
أول حاجة شفتها كانت مجموعة روشتات قديمة، وبعدها علبة معدنية صغيرة، وفوقها ظرف أبيض مكتوب عليه بخط إيد جوزي: إلى ماري… لو في يوم عرفتِ سر الفطار.
إيديا اتجمدت.
قعدت على طرف السرير، وفضلت أبص للظرف فترة طويلة.
ليه كتب اسمي؟ وإزاي كان متوقع إني هكتشف السر ده؟
فتحت الظرف ببطء.
جواه جواب من أربع صفحات، لكن أول سطر كان كفاية يخليني أحس إن قلبي هيقف.
كان كاتب: يا ماري حبيبتي… لو إنتِ بتقري الكلام ده، يبقى غالبًا حصلت حاجة كنت خايف منها طول عمري. فيه سر خبيته عنك سنين، ومهما حاولت أقنع نفسي إني بحميكي، عارف إنك ممكن تعتبريني أكتر شخص ظلمك في حياتك.
وقفت عن القراءة.
دموعي نزلت على الورقة، وبدأت أفتكر كل مرة كان يبتسم لي فيها وهو بيحط الفطار قدامي.
كملت.
من خمسة وثلاثين سنة، حصلت واقعة في المعمل اللي كنت بشتغل فيه. في اليوم ده، اكتشفت إن فيه خطأ خطير في ملف طبي مرتبط باسمك. حاولت أصلح الغلطة، لكن مدير المعمل منعني، وضغط عليّ إني لو اتكلمت، هتكون حياتك في قلق.
شهقت وأنا بقرأ.
إيه علاقة اسمي بمعمل ما رحتوش في حياتي؟!
قلبت الصفحة التانية، ولقيت جوزي كاتب: بعدها بشهور، بدأت ألاحظ إن صحتك بتتغير. كنت خايف أواجهك بالحقيقة قبل ما أتأكد من اللي حصل. ولهذا السبب، طلبت فحوصات إضافية، واحتفظت بكل النتائج في مكان محدش يقدر يوصل له.
وقفت لحظة، وبعدين فتحت العلبة المعدنية اللي كانت في الدرج.
لقيت جواها عشرات الأوراق، وكل ورقة عليها تاريخ مختلف.
لكن ورقة واحدة كانت مختلفة عن الباقي.
كانت نتيجة تحليل قديمة باسمي، وتحتها ملاحظة مكتوبة بخط جوزي: يجب التأكد من مصدر المادة الموجودة في العينة قبل اتخاذ أي قرار.
المادة؟!
نفس الكلمة اللي الدكتور قالها في المعمل!
رجعت للجواب بسرعة، وبدأت أقرأ آخر صفحة.
يا ماري، لو وصلتي للمرحلة دي، يبقى لازم تعرفي إن البرطمانات اللي فوق دولاب المطبخ مش هي البداية. الحقيقة بدأت قبلها بسنين، في يوم رجعت فيه البيت ومعايا ملف ما كانش المفروض أشوفه أبدًا.
وفي آخر السطر، كتب عنوان مكان قديم، وبعده جملة واحدة: لو عايزة تعرفي مين حط المادة دي في حياتك، دوري على الملف رقم ١٧.
في اللحظة دي، سمعت صوت موبايل جوزي القديم بيرن من جوه درج المكتب.
اتخضيت، لأن الموبايل ده كان مقفول من يوم غيابه!
الشاشة نورت، وظهر عليها إشعار برسالة وصلت للتو من رقم مجهول.
فتحت الرسالة بإيد بتترعش.
كانت مكتوبة فيها جملة واحدة: ماري، لو فتحتي جواب جوزك، يبقى إنتِ دلوقتي في قلق… وما تروحيش للعنوان المكتوب في الورقة!
والأغرب إن الرسالة انتهت باسم الشخص اللي كان واقف جنب جوزي في الصورة القديمة!
يتبع…
فضلت ماسكة الموبايل القديم، وباصّة للاسم اللي ظهر في آخر الرسالة، وأنا حاسة إن نفسي بيتسحب مني.
إزاي الراجل ده عارف إني فتحت جواب جوزي؟!
وإزاي عرف إن فيه عنوان مكتوب في الورقة، مع إن محدش دخل البيت من ساعة ما رجعت من المعمل؟!
حاولت أتصل بالرقم اللي بعت الرسالة، لكن الموبايل فصل فجأة.
شغّلته تاني، لقيت الرسالة اختفت!
كأنها ما وصلتش أصلًا!
قلبي بدأ يدق بعنف، لكني قررت ما أستسلمش للقلق. رجعت للدرج، ولمّيت كل الأوراق القديمة، وبدأت أدور على الملف رقم ١٧.
بعد حوالي نص ساعة، لقيت ملف بني صغير محشور تحت قاعدة الدرج الخشبي.
