
بدأت تحكي.
يوم ولادتنا، والدنا كان عنده ثروة كبيرة، وكان فيه نزاع عائلي على الميراث. بعض أفراد العيلة كانوا عايزين يبعدونا عن أبويا عشان يستولوا على أملاكه. وبعد غياب والدتنا، اتاخد قرار إن كل واحدة فينا تتربى بعيد عن التانية، لحد ما الأمور تهدى.
قاطعتها:
بس أنا كنت فاكرة إن أبويا وأمي غابوا وأنا صغيرة!
هزت رأسها.
لأنهم فعلًا غابوا، لكن قبل غيابهم، أبويا كتب وصية بتقول إننا لازم نعرف حقيقة أصلنا لما نتم 88 سنة.
المحامي أخرج مستندًا وقال:
وده سبب ظهور شهادة الغياب المزورة. واحدة من الأختين اتسجلت غائبة، عشان محدش يقدر يطالب بنصيبها في الميراث.
سألت بسرعة:
طب مين اللي اتسجلت غائبة؟ أنا ولا هي؟
إليانور بصتلي ودموعها بتلمع في عينيها.
أنا اللي اتسجلت غائبة، مش إنتِ.
اتسمرت مكاني.
يعني أنا مارجريت الحقيقية؟!
هزت رأسها وقالت:
أيوه. إنتِ مارجريت، وأنا إليانور. لكن فيه حاجة تانية لازم تعرفيها.
هنري كان ساكت طول الوقت، لحد ما قالت:
هنري كان طفل صغير وقتها، ووالده كان واحد من الأشخاص المسؤولين عن تنفيذ وصية أبوكي. هو اللي أخدك وربّاك بعيد عن الناس اللي كانوا بيدوروا عليكي.
بصيت لهنري بغضب.
طب ليه أجبرتني أكذب في سني 60 سنة؟!
هنري رد أخيرًا:
لأن الوصية كانت بتقول إنك لما توصلي لسن 88، لازم يظهر الملف الأصلي، وساعتها هيتكشف إن شهادة الغياب كانت مزورة. كنت بحاول أأجل اللحظة دي، لأني كنت خايف من اللي هيحصل بعد كده.
المحامي فتح آخر صفحة من الوصية وقال:
لكن فيه بند تاني محدش فيكم شافه لحد النهارده.
قربنا كلنا منه.
قرأ بصوت مرتفع:
لا يجوز تسليم ميراث عائلة هاريسون لأي من الورثة قبل حضور الشاهد الأخير، الذي احتفظ بالحقيقة طوال هذه السنوات.
سألته:
مين الشاهد الأخير؟
إليانور بصت لهنري، وهنري بص للأرض.
أما ديفيد فكان بيقلب في أوراق الشنطة، وفجأة سحب ظرفًا صغيرًا وقال:
ماما، استني… فيه اسم مكتوب هنا!
فتح الظرف وقرأ الاسم.
كان اسم شخص غاب من أكتر من 30 سنة!
لكن المحامي اتغيرت ملامحه وقال:
مستحيل… ده معناه إن الشخص ده ساب تسجيل قبل غيابه، والتسجيل موجود في مكان محدد.
سألته:
فين؟!
رد وهو بيشاور على الصندوق الخشبي القديم:
تحت قاع الصندوق… فيه درج سري إحنا لسه مفتحناهوش.
رجعنا للصندوق، وهنري استخدم مفتاح صغير كان مربوطًا بالمفتاح الأول.
فتح الدرج، ولقينا شريط تسجيل قديم، ومعاه ورقة مكتوب عليها:
إلى مارجريت وحدها… لو وصلتي لسن 88، يبقى أخيرًا جه الوقت تعرفي مين كان السبب الحقيقي في تزوير شهادة غيابك.
ديفيد جاب جهاز تشغيل قديم من مخزن البيت، وحط الشريط.
وبعد ثواني، سمعنا صوت راجل عجوز بيقول:
مارجريت… لو بتسمعي صوتي دلوقتي، فأنا آسف إني سبتك تعيشي كل السنين دي من غير ما تعرفي الحقيقة…
ثم سكت لحظات وأضاف:
لكن لازم تعرفي إن هنري مش هو الشخص الوحيد اللي خدعك… فيه شخص من عيلتك كان عارف كل حاجة، وكان بيزورك كل سنة في عيد ميلادك، وإنتِ عمرك ما شكّيتي فيه!
وفجأة، التسجيل انتهى عند اسم واحد…
اسم خلّى ديفيد يسيب جهاز التسجيل من إيده!
