
— طارق حبيبي! حمد الله على السلامة، وصلت؟
— أمي فين يا نيرة؟
سكتت لحظة.
— في إيه يا طارق؟ في البيت طبعاً، تكون فين يعني؟
بصيت لأمي وهي نايمة قصادي على السرير:
— متأكدة؟
— طارق، مالك؟ في إيه؟
— تليفونها فين؟
نفسها بدأ يعلى وتغير:
— مش عارفة… هي دايماً بتنسى حاجتها وبترميه في أي حته.
— أنا بكره نازل البيت عشان أطمئن على كل حاجة.
— ما تعملش مشاكل وتسمع كلام مريم وتخرب بيتك بإيدك!
الكلمة دي جمدت الدم في جسمي.
أنا أساساً ما جبتش سيرة إنني مع مريم ولا ذكرت اسمها.
— وأنتِ عرفتي منين إنني مع مريم؟
نيرة قفلت السكة في وشي.
محدش نطق بحرف لعدة ثواني.
تاني يوم، رجعنا الشقة مع المحامي وجارنا الكبير.
نيرة أول ما شافتني داخل ومعايا مريم والمحامي، وشها اصفر.
— إيه ده؟ هي لحقت تملى دماغك بالأوهام والإشاعات؟
ما رديتش عليها.
دخلنا جوه. أمي كانت قاعدة عند الجارة تحت عشان صحتها.
دخلت أوضة أمي، ولقيت في درج وراني إيصالات ومحادثات قديمة تثبت حجم سوء التفاهم والتدبير اللي حصل عشان أبعد عن أهلي.
نيرة بدأت تعيط بانهيار:
— والله ما أنا وحدي! ده كان فيه تنسيق من سامح!
— وأنتِ كنتِ بتعملي إيه؟!
— كنت خايفة!
ضحكت بكسرة ومرارة:
— خايفة من إيه؟
— من إننا نخسر كل حاجة!
مريم وقفتني بهدوء وقالت:
— المهم إن الحانت ظهرت، ومش مهم مين غلط قد ما مين كمل.
علاقتي بنيرة انتهت في نفس اليوم بهدوء، مش انتقاماً، بس لأنه ما بفضلش أي أرضية يتبنى عليها كلام اسمه “ثقة”.
وسامح ابتعد تماماً بعد ما اتكشفت كل الترتيبات اللي عملها.
بس كل ده ما كانش هيصلح أهم حاجة… أمي… ومريم.
الجزء الثالث
أمي قعدت أسابيع تتعالج وترتاح.
مريم كانت بتيجي المستشفى كل يوم الصبح بدري.
تجيب لها أكل خفيف، وفاكهة، وعصير.
في يوم، شفت مريم بتسرح شعر أمي عند الشباك.
وقفت عند الباب وبصيت عليهم.
زمان، كنت فاكر إني لو شفت مريم تاني هطالبها بتوضيحات وأعاتبها.
دلوقتي، أنا اللي واقف ومحتاج أطلب العفو.
— مريم…
لفت وشها ليا:
— نعم يا طارق؟
— أنا آسف… حقك عليا.
— ما فيش داعي للكلام ده دلوقتي.
— لا، فيه داعي.
قربت منها وقلت:
— لما جيتي تحذريني زمان، قلت عليكِ طمعانة. ولما قلتي إن أمي في خطر، ما صدقتكيش.
سكتت خالص.
— والأوسخ من ده كله… إني ما ديتكيش فرصة تدافعي عن نفسك.
مريم بصت لأمي وقالت بصوت واطي:
— أنا كمان أغلطت في جوازنا يا طارق.
— أنا مش بتكلم عن أخطائك… أنا بتكلم عن جريمتي أنا في حقك.
دمعتين نزلوا من عين مريم بالراحة.
— عارف إيه أكتر حاجة وجعتني؟ — سألتني.
هزيت رأسي بـ لا.
— مش إنك طلقتني… اللي وجعني إنك بعد سنين جواز، افتكرت إني ممكن أؤذي أمك.
ما لقيتش رد أقوله، لأنها كانت صح.
— أنا عمري ما طمعت في حاجة… أنا كل اللي كنت عاوزاه إنك تسمعني.
وطيت رأسي في الأرض:
— أنا عارف دلوقتي…
— للأسف عرفت متاخر.
الكلمة دي هتعيش معايا طول عمري.
أمي بعد ما خرجت ما رضيتش ترجع الشقة القديمة، فأجرت لها شقة صغيرة قريبة ومريحة.
ورجعت لمريم كل جنيه دفعته في علاج أمي والمستشفى.
في الأول رفضت شديد:
— أنا ما عملتش كده عشان آخد منك فلوس.
— عارف يا مريم… بس دي مصاريف أمي وأنا المسئول عنها، وده حقك.
وبعد تحايل قبلت الفلوس.
بس الدبلة الفضة اللي باعتها… عمرها ما هترجع.
لما سألتها لو تحب أشتري لها واحدة غيرها، ابتسمت بحزن وقالت:
— لا يا طارق… الدبلة دي كانت بتاعة حياة تانية وانتهت.
اتوجعت، بس فهمت.
مش كل حاجة اتكسرت ينفع ترجع زي الأول.
عدت شهور.
صحة أمي تحسنت كتير ورجعت تمشي وتضحك تاني.
مريم لسه بتزورها، وأوقات بيطبخوا سوا، وأوقات بيتخانقوا على الملح في الأكل زي زمان.
أنا بقعد أراقبهم من بعيد.
ما نعرفش إيه اللي ممكن يحصل بيني وبين مريم في المستقبل.
مش هضحك عليك وأقولك إننا رجعنا لبعض وكل حاجة بقت تمام والقصة انتهت بنهاية سعيدة.
الحياة مش فيلم سينما.
مريم بتحاول تتعلم تثق تاني… وأنا بتعلم إني ما أخلطش بين العيلة والولاء الأعمى بدون تفكير.
يمكن ما نرجعش لبعض أبداً كزوج وزوجة… وده حقها ولازم أحترمه.
لأن الاعتذار بيعترف بالذنب، بس ما بيجبرش حد يرجع للمكان اللي اتجرح فيه.
من فترة، كنت باخد أمي للعيادة، ومريم كانت مستنيانا بره.
أمي تعبت في المشي، فجيت أشيلها على ضهري.
أمي ضحكت بصوت عالي وقالت:
— جيت أهو افتكرت تشيلني يا طارق؟
ضحكنا إحنا الثلاثة… بس عيني اتملت دموع.
افتكرت اليوم ده في الموقف…
مريم وهي شايلاها على ضهرها، وكيس الدواء… والجدعنة اللي ما تنتميش لأي مصلحة.
لو الباص بتاعي يومها اتأخر ساعة واحدة… ما كنتش هشوفهم أبداً.
كنت هرجع البيت، وكنت هعيش باقي عمري مغفل ومصدق الكذبة.
طول سنتين كنت فاكر إن مريم هي اللي خربت حياتي…
لكن الحقيقة إنها الإنسانة الوحيدة اللي شالت أمي على ضهرها، وساعدتها، ونامت على الأرض عشان أمي ترتاح.. وسكتت وتحملت.
الخسارة الحقيقية اللي اتعلمتها… إنك تخسر إنسان كان بيقولك الحقيقة وأنت اخترت تصدق غيره.
أمي قالتلي جملة من يومين ومش بتروح من بالي:
— يا بني… فيه ناس بتطلع من حياتك كزوج أو زوجة أو صاحب… بس عمرهم ما بيطلعوا من أصلهم ونضافتهم.
وبعدين مسكت إيدي وقالت:
— وأنت اتعلم درس يا طارق… أوعى تحكم مين صح ومين غلط وأنت مش سامع غير اللي بيلون الكلام.
الكلمة دي محفورة في قلبي.
كنت فاكر إن حماية عيلتي يعني أدافع عنهم وخلاص.
دلوقتي عرفت إن الحماية الحقيقية إنك تبص جوه بيتك بشفافية وتشوف الصح وتصلحه… وأهم حاجة: إنك تسمع اللي بيحبك بجد.
النهاية
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