كان عليه رقم ١٧ مكتوب بقلم أسود.
فتحته بسرعة.
أول ورقة كانت صورة من بطاقة هويتي القديمة، وتحتها تقرير طبي بتاريخ يرجع لأكتر من خمسة وثلاثين سنة.
لكن اللي صدمني إن التقرير كان مكتوب فيه إني خضعت لفحوصات في معمل عمري ما سمعت عنه، في فترة كنت فاكرة إني ما كنتش مريضة فيها أصلًا!
قلبت الورقة اللي بعدها، ولقيت توقيع جوزي.
وبجانبه توقيع شخص تاني.
نفس التوقيع الموجود على الصورة القديمة!
وفجأة، افتكرت اسم الراجل اللي كان ظاهر جنب جوزي في الصورة.
كان اسمه الدكتور يوسف منصور.
الاسم ده ما كانش غريب عليّا تمامًا.
قبل غياب جوزي بشهرين، كنت قاعدة معاه في الصالة، وفجأة رن تليفونه. أول ما شاف الاسم على الشاشة، قام ودخل المكتب وقفّل الباب وراه.
ولما خرج، كان وشه شاحب بشكل عمري ما شفته عليه.
ساعتها سألته: مالك يا حبيبي؟ مين اللي كلمك؟
رد بسرعة: مجرد زميل قديم، مفيش حاجة تستاهل تقلقي عليها.
لكن دلوقتي، وأنا ببص للتوقيع الموجود على التقرير، فهمت إن المكالمة دي ما كانتش عادية.
في صباح اليوم التالي، قررت أروح العنوان المكتوب في جواب جوزي، رغم الرسالة اللي حذرتني.
ما كنتش ناوية أروح لوحدي، فاتصلت بابني الكبير، وطلبت منه ييجي ياخدني من غير ما أحكيله تفاصيل كتير.
ولما وصل، لاحظ إني متوترة.
سألني: مالك يا ماما؟ إنتِ من امبارح مش على بعضك.
بصيت له وقلت: محتاجة أعرف حقيقة تخص باباك، وحاسة إن فيه حاجات كتير اتخبّت عني.
اتغيرت ملامحه.
بابا؟! إيه اللي حصل؟
حكيتله عن البرطمانات، وغياب بوبي، ونتيجة التحليل، والملف رقم ١٧.
فضل ساكت فترة طويلة، وبعدها قال: أنا فاكر إن بابا كان بيزور مكان قديم كل شهر تقريبًا، وكان بيرجع منه متضايق. ولما كنت بسأله، كان يقولي إنه بيراجع أوراق معاشه.
سألته بسرعة: فاكر المكان ده فين؟
هز راسه وقال: أيوه يا ماما. كان في منطقة صناعية قديمة، جنب مبنى معمل كبير اتقفل من سنين.
طلعت الورقة من شنطتي، ووريته العنوان.
وشه اتغير فورًا.
هو ده المكان!
بعد حوالي ساعة، وصلنا قدام مبنى قديم، الشبابيك بتاعته مكسورة، واللافتة اللي فوق الباب اختفت معظم حروفها.
نزلت من العربية، وقلبي بيدق بسرعة.
كان فيه حارس عجوز قاعد جوه غرفة صغيرة عند المدخل.
لما قربنا منه وسألناه عن الدكتور يوسف منصور، رفع عينيه ليا، وفضل يبص في وشي لثواني طويلة.
وبعدين قال بصوت واطي: إنتِ ماري؟
اتجمدت مكاني.
أيوه… إنت تعرفني؟!
قام من كرسيه ببطء، وفتح درج مكتبه، وطلع ظرف بني قديم.
الدكتور يوسف ساب الظرف ده عندي من سنين، وقال لي لو ماري جت بنفسها في يوم من الأيام، أسلمهولها.
مد إيده بالظرف، لكن قبل ما آخده، مسك إيدي وقال: بس قبل ما تفتحيه، لازم تعرفي إن جوزك رجع هنا قبل غيابه بأسبوع واحد بس.
حسيت إن رجلي مش شايلاني.
إيه؟! جوزي كان هنا قبل ما يغيب بأسبوع؟!
هز راسه.
وأصرّ إنه يقابل الدكتور يوسف، رغم إن الراجل ده اختفى من المكان من سنين طويلة.
فتحت الظرف بسرعة، ولقيت جواه مفتاح صغير، وصورة فوتوغرافية، وورقة مكتوب عليها: الغرفة رقم ٦… كل الإجابات هناك.
بصيت لابني، وهو بص لي بنفس الصدمة.
دخلنا المبنى، وبدأنا نمشي في ممر طويل، لحد ما وصلنا لباب عليه رقم ٦.
المفتاح فتح الباب بسهولة.