يتبع…
ديفيد فضل باصص لجهاز التسجيل وكأنه مش مصدق اللي سمعه.
سألته وأنا قلبي مقبوض:
الاسم إيه يا ديفيد؟ مين الشخص اللي كان بيزورني كل عيد ميلاد؟
ديفيد بلع ريقه وقال:
ماما… الاسم هو إدوارد ميلر!
صرخت:
إدوارد؟! الراجل اللي اتصل بينا من شوية؟!
المحامي هز رأسه وقال:
لازم نسمع باقي التسجيل. واضح إن فيه جزء تاني.
هنري بدأ يتحرك بعصبية في الأوضة، وقال:
كفاية! إدوارد ملوش دعوة باللي حصل، وأنا مش هسمح إنكم تتهموا راجل بريء!
إليانور بصتله بغضب وقالت:
لسه بتدافع عنه يا هنري؟ بعد كل السنين دي؟!
بصيتلها باستغراب.
إنتِ تعرفي إدوارد منين؟
قعدت جنبي، ومسكِت إيدي وقالت:
إدوارد كان صديق والدنا المقرب، وكان مسؤول عن الاحتفاظ بنسخة من الوصية. لكنه اختفى بعد غياب أبوكي بأيام، ومحدش عرف مكانه.
المحامي قال:
لكنه رجع من سنين، وبدأ يتابع أخبار العيلة من بعيد.
في اللحظة دي، تليفون ديفيد رن.
بص للشاشة، وبعدها قال:
ماما… ده إدوارد!
طلبت منه يفتح مكبر الصوت.
جالي صوت إدوارد هادي:
مارجريت، عارف إنك عرفتي حاجات كتير النهارده، لكن لسه فيه حقيقة أخطر لازم تسمعيها مني.
قلت بغضب:
أنا مش عايزة أسمع منك أي حاجة! إنت ضيعت عمري!
رد بهدوء:
أنا معترف إني غلطت لما سكت، لكن فيه حاجة لازم تعرفيها… الشخص اللي زوّر شهادة غيابك مش أنا، ومش هنري.
سألته:
أمال مين؟!
قال:
الشخص ده كان عنده مصلحة إنك تفضلي طول عمرك فاكرة إنك مارجريت ويلسون، وإنك متعرفيش إن ليكي أخت توأم.
بصيت لإليانور، لقيتها بدأت تبكي.
إدوارد كمل:
وأنا عندي الدليل. هتلاقوا في الصندوق ظرف بني، مكتوب عليه رقم 88. افتحوه، وهتعرفوا مين صاحب التوقيع الحقيقي.
ديفيد بدأ يفتش في الصندوق، وبعد لحظات طلع ظرفًا قديمًا.
فتحه وخرج منه عقد رسمي، وصورة لشخص واقف جنب والدي الحقيقي.
أول ما شفت الصورة، صرخت:
لا… مستحيل!
المحامي قرب مني وسألني:
تعرفي الشخص ده؟
هزيت رأسي وأنا مش قادرة أتكلم.
كان الشخص هو أخو هنري الأكبر، جورج!
لكن جورج غاب من 45 سنة، وكنت طول عمري فاكرة إنه مجرد قريب بعيد للعيلة.
المحامي فحص التوقيع وقال:
هو اللي قدّم طلب تسجيل الغياب، وهو كمان اللي غيّر بيانات شهادة الميلاد.
هنري قعد على الكرسي، وقال:
جورج كان بيحاول يستولي على ميراث عيلة هاريسون، وكان فاكر إن اختفاء مارجريت وإليانور هيخليه الوريث الوحيد.
سألته:
طب إنت ليه سكت طول السنين دي؟!
رد بصوت مكسور:
لأن أخويا قبل ما يغيب سلّمني ظرف، وقال لي إن فيه دليل يثبت إنك لسه صاحبة الحق في الميراث. وخوفني إن لو اتكلمت، حياتك هتكون في خطر.
المحامي قاطعه:
لكن فيه مشكلة. الوصية الأصلية بتقول إن الميراث مش هيتسلم إلا بعد حضور الأختين معًا، والتوقيع على إقرار يثبت هويتهم.
إليانور قالت:
وأنا مستعدة أوقّع.
لكن المحامي رفع إيده وقال:
استني… فيه شرط أخير.
فتح الصفحة الأخيرة من الوصية، وقرأ:
إذا ثبت أن إحدى الوريثتين كانت تعلم بتزوير شهادة الغياب وساعدت في إخفاء الحقيقة، تُراجع جميع التصرفات المالية التي تمت باسمها خلال السنوات السابقة.
بصيت لإليانور.
