
— من إيه؟
— إنك تبصلي زي ما إنت باصصلي دلوقتي.
ما رديتش.
قالت:
— أنا بدأت العلاقة بسبب السر. ودي حقيقة مش ههرب منها. لكني كملتها بسببك إنت.
قلت:
— وأنا مش قادر أعرف أنهي لحظة كانت حقيقية وأنهي لحظة كانت جزء من الخطة.
الجملة وجعتها.
بان في وشها.
لكنها قالت:
— وده حقك.
مشيت ناحية الباب.
وقبل ما أخرج، قالت:
— فيه حاجة أخيرة.
وقفت.
— إيه؟
— مهما كان الاسم اللي هتلاقيه في الملف الأحمر… ماتخليش اسم على ورقة يمسح الراجل اللي رباك.
بصيت لها.
قلت:
— دي الحاجة الوحيدة اللي أنا متأكد منها.
وخرجت.
وصلت للكافيه بعد نص ساعة تقريبًا.
المكان كان شبه فاضي.
لقيته قاعد في آخر ترابيزة.
الشخص اللي كبر معايا وأنا فاكره ابن عمي.
قام أول ما شافني.
لثواني، رجعت أشوفه زي زمان.
الولد اللي كان بيخبيلي الحلويات.
اللي اتخانق مع ولد أكبر مننا علشاني.
اللي كنا بننام جنب بعض في بيت جدي أيام العيد.
لكن دلوقتي كل ذكرى بقت عليها علامة استفهام.
قعدت قدامه.
قلت:
— الملف.
طلع ظرف أحمر من شنطة صغيرة وحطه على الترابيزة.
مديت إيدي.
حط إيده فوقه.
— قبل ما تفتحه، عايزك تعرف ليه أخدته.
— شيل إيدك.
شالها.
فتحت الملف.
كان فيه تحاليل كتير.
صور مستندات.
خطابات.
لكن أول حاجة شدتني كانت ورقة عليها اسم أبويا.
وتحتها جملة:
«العينة الأصلية غير صالحة للمقارنة.»
قلت:
— مش فاهم.
قال:
— التحليل اللي خلاهم يعتقدوا إن أخو الست دي هو والدك كان مزور.
— عرفت.
— بس التزوير ماكانش علشان يخبوا أبوك الحقيقي.
— أمال؟
قال:
— كان علشان يخلوا أبوك يبطل يدور.
قلبت الورق.
لقيت تقرير تحليل حديث نسبيًا.
اسم أمي.
اسمي.
واسم رجل ثالث.
قريت الاسم.
مرة.
مرتين.
ثلاثة.
لكن الاسم ماكانش مألوف.
رفعت رأسي.
— مين ده؟
قال:
— الدكتور اللي كان مسؤول عن المستشفى وقت ولادتك.
سكت.
— أنا شوفته فين خلال الست شهور اللي فاتوا؟
طلع موبايله.
فتح صورة.
مدهولي.
كان راجل كبير في السن.
بصيت للصورة.
عرفته.
كان بيقعد كل يوم تقريبًا في الكافيه اللي أنا وهي كنا بنتقابل فيه أول شهور علاقتنا.
راجل كبير هادي، دايمًا قاعد لوحده جنب الشباك.
افتكرت مرة إنه دفع حسابنا بالغلط.
ومرة تانية وقف يكلمني عن الشغل.
ومرة قاللي:
— إنت شبه حد كنت أعرفه زمان.
وقتها ضحكت.
دلوقتي ماكنتش بضحك.
قلت:
— هو كان بيراقبني؟
— أيوه.
— ليه؟
— لأنه عرف إنك بدأت تقرب من الحقيقة.
قلت:
— نتيجة التحليل؟
أشار للصفحة الأخيرة.
فتحتها.
كانت نتيجة إثبات أبوة.
الاحتمال مرتفع جدًا.
إيدي بدأت ترتعش.
قلت:
— يعني ده…
— والدك البيولوجي.
قعدت ساكت.
الغريب إني ماحستش بأي حاجة ناحية الاسم.
لا فرحة.
لا فضول حتى.
مجرد فراغ.
قلت:
— وأمي؟
قال:
— لازم تسمع منها هي. التفاصيل تخصها.
افتكرت كلام أبويا في التسجيل.
ماحكاش حاجة تخص أمي من غير رضاها.
حتى وهو ميت كان بيحافظ على كرامتها.
قفلت الملف.
لكن صاحبي القديم قال:
— فيه ورقة تانية.
فتحت الجزء الخلفي.
لقيت خطابًا موقعًا باسم الطبيب.
قرأته.
كان اعترافًا مكتوبًا قبل سنوات.
بيقر فيه إنه عرف بحمل أمي بعد واقعة حصلت قبل زواجها، وإن جدي حاول يخفي الأمر خوفًا على ابنته وسمعة الأسرة.
الخطاب ما دخلش في تفاصيل الواقعة.
لكن فيه جملة واضحة:
«لم تكن هي صاحبة الاختيار فيما حدث، وكان صمتها نتيجة الخوف والضغط.»
وقفت عن القراءة.
قفلت الورقة فورًا.
ماكانش من حقي أعرف أكتر من كده من ورقة.
دي حكاية أمي.
ولو هعرفها، هسمعها منها.
سألته:
— ليه أخدت الملف؟
قال:
— لأن الراجل ده كان عايزه.
— الطبيب؟
— أيوه.
— ليه؟
— علشان يمحي آخر دليل يربطه بالموضوع.
قلت:
— وأبويا عرف؟
— قبل وفاته بفترة قصيرة.
— وهو اللي خلاك تاخده؟
هز راسه.
— قابلني قبل ما يموت بأسبوعين.
اتصدمت.
— إنت عمرك ما قلتلي.
— خلاني أوعده.
— بإيه؟
— لو حصل له حاجة، آخد الملف وأخبيه لحد ما تبقى مستعد.
ضحكت بمرارة.
— واضح إن أبويا وزع أسراري على نص البلد.
ابتسم بحزن.
— لأ. هو كان خايف إن شخص واحد يعرف كل حاجة فيتعرض للخطر.
الجملة خلتني أسكت.
بدأت أفهم.
أبويا وزع أجزاء الحقيقة.
الظرف عندها.
الملف عنده.
الشريط عند أمي.
المفتاح في مكان تاني.
محدش لوحده كان يقدر يملك القصة كلها.
قلت:
— والحادث اللي حصل لأبويا زمان؟
قال:
— مالوش علاقة بنسبك. كان بسبب شراكته التجارية مع أخوها. مشكلتين مختلفتين اتداخلوا، وده اللي خلا كل حاجة تبان كأنها مؤامرة واحدة.
لأول مرة بدأت الصورة تتجمع.
مفيش طفل اتبدل وعاش حياة غير حياته.
مفيش سر خيالي أكبر من الواقع.
كان فيه بشر.
كل واحد أخطأ بطريقته.
جدي حاول يخفي فضيحة فعمل كارثة أكبر.
موظفة مستشفى قبلت فلوس وعبثت بالسجلات.
شريك أبويا دخل معاه في صراع خطير.
طبيب قضى سنين هارب من مسؤولية ماضيه.
وأبويا…
حاول يجمع الحقيقة من وسط كل الفوضى.
قفلت الملف.
قلت:
— عايز أقابل الطبيب.
قال:
— كنت عارف إنك هتقول كده.
— تعرف مكانه؟
— أيوه.
تاني يوم الصبح، وقفت قدام بيت صغير في حي هادي.
خبطت.
فتح هو.
نفس الراجل.
نفس الراجل اللي شوفته عشرات المرات في الكافيه.
أول ما شافني…
عرف.
ما سألش أنا مين.
قال:
— كنت مستني اليوم ده.
قلت:
— وأنا مش جاي أسمع أعذار.
فتح الباب.
— ادخل.
قلت:
— هفضل هنا.
بصلي شوية.
قلت:
— عندي سؤال واحد.
— اتفضل.
— كنت عارف إني ابنك؟
قال:
— من سنين.
— وليه ماقربتش؟
سكت.
قلت:
— كنت بتقعد قدامي في الكافيه وتشوفني كل أسبوع. ليه؟
قال:
— كنت جبان.
كلمة واحدة.
من غير تبرير.
من غير قصة طويلة.
كمل:
— لما عرفت إنك بدأت تظهر معاها، فهمت إن الماضي رجع. كنت عايز أشوفك… لكن ماكانش عندي حق أدخل حياتك.
قلت:
— وماعندكش الحق دلوقتي برضه.
هز راسه.
— عارف.
مديتله نسخة من الاعتراف اللي في الملف.
— أنا مش هتكلم عن اللي حصل لأمي. دي قصتها هي، وهي صاحبة القرار تعمل إيه.
بص للأرض.
قلت:
— لكن فيه حاجة تخصني أنا.
رفع عينيه.
— أنا مش جاي أدور على أب.
سكت.
قلت:
— كان عندي أب.
عينيه لمعت.
لكن ما اتكلمش.
قلت:
— الراجل اللي رباني، ووقف جنبي، واختار يفضل أبويا حتى بعد ما عرف إن التحليل بيقول غير كده… هو أبويا.
قال بصوت منخفض:
— معاك حق.
لفيت علشان أمشي.
ناداني:
— ممكن أسألك سؤال؟
وقفت من غير ما أبصله.
— إيه؟
— هل ممكن في يوم تسمحلي أعرفك؟
فكرت.
وبعدين قلت:
— مش عارف.
وكانت دي الحقيقة.
لا وعدته.
ولا انتقمت منه.
ولا ادّيتله نهاية مريحة.
خرجت.
رجعت لأمي.
قعدنا لوحدنا ساعات.
لأول مرة، حكتلي الجزء اللي قدرت تحكيه.
ما ضغطتش عليها في التفاصيل.
قالت إن أبويا عرف قبل الجواز إن حياتها كان فيها جرح كبير، لكنه ماعرفش كل التفاصيل غير بعد سنين.
ولما ظهرت نتيجة التحليل…
قال لها:
— إنتِ مراتي، وهو ابني. مفيش نقاش.
قلت لها:
— ليه ماقولتيليش؟
قالت:
— كنت خايفة تخسر صورتك عن أبوك.
مسكت إيدها.
— الحقيقة خلت صورته أكبر.



