روايات وقصص

وقعت في حب ست اكبر من امي

الخبط على الباب اتكرر.

ثلاث خبطات بطيئة.

نفس الإيقاع بالظبط.

بصيت لها وقلت:

— مين اللي بره؟

ما ردتش.

كانت واقفة مكانها، وشها شاحب وعينيها ثابتة على الباب.

قلت بعصبية:

— إنتِ قولتي إن الشخص ده كان مستني إني أعرف الحقيقة… مين هو؟

همست:

— ماتفتحش.

بصيت لها باستغراب.

— ليه؟

— أرجوك… اسمع كلامي المرة دي.

الخبط اتكرر.

وبعدين صوت راجل جه من ورا الباب:

— أنا عارف إنك جوه.

هي شهقت.

أما أنا…

فاتجمدت.

الصوت كان مألوف بطريقة غريبة.

مش قادر أحدد سمعته فين، لكن كان فيه حاجة جواه رجعتني سنين لورا.

قربت من الباب.

مسكت دراعي بسرعة:

— لأ!

بصيت لإيدها اللي ماسكاني.

— سيبيني.

— لو فتحت الباب قبل ما تقرأ رسالة أبوك، كل حاجة هتتلخبط.

قلت:

— حياتي متلخبطة أصلًا من ساعة ما لقيت الصورة.

وشديت دراعي من إيدها.

فتحت الباب.

كان واقف قدامي راجل في أواخر الخمسينات تقريبًا.

طويل، شعره أغلبه أبيض، لابس بدلة رمادي بسيطة.

لكن أول حاجة شدت انتباهي ماكنتش هدومه.

كانت عينيه.

فضلت باصص له.

وهو فضل باصصلي.

الغريب إنه ما سألش أنا مين.

بالعكس.

أول ما شافني، ملامحه اتغيرت.

وقال:

— كبرت.

حسيت بقشعريرة في جسمي.

قلت:

— إنت تعرفني؟

قبل ما يرد، هي ظهرت ورايا وقالت بعصبية:

— إنت بتعمل إيه هنا؟

ابتسم ابتسامة باردة.

— عيد ميلادك… مش المفروض أقول كل سنة وإنتِ طيبة؟

قالت:

— امشي.

بص ناحيتي.

وبعدين بص للظرف اللي في إيدي.

ابتسامته اختفت.

— يبقى لقيته.

قلت:

— تعرف الظرف ده؟

رد من غير تردد:

— أكتر منك.

هي قربت وقالت:

— اخرج من هنا.

لكنه تجاهلها تمامًا.

وقاللي:

— قبل ما تصدق أي كلمة مكتوبة جواه، افتكر إن أبوك كان عنده أسباب كتير يخبي الحقيقة.

قلت:

— إنت مين؟

سكت لحظة.

وبعدين قال:

— اسألها.

بصيت لها.

كانت عينيها مليانة خوف.

قلت:

— مين الراجل ده؟

ردت بعد تردد:

— أخويا.

اتصدمت.

بصيت له تاني.

— أخوكي؟

قال هو:

— للأسف.

قلت:

— وإيه علاقتك بأبويا؟

ضحك ضحكة قصيرة.

— السؤال الصح مش علاقتي بأبوك.

قرب خطوة.

— السؤال الصح: علاقتي بيك إنت إيه؟

هي صرخت:

— كفاية!

لكنه كمل:

— طول السنين دي، هما حكولك نص الحكاية بس.

قلت:

— هما مين؟

— أبوك… أمك… وهي.

وأشار لها.

قلت:

— أنا قابلتها من ست شهور بس.

بصلي بطريقة غريبة.

— إنت متأكد؟
الجملة خلتني أسكت.

قال:

— إنت قابلتها وإنت طفل.

لفيت ناحيتها.

— الكلام ده حقيقي؟

دموعها نزلت.

— أيوه.

— إمتى؟

— مرة واحدة.

— فين؟

— المستشفى.

حسيت إن حاجة بعيدة جدًا بتتحرك في ذاكرتي.

ممر طويل.

ريحة مطهر.

ست قاعدة على كرسي ووشها عليه آثار إصابة.

وأبويا ماسك إيدي.

كنت فاكر طول عمري إن دي ذكرى من حلم قديم.

قلت:

— كنت عندي كام سنة؟

— حوالي 8 سنين.

نفس عمر الصورة.

فتحت الظرف بعصبية.

صرخت:

— لأ، استنى!

لكن خلاص.

قطعت طرف الظرف.

طلعت منه ورق كتير.

وأول ورقة كانت رسالة بخط أبويا.

بدأت أقرأ:

«يا ابني…

لو الرسالة دي وصلتلك، يبقى أنا غالبًا مش موجود علشان أشرحلك بنفسي.

وأول حاجة لازم تعرفها إن أمك مالهاش ذنب في القرار اللي أنا أخدته.

ولو هتلوم حد، لومني أنا.»

وقفت.

بصيت ناحية الراجل.

كان واقف ساكت.

كملت:

«قبل ولادتك بسنين، كنت شريك في مشروع مع شخص كنت باعتبره أخويا.

وثقت فيه أكتر من اللازم.

ولما اكتشفت إنه بيستخدم الشركة في معاملات غير قانونية، قررت أبلغ عنه.

لكن قبل ما أعمل كده، حصل حادث.»

قلبي بدأ يدق بسرعة.

قلبت الصفحة.