لأول مرة، لاحظت إنها مش مصدومة زي باقي الموجودين.
كانت بتبص للورقة وكأنها عارفة محتواها من قبل.
سألتها بهدوء:
إليانور… إنتِ كنتِ عارفة بالوصية دي؟
وشها اتغير.
هنري قام من مكانه وقال:
مارجريت، أرجوكي متسأليهاش السؤال ده!
لكن إليانور رفعت عينيها ليا، وقالت جملة قلبت كل اللي فهمته لحد دلوقتي:
أيوه… أنا كنت عارفة، وأنا اللي طلبت من إدوارد يخليكي تفضلي فاكرة إنك غائبة بالنسبة للعيلة، لأن الحقيقة إنك كنتِ صاحبة الحق الوحيد في الميراث، وأنا كنت خايفة أخسرك للأبد!
وقبل ما أقدر أرد، ديفيد فتح ورقة صغيرة كانت مخبأة داخل الوصية.
قرأ أول سطر، وبعدين بصلي وقال:
ماما… فيه اسم وريث تالت إحنا عمرنا ما سمعنا عنه!
والاسم ده كان مكتوب باعتباره صاحب الحق في كل الممتلكات لو اختفت الأختان من السجلات!
يتبع…
فضلت باصة لديفيد وأنا مش قادرة أستوعب كلامه.
سألته:
مين الوريث التالت يا ابني؟!
ديفيد قرأ الاسم بصوت مرتعش:
توماس هاريسون!
المحامي حط إيده على جبينه وقال:
توماس كان ابن عم والدتك، وكان آخر شخص ممكن يستفيد من اختفاء الوريثتين.
إليانور نزلت عينيها للأرض، وبعد لحظات قالت:
توماس هو اللي دبّر كل حاجة من البداية. هو اللي أقنع جورج يزوّر الأوراق، وهو اللي خلّى كل واحد فينا يصدق حكاية مختلفة عن التاني.
هنري اتكلم أخيرًا:
لكن توماس غاب من 35 سنة، ومقدرناش نثبت عليه أي حاجة.
المحامي رد:
صحيح، لكنه ساب اعتراف مكتوب بخط إيده، وكان مخبيه في خزنة بنكية. ومن أسبوع البنك تواصل معانا بعد انتهاء مدة حفظ الخزنة.
فتح المحامي آخر ملف، وطلع منه اعتراف توماس، ومعاه المستندات الأصلية اللي بتثبت هويتي وهويّة إليانور.
ولأول مرة في حياتي، عرفت تاريخ ميلادي الحقيقي، واسم عيلتي الأصلي، والحقيقة الكاملة عن شهادة الغياب.
لكن كان لسه عندي سؤال واحد.
بصيت لإليانور وقلت:
ليه؟ ليه وافقتي تسيبيني أعيش كل السنين دي من غير ما أعرف إن ليّا أخت؟
دموعها نزلت وقالت:
كنت صغيرة وخايفة، وكل اللي اتقال لي إن ظهورك هيعرّضك للخطر. ولما كبرت، بقيت خايفة من إنك متسامحنيش على السنين اللي ضاعت.
رديت عليها:
إنتِ مش بس ضيعتي سنين من عمري، إنتِ حرمتيني من إني أعرف إن ليّا أخت تشبهني!
سكتت، ومقدرتش تدافع عن نفسها.
أما هنري، فاقترب مني وقال:
أنا عارف إنك مش هتسامحيني بسهولة، لكن عايزك تعرفي إن حبي ليكي كان حقيقي. أنا كنت غلطان لما قررت أحميكي بالكذب بدل ما أقولك الحقيقة.
بصيتله وقلت:
أنا مش عارفة هقدر أسامحك إمتى، لكن اللي أعرفه إن باقي عمري مش هعيشه في كذبة تاني.
وبالفعل، خلال الأسابيع التالية، المحامي أنهى الإجراءات القانونية، واتثبتت هويتي الحقيقية، واتصححت شهادة الغياب المزورة، واتفتحت القضية القديمة من جديد.
أما ميراث عيلة هاريسون، فبعد مراجعة المستندات، اتقسم وفق الوصية الأصلية بين الورثة المستحقين، واتكشف حجم التلاعب اللي حصل على مدار السنين.
لكن أجمل حاجة حصلت مكنتش الفلوس ولا الممتلكات.
كانت أول مرة أقعد فيها مع إليانور قدام ألبوم صور قديم، ونكتشف إن عندنا نفس الذكريات الصغيرة رغم إننا عشنا حياتين مختلفتين تمامًا.



