
سكتت لحظة، ثم أضافت:
— هي السبب الحقيقي إني طلبت الطلاق.
وقبل ما يقدر يسألها عن أي حاجة تانية…
زينة فتحت عينيها ببطء.
بصت لأمها.
ثم بصت لطارق.
وقالت بنعاس:
— ماما…
نغم قربت منها.
— نعم يا حبيبتي؟
زينة أشارت لطارق.
— هو ليه بيعيط؟
طارق مسح وشه بسرعة.
لكن زينة مدت إيدها له.
قرب منها.
مسكت صباعه الصغير بإيديها.
وقالت:
— متعيطش يا عمو… أنا بقيت أحسن.
طارق ابتسم وسط دموعه.
وباس إيدها.
ثم رفع عينه لنغم.
لكن السؤال المرة دي ماكانش عن زينة.
كان عن ست سنين كاملة اتسرقت من التلاتة.
وقال بصوت هادي:
— أول ما زينة تتحسن… هتحكيلي كل حاجة حصلت يوم الطلاق.
نغم بصتله طويلًا.
ثم قالت:
— هحكيلك.
وسكتت لحظة قبل ما تضيف:
— بس لما تعرف الحقيقة يا طارق… ممكن تكتشف إن طلاقنا ماكانش أسوأ حاجة عملتها والدتك فينا.
خرجت زينة من المستشفى تاني يوم بعد الضهر.
الحرارة نزلت، والدكتور طمّن نغم إن حالتها مستقرة، لكنه شدد عليها تلتزم بالعلاج وتتابع لو التعب رجع تاني.
وطول الساعات اللي قضوها في المستشفى، طارق تقريبًا ما اتحركش من مكانه.
كان كل شوية يبص لزينة وهي نايمة، كأنه بيحاول يحفظ ملامحها.
وفي مرة فتحت عينيها ولقته قاعد جنب السرير.
قالت بنعاس:
— إنت لسه هنا يا عمو؟
ابتسم.
— أيوه.
— مش عندك بيت؟
نغم غصب عنها ابتسمت.
أما طارق فضحك لأول مرة من قلبه.
— عندي.
زينة فركت عينيها.
— أمال مبتروحش ليه؟
سكت لحظة، وبعدين قال:
— عشان كنت مستني أطمن عليكي.
زينة ابتسمت.
— أنا بقيت كويسة.
وبعدين مدت إيدها ناحية علبة العصير.
طارق سبق نغم وفتحها لها.
أخدتها منه وقالت:
— شكرًا.
الكلمة البسيطة دي عملت فيه حاجة غريبة.
بنته بتقوله شكرًا كأنه راجل غريب.
لأن بالنسبة لها…
هو فعلًا راجل غريب.
لما وصلوا العمارة، طارق نزل من عربيته وفتح الباب الخلفي.
زينة كانت نايمة.
مد إيده عشان يشيلها.
لكن نغم قالت:
— أنا هشيلها.
بصلها.
— نغم، هي نايمة.
— وأنا أمها ومتعودة.
— وأنا…
وقف.
الكلمة كانت عايزة تطلع.
«وأنا أبوها.»
لكنه حس إنه لسه ما كسبش حق يقولها قدام زينة.
قال بهدوء:
— خليكي شايلة العلاج وأنا أشيلها.
نغم ترددت.
لكنها وافقت.
طارق شال زينة بحذر شديد.
رأسها استقرت على كتفه بشكل تلقائي.
وبعد خطوتين، إيديها الصغيرة لفت حوالين رقبته وهي نايمة.
اتجمد.
نغم لاحظت.
قالت:
— مالك؟
هز راسه.
— مفيش.
لكنه كان فيه.
كان فيه خمس سنين كاملة بيحس بيها مرة واحدة.
طلع الأربع أدوار وهو شايلها.
ولأول مرة شاف الشقة بوضوح.
السقف فيه آثار رطوبة.
ترابيزة السفرة صغيرة.
التلاجة قديمة.
وفي جنب الصالة ماكينة خياطة، عليها هدوم أطفال متقصوصة بعناية.
بص لنغم.
— بتشتغلي خياطة؟
حطت الأدوية.
— بعمل تعديلات هدوم، وباخد شغل تفصيل بسيط.
— وإنتِ خريجة إدارة أعمال.
قالتها بمرارة:
— الشهادة مش بتدفع إيجار البيت.
طارق سكت.
بص حواليه تاني.
فوق الحيطة كانت صور زينة.
زينة وهي رضيعة.
زينة في أول عيد ميلاد.
زينة ماسكة بالونة عليها رقم اتنين.
زينة أول يوم حضانة.
زينة في حفلة صغيرة.
طارق قرب من الصور كأنه منوّم.
مد إيده ناحية صورة.




