قصص و روايات

روحت ازور بنتي

محمد دخل الأوضة بسرعة وقفلت نهلة الباب وراهم. محمد جرى عليا وقالي بصوت متوتر ومخنوق: “اهدي يا حماتي اهدي.. والله ما حد أذاها، افهمي بس الأول!”
قمت وصرخت في وشه: “أفهم إيه؟! إنتوا كنتوا مخبيين إيه عننا؟! دي الأصول اللي اتفقتوا عليها؟! دي الشقة اللي بعيد عن بيتكم؟! إيه اللي جابها هنا وإيه اللي بيحصل؟!”

قامت أم محمد من على السرير بصعوبة، وقالت وهي بتلهث: “حقك عليا يا سناء يا أختي.. السر اللي خبيناه عليكي كان خوفاً من الكلام، بس خلاص، جه الوقت اللي تعرفي فيه الحقيقة.”
رجعت لورا خطوة وأنا حاضنة منة ضماها لصدري، ودموعي نازلة زي المطر.
أم محمد كملت وهي بتعيط بحشرجة: “محمد ابني.. بيجيله من صغره نوبات صحية (مرض مزمن مرتبط بالتوتر والصرع) بتخليه محتاج رعاية خاصة وهدوء تام لفترات، وفي الأوقات دي بيبقى مش في صهره الكامل ومحتاج انعزال تام.. عشان كده حطيناه في بيت لوحده بعيد عن الناحية التانية من البلد، بس للأسف الخوف من إن الخبر ينتشر خلانا نتكتم على الموضوع وما نوضحهوش من الاول بالشكل الكافي.”

قلبي اتخلع من مكانه، بصيت لمحمد. عرفت ليه نهلة أخته ضحكت يوم الفرح، لأنها كانت عارفة إن الموضوع كبير ومخفي. قولت بصوت مبحوح: “يعني إنتوا اتجوزتوها وانصدمت في ظروف زي دي من غير ما تبلغونا بصراحة كاملة من الأول؟!”

محمد نزل على ركبه قدامي وبكى بدموع حقيقية: “والله العظيم يا حماتي أنا بحب منة! الدكاترة قالولي إن الاستقرار والزواج ممكن يساعدوني، بس النوبات بتجيلي أحياناً بشكل مفاجئ وبتخليني مش واعٍ للي حواليا.. ومراتي كانت بتتحمل معايا كتير وبتخاف تقولك عشان ما تقلقكيش، والصبح حصلت معايا نوبة تعب مفاجئة وأمي جت عشان تساعدني فوقعت واتخبطت في رأسها!”

منه كانت حاضناني وبتعيط بصوت يقطع القلب وقالتلي: “يا ماما.. هو في الأيام العادية بيكون إنسان طيب جداً، بس لما بتجيله الحالة بيبقى محتاج حد جنبه وأنا كنت خائفة.. وما حبتش أخرب بيتي ولا أقلقك عليّا..”

الكلمات كانت بتنزل عليا زي الخناجر. السر اللي عملوا المستحيل عشان يداروه.. مش إنهم شريرين، بل إنهم حبوا يخفوا ظروف محمد الصحية خوفاً من نظرة المجتمع، فوقعوا بنتي في ضغط نفسي وعصبي وهي لا تحتمل.

وقفت، ماسكة إيد منه بقوة وقلت لمحمد وأمه: “كان المفروض تصارحونا من الأول وتكونوا أمنا، مش تسبوا بنتي لوحدها تواجه الظروف الصعبة دي من غير ما نعرف! لو الوضع كده، مكانش ينفع تكتموا الحقيقة.”
أم محمد بكت وقال: “سامحينا يا سناء.. إحنا غلطنا عشان خفنا من كلام الناس.”
صرخت فيها: “الخوف مش على حساب حياة بنتي وراحتها النفسية! لو كانت تعبت أكتر من كده كنتوا هتعملوا إيه؟!”

محمد قام وقف وقرب مني وهو بتلخبط وبيترجاني: “يا حماتي، أنا هبدأ علاج حقيقي، بس ما تاخديش منه مني.. أنا بحبها!”
بصيتله بجدية وقولتله بصوت حاسم: “بنتي مش هتقعد في الظروف دي ثانية واحدة كمان.. إنت محتاج رعاية طبية متخصصة ومكانك الحقيقي مع أهلك للمتابعة الصحية السليمة، مش بالطريقة دي. منه ماشية معايا حالا، وورقة طلاقها تجيلي لحد بيتي في القاهرة، لأنها ما تقدرش تستمر في وضع مش واضحة معالمه من الأول.”

محمد وأمه ونهلة اتجمدوا في مكانهم. مسكت إيد منه، وشدتها من الأرض. البنت كانت خايفة ومترددة، بس لمست في عيني إصرار الأم. منه بصت لمحمد بصة ألم ووداع، وجمعت بقايا قوتها وقامت معايا.
محمد حاول يوقف في طريقنا عند الباب، بس بصيتله بصة حستره وقريت السلام. خرجت من البيت وأنا ماسكة إيد بنتي، والبلد كلها كانت هادية والزرع حولين الطريق متعرج زي ما قال.. بس المرة دي كنت ماشية بخطوات ثابتة وسريعة.

ركبنا أول عربية رايحة القاهرة. وقعدت جنبي في العربية، حاطة رأسها على كتفي، ونامت من التعب والإرهاق.
أول ما وصلنا بيتنا في القاهرة، دخلتها أوضتها القديمة، غطيتها، وبست رأسها.
وبعد أسبوع واحد.. تم الطلاق بهدوء وبدون مشاكل، ورجعت لمنه كل حقوقها.

قعدت مع منه في البلكونة، بنشرب شاي في القاهرة، والشمس طالعة بتدفي المكان. منه بصتلي وابتسمت لأول مرة من شهر، ابتسامة حقيقية طالعة من قلبها وقالتلي: “شكراً يا ماما.. لو ماكنتش جيتي في اليوم ده، كنت هفضل تايهة وخايفة لوحدي.”
ضمتها لصدري وقولتلها: “قلب الأم دليل يا منة.. وأنا أمك، ومفيش قوة على الأرض تقدر تخليكي تضيعي وأنا حية يرزق.”
قالتلي بدموع: “بس أنا كنت بحبه.. وبتمنى له الشفاء.”
ابتسمت وقولتلها: “ندعي له ربنا يشفيه، بس أولويتي هي سلامتك وأمانك. ومفيش حاجة في الدنيا تعوض راحة بالك.”
منه ابتسمت وحضنتني وهي مطمنة.

ومن يومها، عرفت إن الأصول هي الوضوح والأمان والرحمة، وإن حماية الأبناء هي الأولوية التي لا يعلوها شيء.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى