
بصيت لها.
هي كانت ساكتة.
صوت أبويا كمل:
«أبو أمك اكتشف إن فيه احتمال إن الطفل مش ابني. خاف على بنته، وخاف إني أسيبها. ولما اتولد طفل تاني في نفس الليلة، حاول يتدخل في السجلات علشان يدفن الحقيقة.»
اتجمدت.
يعني التبديل ماكانش علشان يبدل طفل بطفل فقط.
كان علشان يخفي نسب طفل.
«لكن الموظفة ما نفذتش الخطة بالشكل اللي طلبه. حصل ارتباك، واتغيرت الأساور لفترة قصيرة، ثم رجع كل طفل لأمه قبل الخروج من المستشفى.»
وقفت التسجيل.
بصيت لها.
— يعني مفيش تبديل؟
قالت:
— مش في النهاية.
رجعت شغلت التسجيل.
«السنين كلها اتبنت على افتراض غلط. إنت ابن أمك فعلًا. والولد التاني ابن أمه. لكن التلاعب بالسجلات خلق شك فضل عايش سنين.»
حطيت إيدي على راسي.
كل اللي سمعته عن الطفل التاني كان جزء من فوضى قديمة.
لكن السؤال الأساسي فضل موجود.
مين والدي البيولوجي؟
صوت أبويا كمل:
«لما بدأت أدور على والدك البيولوجي، وصلت لحقيقة كنت أتمنى ما أوصلهاش.»
صمت في التسجيل.
وبعدين قال:
«الراجل ده كان قريب مني جدًا.»
قلبي بدأ يدق بعنف.
«وكان موجود في حياتنا طول الوقت تقريبًا.»
وبعدين التسجيل وقف.
قلت:
— إيه ده؟
قلبت الشريط.
انتهى.
دورت جوه الخزنة.
لازم يكون فيه جزء تاني.
لقيت علبة مكتوب عليها «2».
فتحتها.
فاضية.
قلت:
— الشريط التاني فين؟
هي قربت.
— كان لازم يكون هنا.
بدأنا ندور.
مفيش حاجة.
وفجأة سمعت صوت حركة في الدور الأرضي.
سكتنا إحنا الاتنين.
قلت:
— سمعتي؟
هزت راسها.
خطوات.
حد دخل البيت.
قفلت الخزنة بسرعة.
مسكت موبايلي.
الخطوات قربت.
لحد ما ظهر شخص عند باب المكتب.
وأول ما شوفته…
اتصدمت للمرة التانية في الليلة دي.
كانت أمي.
واقفة قدامنا.
وفي إيدها شريط تسجيل صغير.
قالت:
— بتدور على ده؟
بصيت للشريط.
مكتوب عليه رقم «2».
قلت:
— إنتِ خدتيه؟
قالت:
— من سنين.
— ليه؟
عينيها اتمَلّوا بالدموع.
— علشان أبوك وعدني إنك مش هتعرف اسم الراجل إلا مني.
قربت منها.
— يبقى قوليلي.
سكتت.
— مين أبويا؟
انهارت وقعدت على الكرسي.
فضلت تبكي للحظات.
وبعدين قالت:
— قبل ما أقولك اسمه، لازم تعرف إن أبوك… أبوك اللي رباك… كان أعظم إنسان دخل حياتي.
قلت:
— أنا عارف.
قالت:
— ولما عرف الحقيقة، ما سابنيش.
— أمي… مين الراجل؟
رفعت عينيها ليا.
وقالت:
— الراجل اللي شوفته النهارده في شقتها.
اتجمدت.
بصيت للست اللي واقفة جنبي.
هي نفسها شهقت:
— أخويا؟!
أمي هزت راسها وهي بتعيط.
— أيوه.
ماقدرتش أتكلم.
الراجل اللي كان واقف قدامي من ساعة…
كان والدي البيولوجي؟
لكن أمي قالت بسرعة:
— بس قبل ما تروح تواجهه، اسمع الشريط.
مدت إيدها بيه.
— لأن فيه حاجة هو نفسه ما يعرفهاش.
أخدت الشريط.
شغلته.
رجع صوت أبويا.
«لو وصلت للجزء ده، يبقى عرفت الاسم.
لكن ما تتسرعش في الحكم.
لأن نتيجة التحليل اللي عندي بتقول إنه والدك…
لكن قبل وفاتي بأسبوع، وصلني تقرير جديد أثبت إن العينة الأولى اتبدلت عمدًا.»
رفعت عيني لأمي.
قالت:
— كمل.
صوت أبويا تابع:
«وده معناه إن الراجل اللي قضينا سنين فاكرينه والدك… مش والدك.»
حسيت إني هفقد عقلي.