«الحادث ماكانش صدفة.

وكان فيه شاهدة واحدة شافت اللي حصل.»

رفعت عيني ناحية الست اللي كنت مرتبط بيها.

كانت بتعيط.

قلت:

— إنتِ؟

هزت راسها.

كملت القراءة:

«هي كانت شاهدة على محاولة ق/تلي.

وأخوها كان الشخص اللي حاول يعملها.»

رفعت عيني ببطء ناحية الراجل الواقف عند الباب.

قال فورًا:

— كمل الرسالة قبل ما تحكم.

لكن هي صرخت:

— إنت حاولت تق/تله!

رد:

— وأنا دفعت تمن اللي عملته!

قلت:

— اسكتوا!

أول مرة صوتي يطلع بالقوة دي.

رجعت للرسالة.

«بعد الحادث، وافقت تشهد ضده، لكن عيلتها ضغطت عليها علشان تغير أقوالها.

وفي النهاية، القضية ماوصلتش للحقيقة كاملة.

بعدها بسنين، رجع أخوها.

وساعتها عرفت إنه بيدور على حاجة أنا مخبيها.»

قلبت الورقة.

لكن الصفحة اللي بعدها ماكانتش رسالة.

كانت صورة مستند.

وفي أعلاها اسم شركة قديمة.

وتحت الاسم توقيع أبويا.

وتوقيع شخص تاني.

بصيت للتوقيع.

وبعدين بصيت للراجل.

قلت:

— ده اسمك؟

قال:

— أيوه.

سألته:

— كنت شريك أبويا؟

— كنت.

— وحاولت تقت/له؟

سكت.

قلت بصوت أعلى:

— جاوب!

قال:

— حصلت مواجهة بينا. الأمور خرجت عن السيطرة. لكن اللي مكتوب في الرسالة مش كل الحقيقة.
قلت:

— وإيه الحقيقة؟

أشار للورق.

— الحقيقة موجودة في آخر صفحة.

قلبت الورق بسرعة.

صفحة.

اتنين.

ثلاثة.

لحد ما وصلت لورقة مختلفة.

مش بخط أبويا.

كانت نتيجة تحليل قديمة.

بصيت للتاريخ.

من 25 سنة تقريبًا.

سألت:

— ده إيه؟

هي قالت:

— ماتكملش دلوقتي.

قلت:

— بعد كل ده عايزاني ماكملش؟

بدأت أقرأ.

مافهمتش المصطلحات كلها.

لكن فهمت عنوان واضح.

«إثبات نسب.»

اتجمدت.

رجعت قريت الاسم الأول.

اسم طفل.

كان اسمي.

الاسم الثاني…

مش اسم أبويا.

رفعت الورقة.

قلت:

— إيه ده؟

محدش رد.

بصيت لها.

— ليه اسم أبويا مش موجود هنا؟

قالت وهي بتعيط:

— علشان الورقة دي مش بالشكل اللي إنت فاهمه.

الراجل ضحك بسخرية.

— بقالكم 25 سنة بتقولوا الجملة دي.

لفيت ناحيته.

— إنت تعرف الورقة؟

قال:

— أنا السبب إنها اتعملت.

قلت:

— ليه؟

سكت لحظات.

ثم قال:

— لأن وقت ولادتك كان فيه شك إن الطفل اللي خرج من المستشفى مع أبوك وأمك…

مش طفلهم.

الصمت اللي نزل على المكان كان تقيل.

قلت:

— إيه؟

هي قربت مني:

— اسمعني…

بعدت عنها.

— محدش يقرب مني.

بصيت للورقة تاني.

قلت:

— يعني إيه مش طفلهم؟

قالت:

— يوم ولادتك حصلت مشكلة كبيرة في المستشفى.

— مشكلة إيه؟

— كان فيه طفلين اتولدوا في نفس الوقت تقريبًا… وحصل خطأ في التسجيل.

ضحكت من شدة التوتر.

— وإنتوا عايزيني أصدق إن حياتي كلها بدأت بخطأ مستشفى؟

قالت:

— أبوك اكتشف الموضوع لما كان عندك حوالي 8 سنين.

قلت:

— عشان كده الصورة اتصورت وقتها؟

— أيوه.

— وعشان كده قابلتك في المستشفى؟

هزت راسها.

الرجل تدخل:

— لكن أبوك ماكانش بيدور بس على حقيقة نسبك.

بصيت له.

قال:

— كان بيدور على الطفل التاني.

قلبي وقع.

— طفل تاني؟

قال:

— الطفل اللي المفروض كان مكانك.

هي قالت بسرعة:

— كفاية.

لكنه تجاهلها.

— أبوك لقى الطفل.

قلت:

— فين؟

الرجل بصلي مباشرة.

— كان عايش قريب جدًا منك.

قلت:

— مين؟

ما ردش.

قربت منه:

— مين الطفل التاني؟

قال:

— افتح الورقة الأخيرة.

بصيت للظرف.

كان لسه جواه ورقة مطوية.

طلعتها.

لكن قبل ما أفتحها، الست اللي قدامي مسكت إيدي.

— لو قريتها، حياتك مش هترجع زي الأول.

بصيت لها.

قلت:

— حياتي القديمة انتهت من ساعة ما لقيت الصورة.

فتحت الورقة.

كانت رسالة قصيرة جدًا من أبويا.

سطرين تقريبًا.

«أنا اكتشفت الحقيقة متأخر.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى