
— خمس سنين يا أمي.
قالت:
— أنا عملت اللي كنت شايفاه صح.
ضحك بمرارة.
— صح لمين؟
— ليك.
— حرمتيني من بنتي عشاني؟
— نغم ماكنتش مناسبة لحياتنا.
— حياتنا؟ دي كانت مراتي.
— وكانت هتضيع مستقبلك.
طارق ضرب كفه على الترابيزة.
— إنتِ اللي ضيعتي خمس سنين من مستقبلي!
سهير قامت.
— متعليش صوتك عليا.
— وأنا طفل لما تتحكمي في حياتي؟
قالت بغضب:
— أنا بنيت كل حاجة حواليك!
— وأنا ما طلبتش منك تهديلي بيتي.
سكتت.
طارق فتح الظرف.
طلع صورة زينة الرضيعة.
الصورة اللي نغم بعتها من سنين.
حطها قدام أمه.
— شوفيها.
سهير ما بصتش.
— بصي لها!
رفعت عينيها للصورة.
لأول مرة ملامحها انهارت.
طارق قال:
— كان عندها 14 يوم لما الصورة دي وصلت باب بيتي.
دموع سهير ظهرت.
— أنا…
— وإنتِ رجعتيها.
— كنت خايفة.
— من إيه؟ من طفلة؟
قالت:
— من فؤاد.
طارق سكت.
— إيه؟
سهير قعدت.
وفجأة الست القوية اللي طول عمره يعرفها اختفت.
قالت:
— الموضوع خرج من إيدي.
طارق قرب.
— من البداية.
قالت:
— أنا كنت عايزة نغم تبعد. أيوه. وأنا اللي وريتها الصور والتسجيل.
غمض عينيه.
اعترفت.
كملت:
— لكن فؤاد كان عارف موضوع الحمل.
— إزاي؟
— المحامي قاله.
— وليه كان مهتم؟
— عشان الأسهم.
طارق قال:
— عارف.
سهير رفعت عينيها بصدمة.
— عرفت؟
— كملي.
— لما نغم رفضت تمضي في الأول، فؤاد قال إنه هيتصرف.
— يعني إيه يتصرف؟
— معرفتش وقتها.
— متكدبيش.
قالت وهي بتعيط:
— أقسم لك ما كنتش أعرف إنه هيخوفها بالشكل ده.
— لكنك سكتي.
سهير ما ردتش.
— خمس سنين يا أمي.
قالت:
— كنت كل سنة أقول هصلح اللي حصل.
— إزاي؟ زينة تكبر فجأة وتبقى رضيعة تاني؟
سكتت.
طارق أخذ الظرف.
— من النهارده، أي تواصل بينك وبين نغم أو زينة هيكون بموافقة نغم.
سهير شهقت:
— دي حفيدتي.
طارق بص لها.
— وهي بنتي.
ثم قال:
— وكل المستندات اللي عندي هتتسلم للجهات المختصة. واللي عمل حاجة مخالفة للقانون يتحمل مسؤوليتها.
سهير بكت.
— هتبلغ عن أمك؟
قال بهدوء:
— أنا مش هخبي دليل عشان حد. التحقيق هو اللي يحدد مسؤولية كل شخص.
ومشي.
التحقيقات استمرت شهور.
فؤاد حاول ينكر.
حسام قال إنه مجرد موظف.
وكل طرف حاول يحمل الطرف التاني المسؤولية.
لكن الرسائل والسجلات المالية وشهادات الموظفين القديمة فتحت الملف من جديد.
طارق ما حاولش ينتقم بنفسه.
ساب الأمر للمحامين والجهات المختصة.
أما هو…
فكان عنده شيء أهم.
كان بيتعلم يبقى أب.
أول أسبوع، وصل لزينة الصبح بعربية ضخمة مليانة ألعاب.
نغم وقفت عند الباب وقالت:
— رجعهم.
— ليه؟
— عشان بنتك مش محتاجة تشتري حبها.
طارق بص للعربية.
— أنا بس…
— عايز تعوض خمس سنين في يوم.
سكت.
قالت:
— متعوضهاش بفلوس.
— أعمل إيه؟
قالت:
— اقعد معاها.
وفعل.
رجع الألعاب كلها إلا علبة ألوان زينة اختارتها.
وقعد ساعتين على الأرض يرسم معاها.
رسم قطة شكلها أقرب للبطاطس.
زينة ضحكت لحد ما دموعها نزلت.
وقالت:
— بابا إنت مبتعرفش ترسم خالص.
قال:
— أول مرة حد يقيمني بمنتهى الصراحة.
نغم كانت واقفة عند باب المطبخ.
وابتسمت من غير ما تحس.
مرت الشهور.
زينة اتحسنت.
طارق بقى يوصلها الحضانة أحيانًا.
يحضر مواعيد الدكتور.
يسأل عن علاجها.
يتعلم هي بتحب إيه وبتكره إيه.
وأصعب حاجة اتعلمها…
إن الأبوة مش لقب.
الأبوة حضور.
في يوم كانت زينة عندها حفلة في الحضانة.
طارق كان عنده اجتماع مهم جدًا في نفس التوقيت.
نغم قالت:
— لو مش هتعرف تيجي قول لها من دلوقتي.
قال:
— هاجي.
— متوعدهاش لو مش متأكد.
بصلها.
— قلت هاجي.
الساعة بقت أربعة.
كل الأهالي موجودين.
وزينة واقفة ورا الستارة كل شوية تبص ناحية الباب.
قالت:
— ماما… بابا مش جاي؟
قلب نغم اتقبض.
قبل ما ترد…
الباب اتفتح.
طارق دخل وهو تقريبًا بيجري.
رابطته في إيده.
وقميصه متكرمش.
زينة صرخت:
— بابا!
كل الناس بصت.
لكنه ما اهتمش.
قعد في أول كرسي فاضي.
زينة طلعت على المسرح.
وطول العرض كانت عينيها عليه.
بعد ما خلصت، جريت عليه.
— شوفتني؟
قال:
— شوفت أحلى واحدة في الحفلة.
— أنا غلطت مرتين.
— وأنا ماخدتش بالي.
قالت بفخر:
— عشان بتحبني.
بصلها.
— جدًا.
نغم سمعت.
وفي اللحظة دي…
جزء صغير من الحائط اللي بنته حوالي قلبها بدأ يقع.
بعد سنة تقريبًا…
علاقة طارق بأمه فضلت محدودة.
سهير بدأت تحاول تصلح اللي عملته، لكن نغم رفضت إن زينة تدخل في أي صراع.
ولما طلبت سهير تشوف حفيدتها، نغم قالت لطارق:
— القرار مش انتقام.
— عارف.
— لو هتشوفها، لازم زينة ما تسمعش أي كلام عن الماضي.
— موافق.
أول لقاء كان في مكان عام.
سهير شافت زينة جاية ناحية الترابيزة.
فضلت واقفة.
زينة بصت لها.
ثم بصت لطارق.
— دي مين؟
طارق قال:
— دي جدتك.
سهير انهارت في العياط.
زينة قربت منها ببطء.
وقالت:
— إنتِ بتعيطي ليه؟
سهير مسحت دموعها.
— عشان عملت غلطات كتير.
زينة قالت:
— ماما بتقول لما نغلط نقول آسفين.
سهير بصت لنغم.
وقالت:
— آسفة.
نغم ما قالتش «مسامحاكي».
لأن بعض الجروح مش بتتقفل بكلمة.
لكنها قالت:
— المهم زينة ما تدفعش تمن حاجة حصلت قبل ما تتولد.
سهير هزت رأسها.




