
وفي نفس اللحظة، جاء صوت سيارة مسرعة من الطريق. كل الرجال التفتوا. عربية إسعاف سوداء توقفت فجأة. نزل منها رجلان، وفتحوا الباب الخلفي. مالك صرخ: «تامر!» جريت ناحية العربية. لكن قبل ما أوصل، ظهر رجل أمامي. كان لابس بالطو أبيض. عرفته فورًا. الدكتور اللي كان مسؤول عن علاج تامر. قلت: «إنت!» ابتسم. وقال: «أخيرًا اتقابلنا.»
مالك رفع سلاحه. الدكتور لم يتحرك. قال: «لو أطلقت، الولد هيموت.» مالك أنزل السلاح ببطء. الدكتور أشار إلى العربية. «تعالي.» قلت: «فين أخويا؟» «جوا.» جريت ناحية الباب. لكن أول ما فتحته… لقيت السرير فاضي. مفيش تامر. مفيش حد. بس كان فيه جهاز تسجيل صغير فوق السرير. اشتغل لوحده. وطلع منه صوت تامر. صوته كان ضعيف جدًا: «مريم…» حطيت إيدي على بقي. «تامر؟» الصوت كمل: «لو سمعتي التسجيل ده… متدوريش عليا.» بدأت دموعي تنزل. «أنا آسف.» ثم سكت. وبعدها قال: «مالك مش عدوك.»
بصيت ناحية مالك. ثم جاء آخر جزء من التسجيل: «والراجل اللي هتلاقيه معاه… هو الشخص اللي لازم تخافي منه.» التسجيل انقطع. الكل سكت. الدكتور ابتسم. مالك قال: «أنت كنت بتسجل له.» الدكتور رد: «أحيانًا.» «فين تامر؟» «في مكان آمن.» مالك تقدم خطوة. رجعه. الدكتور قال: «لما تجيبوا لي الملف.» مالك سأله: «أي ملف؟» الدكتور ابتسم. «ملف أبوها.» بصيت لمالك. «إيه الملف ده؟» لكنه لم يرد. الدكتور قال: «اسأليه.» ثم ركب العربية. قبل ما تتحرك، فتح الشباك وقال لي: «ولو عايزة أخوكي يرجع، دوري على غرفة تحت القصر.»
العربية تحركت. مالك ظل واقفًا مكانه. قلت له: «غرفة إيه؟» لم يرد. صرخت: «مالك!» قال أخيرًا: «غرفة أبوكي.» «فين؟» بص للقصر البعيد. وقال: «تحت المكان اللي حمدي قالك من أول يوم ما تلمسيهوش.» اتسعت عيني. «الستارة؟» هز رأسه. «الستارة.»
رجعنا للقصر قبل الفجر. دخلنا غرفة مالك. وقفت قدام الستارة. هذه المرة لم يمنعني. مددت إيدي… وسحبتها دفعة واحدة. لم يكن خلفها نافذة. كان هناك باب حديدي صغير. وعليه قفل قديم. مالك أخرج مفتاحًا من جيبه. ثم توقف. وقال: «قبل ما نفتحه…» نظرت له. قال: «مهما شوفتي جوه، أوعديني إنك ما هتخرجيش لوحدك.» سألته: «ليه؟» نظر إلى القفل. وقال: «لأن آخر شخص دخل الغرفة دي… كان أبوكي.» ثم فتح القفل
وفي اللحظة اللي الباب بدأ يتحرك فيها… جاء صوت من الداخل. صوت رجل عجوز. قال: «اتأخرتوا.» تجمدنا. مالك رفع سلاحه. أما أنا… فسمعت الصوت مرة تانية. وكان الصوت مألوفًا بشكل مرعب. كان صوت أبي.
فضلت واقفة مكاني، مش قادرة أتحرك. صوت أبي… مستحيل. أبويا مات من سنين. بصيت لمالك وقلت بصوت متقطع: «إنت سمعت؟» هز رأسه. «أيوه.» فتح الباب أكتر.
الغرفة كانت ضيقة، ومليانة ملفات قديمة وأجهزة طبية مغطاها التراب. وعلى الحيطة صور وتقارير متعلقة بحالات مرضية. وفي آخر الغرفة كان فيه كرسي. وعليه جهاز تسجيل قديم. لكن مفيش أي حد. الصوت اللي سمعناه كان خارج من الجهاز. مالك قرب منه وضغط زر التشغيل. وجاء صوت أبي: «لو التسجيل ده اشتغل، يبقى مريم وصلت للغرفة.» شهقت. مالك بص لي. والتسجيل كمل: «ولو مريم وصلت هنا، يبقى تامر دخل في نفس الدائرة اللي حاولت أهرب منها طول حياتي.»
قربت من الجهاز. «بابا…» صوتي خرج ضعيف. ثم قال أبي: «أنا عارف إنك هتسألي ليه سبت لكم أسرار كتير من غير تفسير.» سكت ثواني. «السبب إني كنت بحاول أحميكم.»
بدأت أفتش الغرفة بعيني. على المكتب كان فيه ملف كبير مكتوب عليه: «مشروع الدمنهوري سري للغاية.» مديت إيدي ناحيته. مالك قال: «استني.» لكنّي فتحته. أول صفحة كانت تقريرًا طبيًا قديمًا. والاسم الموجود في أعلى الصفحة كان: مالك الدمنهوري. التاريخ كان من حوالي عشرين سنة. قلبت الصفحة. ثم توقفت. كان فيه تقرير تاني باسم تامر. لكن تامر كان وقتها طفلًا صغيرًا جدًا. بصيت لمالك. «أخويا كان هنا؟» قال: «أيوه.» «إمتى؟» «قبل ما تعرفي إن عنده أي مشكلة.»
بدأت أقرأ بسرعة. وكان واضح إن أبي كان بيتابع حالة تامر من وهو طفل. لكن المفاجأة الأكبر كانت في آخر التقرير. كان مكتوب: «التوافق بين الحالتين غير مكتمل، ويجب عدم إجراء أي تجربة قبل بلوغ المريض السن المناسب.» رفعت رأسي. «أي تجربة؟» مالك لم يرد. قلبت الصفحة الأخيرة. وكان عليها توقيع أبي. وتوقيع شخص آخر. قرأت الاسم: حمدي. اتجمدت. «حمدي كان يعرف أبويا.» مالك قال: «حمدي ما كانش مجرد حارس.»
في اللحظة دي، الباب اتقفل خلفنا. التفتنا بسرعة. كان حمدي واقفًا عند الباب. لكن هذه المرة ما كانش ماسك سلاح. قال بهدوء: «أبوك كان صاحبي.» صرخت: «وصاحبه اللي كان بيخليه يخبي عني وعن أخويا كل حاجة؟» حمدي نزل عينيه. «أبوك طلب مني أحميكم.» «من مين؟» سكت. مالك قال: «من الراجل اللي ماسك المشروع.» حمدي بص له. «أنت لسه فاكر إنك تقدر تواجهه؟» مالك رد: «بعد اللي حصل لأخوك، أقدر.» قلت: «مين هو؟»
حمدي اقترب من المكتب. وأخرج صورة قديمة جدًا. حطها قدامي. الصورة كانت لأبي… وبجانبه رجل شاب. وفي الخلفية كان فيه مالك وهو طفل. لكن الرجل اللي واقف جنب أبي… كان هو نفسه الرجل اللي ظهر لي في المستشفى قبل ساعات. الدكتور. صرخت: «ده الدكتور!» حمدي هز رأسه. «كان شريك أبوكي.» مالك قال: «وكان مسؤول عن التجارب.» حمدي صحح له: «مش كلها.» ثم نظر لي. «أبوك اكتشف إنهم بيستخدموا مرضى من غير علم أهلهم.»



