ما يقول أي كلمة… خرج صوت من جهاز اللاسلكي اللي في إيد حمدي: «تم الوصول للميناء.» حمدي سأل بسرعة: «والولد؟» جاء الرد: «موجود.» ثم صوت آخر قال: «لكن في مشكلة.» حمدي اتوتر. «إيه؟» الرد جاء واضحًا: «الدكتور اللي معاه اختفى.» حمدي بص ناحية مالك. ومالك ابتسم لأول مرة. وقال لي بهدوء: «دلوقتي بدأت اللعبة الحقيقية.»
مالك أشار لي إني أتحرك بهدوء. لكن قبل ما نخرج من مخبأنا، سمعنا صوت حمدي: «مالك… لو خرجت، هتكون آخر مرة تشوف فيها أخوك.» مالك رد من غير ما يظهر: «إنت مش فاهم أنا بدور على مين.» حمدي سكت. مالك كمل: «أنا بدور على الشخص اللي فوقك.» سادت لحظة صمت. ثم ضحك حمدي. «أخيرًا فهمت.»
خرج مالك من خلف السور. أنا حاولت أمسك ذراعه، لكنه أبعد إيدي بهدوء. «خليكي هنا.» وقف قدام حمدي. «أين تامر؟» حمدي قال: «الميناء.» «مع مين؟» «مع الشخص اللي كان أبوك بيخاف منه.» مالك اتغيرت ملامحه. «أبوك؟» حمدي بص لي. «هي ما تعرفش؟» مالك رد بسرعة: «متدخلهاش في الموضوع.» حمدي ابتسم. «هي أصلًا دخلت من أول يوم لبست فيه الزي الأبيض.»
ثم أخرج من جيبه صورة قديمة. ورماها على الأرض. الصورة وقعت قدامي. انحنيت والتقطتها. كانت صورة لأبي. وبجانبه رجل لم أره في حياتي. لكن في الخلفية… كان القصر نفسه. وعلى ظهر الصورة تاريخ قديم جدًا. تاريخ قبل ولادتي بسنوات. وتحت التاريخ جملة بخط أبي: «لو حصل لي حاجة، ابعدوا أولادي عن الدمنهوري.»
يدي بدأت ترتعش. رفعت عيني لمالك. «أبوك كان يعرف أبويا؟» قال: «أيوه.» «وأبويا كان بيحذره منك؟» مالك سكت. قلت: «يبقى ليه جبتني هنا؟» نظر لي طويلًا. ثم قال: «أنا ما جبتكيش.» اتجمدت. «إيه؟» «الشخص اللي اتصل بيكي وعرض عشرة آلاف دولار في الأسبوع… مش أنا.» حمدي قال من بعيد: «وهو ما كانش يعرف إنك هتقبلي.» نظرت إليه. «أمال مين اللي اختارني؟» حمدي لم يجب.