التسجيل كمل:
«الشخص الحقيقي موجود في الملف الأحمر.»
جريت للخزنة.
فتحتها.
قلبت الملفات.
أزرق.
أسود.
أبيض.
مفيش أحمر.
قلت:
— الملف الأحمر فين؟
أمي بصت للخزنة.
ملامحها اتغيرت.
— كان هنا.
— مين أخده؟
محدش رد.
وفي اللحظة دي، موبايلي رن.
رقم مجهول.
رديت.
صوت الشخص اللي كنت فاكره ابن عمي جه من الطرف التاني:
— بلاش تدور على الملف الأحمر.
قلت:
— هو معاك؟
ضحك ضحكة قصيرة.
— أيوه.
— عايز إيه؟
قال:
— أقابلك لوحدك.
— ليه؟
سكت ثانيتين.
ثم قال:
— لأن أبوك قبل ما يموت اكتشف إن إحنا الاتنين بندور على الأب الغلط.
وبعدين قال جملة خلتني أبص لأمي من غير ما أقدر أتكلم:
— والملف الأحمر فيه اسم الراجل الحقيقي…
والراجل ده لسه عايش.
وإنت شوفته أكتر من مرة خلال الست شهور اللي فاتوا
يتبع
فضلت ماسك الموبايل على ودني، والجملة الأخيرة بتتردد في دماغي:
— الراجل الحقيقي لسه عايش… وإنت شوفته أكتر من مرة خلال الست شهور اللي فاتوا.
قلت بسرعة:
— مين؟
رد الشخص اللي كنت طول عمري فاكره ابن عمي:
— مش في التليفون.
— الملف الأحمر معاك؟
— أيوه.
— أخدته من الخزنة إمتى؟
سكت لحظة، وبعدها قال:
— من أربع سنين.
بصيت لأمي.
كانت واقفة قدامي ووشها شاحب.
قلت:
— ليه؟
رد:
— لأن عمك كان بيدور عليه.
— أنهي عم؟
قال:
— قابلني وهتفهم.
— فين؟
اداني عنوان كافيه قديم على الطريق خارج المدينة.
وبعدين قال:
— تعالى لوحدك.
وقفل.
نزلت الموبايل ببطء.
أمي سألت:
— قالك إيه؟
— الملف معاه.
غمضت عينيها كأنها ارتاحت.
لكن ده خلاني أشك أكتر.
قلت:
— إنتِ كنتِ عارفة؟
— كنت أتمنى يكون هو اللي أخده.
— ليه؟
— لأن البديل كان أسوأ.
— مين البديل؟
سكتت.
صرخت:
— كفاية سكوت!
الصوت رجع صداه في البيت القديم.
قلت:
— من أول الليلة وكل واحد فيكم عنده حتة من حياتي ومقرر يخبيها عني. مرة علشان يحميني، ومرة علشان الوقت مش مناسب، ومرة علشان أبويا طلب كده.
قربت منها.
— أنا عندي 25 سنة. من حقي أعرف أنا مين.
أمي قالت بهدوء:
— معاك حق.
ولأول مرة…
ما حاولتش توقفني.
قالت:
— روح.
بصيت للمرأة اللي بدأت منها الليلة كلها.
كانت واقفة بعيد.
الفستان الأخضر اللي اشتريته لها في عيد ميلادها بقى مجعد ومغطى بالتراب.
قالت:
— هاجي معاك.
قلت:
— هو طلب إني أروح لوحدي.
— وأنا مش هسيبك.
بصيت لها طويلًا.
— ليه؟
سكتت.
قلت:
— ده السؤال اللي لسه محدش جاوبني عليه بوضوح. ليه قربتي مني؟
قالت:
— قلتلك.
— لأ. قلتي إن أبويا طلب منك توصليلي الظرف. ده ما يفسرش إنك تدخلي معايا في علاقة.
دموعها نزلت.
— عندك حق.
— يبقى الحقيقة إيه؟
قعدت على الكرسي.
وقالت:
— أول ما شوفت صورتك على التطبيق عرفتك فورًا.
— من الصور القديمة؟
— أيوه.
— وعملتي إعجاب ليه؟
— في البداية؟ علشان أتكلم معاك وأوصل لك الظرف.
قلت بمرارة:
— وبعدين؟
رفعت عينيها.
— بعدين عملت أكبر غلطة في حياتي.
— حبيتيني؟
— أيوه.
ضحكت من غير فرحة.
— وده المفروض يصلح اللي حصل؟
— لأ.
ردت بسرعة:
— ومش هطلب منك تعتبره مبرر.
سكتت لحظة.
— كان المفروض أول ما اتأكدت إنك إنت، أقولك كل حاجة. لكن كل مرة كنت بحاول… كنت بخاف.




